إيران بين نار النووي وشبح الإرهاب.. اختبار جديد على طاولة أوروبا

السبت 23/أغسطس/2025 - 12:27 م
طباعة إيران بين نار النووي أميرة الشريف
 
 تستعد إيران لجولة جديدة من المحادثات النووية الحساسة مع ممثلي فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة (E3) خلال الأسبوع الممتد من 24 إلى 30 أغسطس2025. 
ومع أن هذه الجولة ليست الأولى من نوعها، إلا أنها تأتي وسط تحولات إقليمية ودولية دقيقة تُضفي على المفاوضات طابعًا مصيريًا. 
فالملف النووي الإيراني لم يعد مجرد أزمة دبلوماسية، بل أصبح أكثر تعقيدًا مع تورط طهران في ملفات الإرهاب الإقليمي، وتضاؤل الثقة الدولية في نواياها النووية.
محادثات الفرصة الأخيرة
وفقًا لما نقلته وكالة رويترز في 22 أغسطس، فإن هذه المحادثات الجديدة ستركز على مستقبل البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب العقوبات التي قد يُعاد فرضها إذا فشلت طهران في تقديم تنازلات حقيقية.
 المنصة الاستخباراتية "ستراتفور" أشارت إلى أن اللقاء سيكون اختبارًا حاسمًا للعلاقات الأوروبية-الإيرانية، ومرآةً للقدرة الدولية على احتواء خطر توسع الطموحات النووية الإيرانية في بيئة أمنية هشة.
لكن المثير في الأمر هو التوقيت الحرج الذي تُعقد فيه هذه المفاوضات، حيث أن إيران لم تكتفِ بتوسيع نشاطها النووي، بل قامت في يوليو بطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما أدى إلى شلل في آليات الرقابة الدولية، وأثار قلقًا واسعًا بشأن طبيعة النشاط الجاري في المنشآت النووية.
تصاعد الضغوط الأوروبية
لم تعد أدوات الدبلوماسية وحدها كافية في التعامل مع طهران، حسب ما يرى صناع القرار في أوروبا، فمع غياب الشفافية الإيرانية، باتت العقوبات الاقتصادية ورقة الضغط الرئيسية في يد الدول الأوروبية الثلاث. 
هذه العقوبات، التي من المحتمل أن تعود بقوة في أكتوبر تهدف إلى دفع طهران للعودة إلى طاولة التفاوض بشروط أكثر مرونة، والسماح بعودة عمليات التفتيش.
في رسالة رسمية وجهها وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث في 8 أغسطس، حذرت طهران بشكل صريح من أن تجاهل مطالب السماح للمفتشين بالدخول إلى المواقع النووية سيقود إلى إعادة تفعيل العقوبات الأممية، مما يُعزز من عزلة إيران الاقتصادية والدبلوماسية.
الإرهاب والنووي
ما يزيد الأمور تعقيدًا أن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن فصله عن سياسات طهران الإقليمية التي تستخدم فيها أدوات الإرهاب كجزء من نفوذها الجيوسياسي.
 فمنذ سنوات، دعمت إيران جماعات مسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ولم تتردد في تسليح وتدريب هذه الميليشيات بما في ذلك عبر نقل تكنولوجيا الطائرات المسيّرة.
ويرى مراقبون أن امتلاك إيران لسلاح نووي – أو حتى اقترابها من ذلك – سيمنحها غطاءً أوسع لمواصلة هذه السياسات العدائية، ويزيد من جرأة أذرعها المسلحة في شن هجمات على أهداف إقليمية ودولية.
 كما أن دولًا مثل إسرائيل والسعودية والولايات المتحدة تعتبر أن الربط بين البرنامج النووي ودعم الإرهاب لم يعد نظريًا، بل واقعًا استراتيجيًا.
الحرب الأخيرة مؤشر خطير
الحرب القصيرة التي دارت بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، واستمرت 12 يومًا، مثّلت إنذارًا لما قد يحدث إذا استمرت إيران في نهجها الحالي. 
فقد شنّت طهران هجمات على منشآت إسرائيلية عبر ميليشيات في الجنوب اللبناني وغزة، بينما ردت إسرائيل بضربات جوية مركزة، تبعتها ضربات أمريكية على مواقع نووية إيرانية داخل البلاد.
ردًا على ذلك، أعلنت إيران في يوليو تعليق تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في خطوة وُصفت بأنها تصعيدية ومقلقة للغاية، لأنها أخرجت البرنامج النووي من دائرة الرقابة الدولية تمامًا.
هذا التعليق لم يكن سوى تتويج لمسار تصعيدي بدأ منذ سنوات، لكنه دخل مرحلة أكثر خطورة في أعقاب تلك الحرب.
 وقد أبدت دول الاتحاد الأوروبي قلقًا بالغًا من أن تؤدي مثل هذه المواجهات إلى سلسلة من الحروب الإقليمية، لا سيما إذا ما دعمت إيران هجمات إرهابية غير مباشرة ردًا على أي تصعيد دبلوماسي أو عسكري ضدها.
الطريق إلى إسطنبول
وفي محاولة لإنقاذ المسار الدبلوماسي، عُقد لقاء في 25 يوليو/تموز في إسطنبول بين إيران والدول الأوروبية، لكنه لم يسفر عن أي اختراق فعلي، بل انتهى إلى اتفاق هزيل على استئناف الحوار لاحقًا، دون التوصل إلى أي تفاهمات جوهرية بشأن عمليات التفتيش أو مستويات تخصيب اليورانيوم.
هذا الفشل يعكس عمق الفجوة بين الطرفين، ويثير تساؤلات حول ما إذا كانت إيران تستخدم هذه المفاوضات كأداة لكسب الوقت، بينما تواصل تطوير برنامجها النووي خلف الكواليس.
عقوبات أم صفقة؟
الاجتماع المرتقب بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظرائه الأوروبيين سيكون لحظة فارقة. فإما أن تنجح الأطراف في التوصل إلى صفقة جديدة تعيد فتح الباب أمام التعاون الدولي، أو تنهار المحادثات، ما سيؤدي إلى إعادة فرض عقوبات شديدة على إيران، وربما فتح الباب أمام مواجهات سياسية أو حتى عسكرية أكثر حدة.
لكن حتى في حال التوصل إلى اتفاق، فإن السؤال الأكبر سيبقى قائمًا: هل يمكن الوثوق بإيران؟ وهل ستتوقف فعليًا عن تسليح الجماعات المسلحة في المنطقة؟ وهل ستتخلى عن استخدام الإرهاب كوسيلة ضغط جيوسياسي؟
إذا ما استمرت إيران في ربط برنامجها النووي بأجندتها الإقليمية القائمة على زعزعة الاستقرار ودعم الإرهاب، فإن أي اتفاق مستقبلي سيبقى هشًا ومؤقتًا. 
ويري مراقبون أن ضمان تأثير طويل الأمد لأي تفاوض مع طهران يتطلب آلية رقابة صارمة، وربطًا مباشرًا بين التزامها النووي وسلوكها الأمني الإقليمي.
ويشير المراقبون إلي أن العالم اليوم لا يواجه فقط خطر قنبلة نووية محتملة، بل خطر أن تقع هذه القنبلة في يد نظام لا يتردد في دعم جماعات إرهابية تنشط عبر الحدود، وهو ما سيُغير قواعد الأمن في الشرق الأوسط وربما العالم بأسره.

شارك