الإخوان بين العزلة والعودة: لماذا يرفض الواقع المصري منطق المساومة؟
الإثنين 25/أغسطس/2025 - 02:36 ص
طباعة

أعاد اللقاء الذي نشرته صحيفة الشرق الأوسط مع عدد من القيادات الإخوانية والمعارضة المقيمة في تركيا – وفي مقدمتهم أيمن نور، رئيس حزب "غد الثورة"، ومحمد عماد صابر، أحد القيادات البارزة في جماعة الإخوان – فتح ملف المصالحة بين الدولة المصرية والجماعة من جديد. وقد جاء الطرح هذه المرة عبر دعوة مباشرة لحوار سياسي يُراد له أن يشمل كافة الأطراف، مع التأكيد على أن الظروف الإقليمية والدولية الراهنة تفرض البحث عن حلول للخروج من حالة الجمود السياسي.
في هذا السياق، قدّم هؤلاء المعارضون تصوراً مشروطاً لما وصفوه بـ "الحوار الحقيقي"، يقوم بالأساس على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وعلى رأسهم النساء وكبار السن، وتهيئة الأجواء لإعادة دمج الإخوان في المشهد العام. ويبدو أن الهدف من هذا التصور هو إعادة فتح الباب أمام الجماعة للعودة إلى الحياة السياسية من جديد، بعدما جرى تصنيفها كتنظيم إرهابي بحكم القانون والأحكام القضائية المصرية.
غير أن قراءة أعمق لهذا الطرح تكشف أن القضية ليست مجرد دعوة للحوار، بل محاولة لإعادة تدوير الجماعة وتقديمها في ثوب "القوة السنية المعتدلة" التي لا يمكن تجاوزها في التوازنات الإقليمية. وهو خطاب يعكس إدراك الإخوان لأزمتهم الداخلية وعزلتهم الخارجية، ومحاولة استثمار المتغيرات الإقليمية – خاصة حالة التوتر في المنطقة – كفرصة للعودة إلى المشهد، عبر الادعاء بأن إقصاءهم يمثل تهديداً بالانفجار أو فتحاً لباب التطرف.
لكن ما هو أبعد من التصريحات المباشرة يكمن في الرسائل المسكوت عنها: فالإخوان لم يطرحوا مراجعة فكرية جذرية لمشروعهم القائم على بناء "دولة موازية"، ولم يقدموا ضمانات للتخلي عن بنيتهم السرية العابرة للحدود. كما أن اشتراطهم الإفراج عن المعتقلين وإلغاء الحظر المفروض على الجماعة يتجاهل الطبيعة القانونية للأزمة، حيث إن هذه المطالب تتعارض بشكل مباشر مع أحكام قضائية نهائية صدرت بحق قيادات وكوادر متورطة في العنف والإرهاب.
دلالات التوقيت والسياق الإقليمي
أول ما يلفت الانتباه في دعوة بعض قيادات الإخوان والمعارضة المقيمة في تركيا إلى "حوار سياسي" مع الدولة المصرية هو توقيتها. فهي تأتي في لحظة إقليمية دقيقة تشهد إعادة تموضع بين عواصم عربية كبرى، وفي مقدمتها القاهرة والرياض، حيث يحرص الطرفان على تنسيق المواقف في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة، لا سيما مع الحرب الدائرة في غزة والتصعيد المستمر مع إسرائيل. وفي هذا السياق، يبدو أن الجماعة وحلفاءها يحاولون استثمار هذه اللحظة لإعادة طرح أنفسهم كفاعل لا يمكن تجاوزه.
هذا التوقيت لا يخلو من دلالة سياسية، إذ يُراد من خلاله الإيحاء بأن أي مشروع إقليمي لمواجهة التحديات ـ سواء أمنية أو سياسية ـ لن يكون مكتمل الأركان من دون إدماج جماعة الإخوان. ومن هنا، يسعى أيمن نور وقيادات الجماعة إلى إعادة ترويج خطاب مفاده أن "الإخوان قوة سنية وازنة" ينبغي أن تكون جزءاً من أي تحالف أو محور في مواجهة ما يوصف بالتهديدات الإسرائيلية والإيرانية معاً. إنها محاولة لاستعادة شرعية فقدتها الجماعة منذ 2013 عبر استدعاء البُعد الطائفي والمذهبي في تبرير وجودها السياسي.
إلى جانب ذلك، فإن الجماعة تحاول القفز على حقيقة عزلتها الداخلية والخارجية عبر تصوير نفسها على أنها "اللاعب الضروري". فبدلاً من الاعتراف بأنها خسرت الرصيد الشعبي بعد تجربة الحكم الفاشلة في مصر، وأنها تعاني من تصدعات تنظيمية حادة في الداخل والخارج، تعمد إلى تقديم نفسها كقوة لا غنى عنها في معادلات الإقليم. هذا الخطاب يهدف في جوهره إلى استعادة موقع التفاوض مع الدولة المصرية، ولو من بوابة الإقليم لا من الداخل الوطني.
الأخطر أن مثل هذا الخطاب يتجاهل الواقع السياسي المصري الذي تجاوز الجماعة منذ أكثر من عقد. فالمجتمع المصري لم يعد يتعامل مع الإخوان كقوة مشروعة، بل كتنظيم خارج القانون ارتبط اسمه بالعنف والإرهاب. وبالتالي فإن التلويح بقدرة الإخوان على لعب دور إقليمي في لحظة حساسة ليس سوى محاولة لإعادة تدوير مشروع انتهى عملياً في الداخل، وإلباسه رداءً جديداً يتوافق مع متغيرات الإقليم. وهذا يكشف أن الدعوة للحوار ليست مجرد مبادرة "تصالحية"، بل أداة ضغط سياسية تستند إلى ظروف خارجية أكثر مما تستند إلى اعتبارات داخلية حقيقية.
الخطاب المزدوج والرسائل المسكوت عنها
من أبرز ما يلفت الانتباه في تصريحات القيادي الإخواني محمد عماد صابر هو حديثه عن مراجعة أخطاء الجماعة واعترافه بمحاولة الإخوان بناء "دولة موازية" داخل الدولة المصرية. ورغم أن هذا الاعتراف يبدو في ظاهره خطوة إيجابية نحو النقد الذاتي، إلا أنه يظل قاصراً، إذ لم يتبعه إعلان واضح عن تفكيك هذا المشروع الموازي أو التخلي عن الفكرة التنظيمية العابرة للحدود التي شكلت جوهر أزمة الجماعة مع الدولة المصرية منذ نشأتها.
عند التدقيق في مضمون هذه الدعوات للحوار، يظهر بوضوح منطق المراوغة التقليدي الذي لطالما ميّز خطاب الجماعة. فالقيادات تتحدث عن "حوار حقيقي" لكنها تشترط مسبقاً الإفراج عن المعتقلين وإلغاء الحظر القانوني المفروض على الجماعة. هذه الشروط لا تمثل مجرد مطالب إنسانية أو سياسية، بل تعني عملياً القفز فوق أحكام قضائية نهائية صدرت بحق قيادات وكوادر ثبت تورطها في قضايا عنف وإرهاب، ما يجعل الدعوة للحوار مشوبة بمحاولة نسف المنظومة القضائية بأكملها تحت لافتة "المصالحة".
إلى جانب ذلك، يحاول الخطاب الإخواني التبرؤ من الفصائل المسلحة مثل "حسم" و"ميدان"، وتصويرها كأطراف هامشية لا تمثل سوى أقلية داخل صفوف الجماعة. غير أن هذا التبرؤ يبدو أقرب إلى عملية "تجميل للصورة" أمام الرأي العام، فهذه التنظيمات لم تنشأ في فراغ، بل خرجت من رحم الإخوان فكرياً وتنظيمياً، وتبنت خطاباً تكفيرياً وتصعيدياً يتوافق مع البنية الأيديولوجية الأصلية للجماعة. وبالتالي فإن إنكار العلاقة معها يمثل محاولة للهروب من المسؤولية لا أكثر.
الأهم أن هذه الرسائل المسكوت عنها تكشف عن ثغرة أساسية في خطاب الإخوان: فهم يطالبون بالحوار والانفتاح، لكنهم يتجنبون الحديث عن مراجعة فكرية حقيقية أو التزامات صريحة باحترام الدولة الوطنية والقانون. إنهم يسعون إلى العودة إلى المشهد السياسي بغطاء من "المظلومية الحقوقية" دون أن يقدموا ضمانات جدية بعدم تكرار أخطاء الماضي. وهذا يوضح أن الدعوة للحوار ليست تحولاً جذرياً في مسار الجماعة، بل محاولة جديدة لإعادة تدوير خطابها بما يتناسب مع الظروف الراهنة.
الإشكالية القانونية والواقع القضائي
تُمثل الإشكالية القانونية العقبة الأكبر أمام أي محاولة لفتح باب المصالحة بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان. فالأمر لا يتعلق بمجرد خلاف سياسي يمكن حله عبر حوار أو تفاهمات، بل يرتبط بملفات قضائية معقدة وأحكام نهائية صدرت عن محاكم مصرية مختصة. الجماعة مصنفة رسمياً كـ"تنظيم إرهابي"، وهو تصنيف مبني على وقائع وأدلة دامغة تتعلق بممارسات عنف واغتيالات وتفجيرات استهدفت المدنيين ورجال الأمن والقضاء بعد عام 2013. هذا الإطار القانوني لا يمكن تجاوزه بسهولة لأنه أصبح جزءاً من منظومة الدولة القانونية والدستورية.
إلى جانب التصنيف القانوني، هناك مئات الأحكام القضائية الصادرة بحق قيادات وكوادر الجماعة، تشمل الإعدام والسجن المؤبد في قضايا مرتبطة مباشرة بالإرهاب والعنف السياسي. هذه الأحكام ليست صادرة عن محاكم استثنائية، بل عن دوائر قضائية عادية مرّت بإجراءات تقاضٍ طويلة، ما يمنحها قوة وحجية يصعب الطعن عليها. ومن ثم، فإن أي محاولة لإلغاء هذه الأحكام أو تجاوزها تحت مسمى "التسوية السياسية" ستبدو وكأنها تدخل سافر في عمل السلطة القضائية وتقويض لمبدأ الفصل بين السلطات.
الأمر يتجاوز حدود القضاء إلى الرأي العام المصري الذي دفع ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب بين عامي 2013 و2016. آلاف الضحايا من المدنيين ورجال الجيش والشرطة سقطوا نتيجة أعمال العنف التي ارتبطت بالإخوان أو خرجت من رحمهم. وبالتالي، فإن طرح المصالحة دون مراعاة هذه الذاكرة المجتمعية المؤلمة سيُنظر إليه كاستهانة بدماء الضحايا، وكأنه منح مكافأة لجماعة لم تُجرِ مراجعات فكرية حقيقية ولم تُبدِ أي اعتراف بمسؤوليتها عن تلك الجرائم.
من هنا، فإن فكرة المصالحة مع الإخوان في ظل الواقع القضائي الراهن تبدو غير ممكنة من الناحية العملية، بل وربما خطيرة من الناحية السياسية. فهي تحمل في طياتها رسالة سلبية بأن الإرهاب يمكن أن يُغتفر بمرور الوقت، وأن الالتفاف على القانون ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية. هذا المنطق يفتح الباب لثقافة الإفلات من العقاب، ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة، خاصة القضاء، الذي يعد صمام الأمان لأي مجتمع يريد الحفاظ على استقراره وهيبة القانون.
خطورة فكرة "المصالحة" على الدولة والمجتمع
تتمثل الخطورة الجوهرية في أي حديث عن "مصالحة" مع جماعة الإخوان في طبيعة الجماعة نفسها، وليس في مسألة إقصائها أو حرمانها من التمثيل السياسي. فكما اعترف القيادي الإخواني محمد عماد صابر، لم تسجل الجماعة نفسها يوماً ككيان سياسي قانوني يخضع للقوانين المصرية، بل فضلت العمل في صورة تنظيم سري متشعب له امتدادات خارج الحدود الوطنية. هذا الطابع السري والعابر للحدود يجعلها في نظر الدولة المصرية، ومعها الكثير من الدول العربية، تهديداً مباشراً للأمن القومي.
إعادة دمج الإخوان في الحياة السياسية دون معالجة جوهر بنيتهم التنظيمية والعقائدية لن تعني سوى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها التي عاشتها مصر في أعقاب ثورة 2011 وصعود الجماعة إلى السلطة. فالمشكلة ليست في حقهم المبدئي في المشاركة السياسية، وإنما في طبيعة المشروع الذي يتبنون، وهو مشروع قائم على احتكار الشرعية الدينية والسياسية، بحيث يصبح الولاء للجماعة مقدماً على الولاء للدولة، وتتحول مؤسسات الدولة إلى مجرد أدوات لتكريس هيمنة التنظيم.
هذا المشروع، الذي يدمج بين الدين والسياسة في صيغة تنظيمية مغلقة، يهدد فكرة الدولة الوطنية الحديثة التي تقوم على التعددية والمواطنة وسيادة القانون. وإذا ما أعيد إدماج الإخوان في الحياة السياسية دون تفكيك هذا التصور، فإن ذلك يعني العودة إلى منطق "الدولة داخل الدولة"، بكل ما يحمله من مخاطر على الاستقرار السياسي والاجتماعي. وهو ما حذرت منه مؤسسات الدولة منذ عقود، وأثبتت التجربة العملية بعد 2012 صحته.
الأخطر أن فتح الباب أمام الجماعة للعودة دون مراجعات فكرية حقيقية سيُرسل رسالة سلبية لبقية التيارات المتطرفة مفادها أن العنف والتحدي ثم التفاوض يمكن أن يثمر في النهاية مكاسب سياسية. وهذا يفتح الباب أمام إعادة إنتاج دوامة التطرف والإرهاب، بدلاً من طي صفحتها. لذلك، فإن المصالحة مع الإخوان ليست مجرد قضية سياسية، بل مسألة تتعلق بأمن المجتمع واستقرار الدولة، وبالمبدأ الأساسي القائل إن أي مشاركة سياسية يجب أن تُبنى على احترام الدستور والقانون، لا على منطق التنظيمات السرية العابرة للحدود.
استثمار ورقة الاقتصاد والضغط الحقوقي
يحاول أيمن نور استثمار الأزمة الاقتصادية في مصر كورقة ضغط للدفع نحو الانفتاح السياسي وإعادة إدماج جماعة الإخوان في المشهد العام. فهو يطرح فكرة أن تحسين الوضع السياسي سيؤدي تلقائياً إلى تحسين الاقتصاد، وهو طرح يعيد إلى الأذهان الضغوط الغربية التي مورست في فترات سابقة حين رُبط الاستثمار الأجنبي أو المساعدات الاقتصادية بملفات حقوق الإنسان والإفراج عن معتقلين. هذه المقاربة تبدو وكأنها محاولة لإعادة إنتاج المعادلة نفسها، ولكن عبر قنوات المعارضة في الخارج.
غير أن هذا الطرح يغفل عن حقيقة أن الأزمة الاقتصادية في مصر ذات جذور عميقة ومركبة، تتعلق ببنية الاقتصاد نفسه وبأزمات الديون والعجز التجاري والضغوط السكانية، فضلاً عن التحديات الإقليمية والدولية التي فاقمت الأزمة. وبالتالي، فإن اختزالها في عامل "الانسداد السياسي" أو ربطها فقط بملف المعارضة والإخوان يبدو تبسيطاً متعسفاً يهدف إلى تسييس الاقتصاد أكثر من كونه سعياً لحل حقيقي للأزمة.
الأكثر خطورة أن استدعاء الخارج لتبرير هذا الطرح يضعف من شرعية أي مقاربة إصلاحية داخلية. فحين يتم تقديم الحوار السياسي كاستجابة لضغوط دولية أو كشرط لجذب الاستثمار، فإن ذلك يحوّل العملية السياسية إلى ورقة مساومة لا إلى مشروع وطني خالص. وهذا بدوره يغذي خطاب التشكيك في المعارضة نفسها، باعتبارها رهينة لتوجهات قوى أجنبية تسعى لاستخدام ملف الحقوق والحريات كورقة ضغط على الدولة المصرية.
وبهذا المعنى، فإن محاولة الربط بين الاقتصاد والسياسة من زاوية الإخوان والمعارضة لا تبدو مجرد مقاربة إصلاحية، بل أقرب إلى محاولة ابتزاز سياسي ـ اقتصادي. وهي محاولة تتجاهل أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن ينجح إلا إذا جاء من الداخل، معتمداً على إرادة وطنية جامعة، لا من خلال شروط مفروضة أو معادلات تستند إلى "مقايضة" حقوقية واقتصادية قد تفتح الباب لمزيد من الارتهان للخارج.
الخلاصة
الخبر يكشف عن محاولة جديدة من الإخوان وحلفائهم للهروب من مأزق العزلة، عبر إحياء خطاب المصالحة. لكنه خطاب محفوف بالتناقضات: فهم يعترفون بأخطائهم، لكن يشترطون العودة دون ثمن حقيقي؛ يتحدثون عن نبذ العنف، لكن يبررون وجود أجنحة إرهابية باعتبارها "أصواتاً قليلة". الأهم أن أي مصالحة تتجاهل الأحكام القضائية الراسخة ستُعد انقلاباً على العدالة، وإهانة لضحايا الإرهاب.
من هنا، فإن الطريق نحو استقرار مصر لا يمر عبر إعادة دمج الإخوان، بل عبر تعزيز الإصلاح السياسي في إطار الدولة الوطنية المدنية، مع ترسيخ سيادة القانون، وإبقاء محاولات المساومة السياسية مع الجماعة خارج الحسابات.