داعش يعود بوجه جديد.. من البادية إلى أفريقيا وآسيا عبر الذكاء الاصطناعي

الخميس 21/أغسطس/2025 - 11:56 ص
طباعة داعش يعود بوجه جديد.. أميرة الشريف
 
شهدت جلسة لمجلس الأمن الدولي، عرضاً مثيراً للقلق قدّمه خبراء الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب، أكدوا فيه أن تنظيم "داعش" لم يعد مجرد تهديد محصور في جغرافيا محددة كما كان الحال عند ظهوره الأول في العراق وسوريا عام 2014، بل تحوّل إلى شبكة عابرة للحدود تستغل الأزمات السياسية والفوضى الأمنية في أكثر من قارة، وتطوّر أدواتها عبر التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي.
إرث "الخلافة" المنهارة
منذ أن أعلن التنظيم قيام ما سمّاه "الخلافة" على مساحات شاسعة من سوريا والعراق قبل نحو عقد من الزمن، وما تبع ذلك من معارك طاحنة أودت بحياة عشرات الآلاف ودمرت مدناً كاملة مثل الموصل والرقة، بدا أن التنظيم قد طُوي ملفه مع إعلان هزيمته العسكرية في العراق عام 2017.
 غير أن المشهد الميداني والسياسي أثبت أن الفكرة لم تُهزم بالكامل؛ إذ سرعان ما ظهرت "الخلايا النائمة" في مناطق متفرقة من سوريا والعراق، تواصل شنّ هجمات محدودة ولكنها مؤثرة، فيما انتقلت مجموعات أخرى إلى ساحات بديلة أكثر هشاشة مثل أفريقيا وأفغانستان.
عودة النشاط في أفريقيا
بحسب فلاديمير فورونكوف، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مكتب مكافحة الإرهاب، فإن تنظيم داعش بات اليوم لاعباً خطيراً في منطقة الساحل الأفريقي، مستغلاً حالة الانقلابات السياسية وضعف الحكومات المركزية في دول مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر.
 هذه المناطق أصبحت مسرحاً خصباً للتنظيم، الذي لم يعد يقتصر على العمليات المسلحة، بل تحوّل أيضاً إلى منتج رئيسي للدعاية الإرهابية، مستقطباً مقاتلين أجانب، معظمهم من أبناء المنطقة نفسها، ما يجعل تهديده أكثر تجذّراً محلياً.
كما كشفت اعتقالات في ليبيا عن وجود شبكات لوجستية ومالية معقّدة مرتبطة بالتنظيم، ما يعكس اتساع رقعة نفوذه الإقليمي.
 وفي الصومال، ورغم النجاح النسبي للقوات الأمنية في التصدي لهجوم واسع شنّه مقاتلو التنظيم وأدى إلى مقتل نحو 200 منهم واعتقال أكثر من 150 آخرين، إلا أن فورونكوف أكد أن "داعش" لا يزال قادراً على الاستفادة من شبكات دعم إقليمية، ما يجعله قادراً على إعادة تنظيم صفوفه متى سنحت الظروف.
أما في حوض بحيرة تشاد، فقد أوضحت ناتاليا جيرمان، المديرة التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، أن التنظيم يتلقى دعماً متزايداً من الخارج بالمواد والأفراد، وهو ما يساعده على تنفيذ عمليات نوعية في المنطقة. وأشارت إلى أن أفريقيا أصبحت تتحمل أكثر من نصف ضحايا العمليات الإرهابية في العالم، وهو مؤشر خطير على مركزية القارة في خريطة الإرهاب العالمية الجديدة.
سوريا والعراق: عودة البادية
رغم خسارته لجزء كبير من عناصره وبنيته التحتية في الشرق الأوسط، إلا أن "داعش" لم يختف من سوريا والعراق. ففي كلمته أمام مجلس الأمن، أوضح فورونكوف أن التنظيم يحاول استعادة نشاطه في مناطق البادية السورية شمال غربي البلاد، عبر عمليات خاطفة تهدف إلى زعزعة الاستقرار واستغلال الثغرات الأمنية.
 التنظيم يواصل كذلك العمل على تأجيج التوترات الطائفية وزرع بذور الشقاق بين المجتمعات المحلية، مستفيداً من هشاشة الوضع السياسي والأمني في البلدين.
أفغانستان وآسيا الوسطى
في أفغانستان، حيث انسحبت القوات الأميركية في عام 2021 تاركة فراغاً أمنياً كبيراً، برز فرع "داعش - ولاية خراسان" كأحد أخطر الفروع العالمية للتنظيم. 
وأكد فورونكوف أن هذا الفرع لا يشكل تهديداً لأفغانستان وحدها، بل يمتد خطره إلى دول آسيا الوسطى المجاورة وحتى أوروبا.
هذا الفرع استهدف مراراً المدنيين والأقليات الدينية والعرقية، إلى جانب هجمات على مصالح أجنبية، في محاولة لفرض نفسه كقوة مهيمنة في مواجهة حركة طالبان التي تسيطر حالياً على البلاد. 
وتضيف ناتاليا جيرمان أن "داعش - خراسان" يركّز على أساليب دعائية مبتكرة وحملات إلكترونية واسعة النطاق لاستقطاب مجندين جدد وجمع التمويل عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهي مقاربة تكنولوجية تختلف عن الأساليب التقليدية.
 الذكاء الاصطناعي سلاح
من أخطر ما أشار إليه خبراء الأمم المتحدة أن التنظيم لم يعد يعتمد فقط على الخطاب الديني المتشدد أو الهجمات التقليدية، بل أدخل الذكاء الاصطناعي إلى أدواته الدعائية والتنظيمية. 
يستخدم "داعش" تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مواد دعائية يصعب تمييزها عن المحتوى الحقيقي، مثل الصور المزيفة أو مقاطع الفيديو المعدلة التي تخدم أهدافه في التجنيد والتأثير النفسي.
هذا الاستخدام المبتكر للتكنولوجيا جعل المواجهة مع التنظيم أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد الإجراءات الأمنية التقليدية كافية.
 وأكدت جيرمان أن المطلوب اليوم هو إيجاد حلول مبتكرة تسمح باستغلال نفس أدوات الذكاء الاصطناعي في رصد وتفكيك الخطاب الإرهابي على الإنترنت، وتعزيز قدرات الدول على منع انتشار هذه المواد قبل وصولها إلى الفئات المستهدفة.
أوروبا تحت الضغط
رغم أن التنظيم فقد قاعدته الرئيسية في الشرق الأوسط، إلا أن تأثيره لم يتوقف عند حدود المنطقة، فقد أشار خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن أوروبا ما زالت عرضة لتهديداته عبر "الذئاب المنفردة" والخلايا الصغيرة التي تستلهم خطابه عبر الإنترنت.
 ولا يزال هاجس عودة المقاتلين الأجانب الذين التحقوا سابقاً بصفوف التنظيم يثير قلق الحكومات الأوروبية، خاصة مع وجود فراغات قانونية وأمنية تتعلق بمحاكمتهم أو إعادة دمجهم في مجتمعاتهم.
الحاجة إلى مقاربة شاملة
التحذيرات الأممية أكدت أن الخطر لم يعد محلياً أو إقليمياً، بل أصبح تهديداً عابراً للحدود يستفيد من التوترات الدولية وحالة السيولة الأمنية التي تشهدها مناطق كثيرة من العالم.
 ولذلك، شدد الخبراء على أن أي مواجهة فعالة مع "داعش" وفروعه تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين: التعاون الأمني الدولي لملاحقة الشبكات العابرة للحدود تجفيف مصادر التمويل عبر مراقبة التحويلات المالية والعملات الرقمية، تعزيز التنمية في المناطق الهشة التي توفر بيئة خصبة للتجنيد، مواجهة الدعاية الإلكترونية من خلال حلول تكنولوجية مضادة، معالجة الأسباب الجذرية للتطرف مثل التهميش السياسي والفقر والصراعات الطائفية.
ويري مراقبون أنه بعد عقد من إعلان "داعش" ما سماها "الخلافة"، يثبت التنظيم أنه كيان متحوّل، قادر على التكيّف مع المتغيرات العالمية، والتنقل بين الجغرافيا التقليدية في الشرق الأوسط إلى فضاءات جديدة في أفريقيا وآسيا الوسطى.
ويشير المراقبون إلي أنه إذا العالم قد نجح في تحجيمه عسكرياً في العراق وسوريا، فإن المعركة ضده لم تنتهِ بعد، بل دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً تتطلب وعياً جماعياً واستراتيجيات متعددة الأبعاد لمواجهة الإرهاب العابر للحدود والتكنولوجيا.

شارك