لمواجهة خطر الجماعات البلوشية.. تحركات إيرانية باكستانية لضبط الحدود
أكدت باكستان وإيران التزامهما بالقضاء على الإرهاب وتعزيز التعاون الأمني على طول حدودهما، وذلك خلال اتصال هاتفي بين رئيس أركان الجيش المشير عاصم منير ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء عبد الرحيم موسوي، بحسب بيان للسفارة الإيرانية.
وبحسب وكالة
الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، قال رئيس أركان الجيش الإيراني إن طهران مستعدة
للعمل بشكل مشترك مع إسلام آباد للقضاء على الإرهاب وتأمين الحدود المشتركة، كما
أعرب عن تضامنه مع الشعب الباكستاني المتضرر من الفيضانات، قائلاً إن إيران
"ستقدم بكل فخر أي مساعدة في حدود قدرتها للإخوة الأعزاء في باكستان".
وأشاد القائد
الإيراني بدعم باكستان لطهران خلال الصراع الأخير الذي استمر 12 يومًا مع إسرائيل،
مشيرًا إلى أن البلدين يتعاونان على مستويات متعددة، وفي وقت سابق من هذا الشهر، وصل
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان في زيارة رسمية تستغرق يومين تهدف إلى
تعزيز العلاقات بين البلدين الجارين.
وعقد الرئيس
الإيراني - الذي رافقه وفد رفيع المستوى يضم كبار الوزراء وغيرهم من المسؤولين
رفيعي المستوى - اجتماعات منفصلة مع القيادة العليا في باكستان وألقى كلمة أيضا في
منتدى الأعمال الباكستاني الإيراني في إسلام أباد، وتبادل البلدان 12 اتفاقية
ومذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مختلف المجالات خلال زيارة الرئيس بزشكيان.
وشملت هذه
الاتفاقيات حماية النباتات والحجر الصحي، والاستخدام المشترك لبوابة الحدود
ميرجاوه - تفتان، والتعاون في العلوم والتكنولوجيا، وتكنولوجيا المعلومات
والاتصالات، والتبادل الثقافي والإعلامي، والأرصاد الجوية، والسلامة البحرية،
والمساعدة القضائية، والخدمات الجوية، وشهادة المنتج، وخطة التعاون السياحي للفترة
2025-2027.
وخلال اجتماع
بين الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري ونظيره الإيراني، اتفق الجانبان على أن
السلام والازدهار في مناطقهما الحدودية يعتمدان على مكافحة الإرهاب بشكل فعال، وقال
بيزيشكيان في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء شهباز شريف إن الجانبين اتفقا على
تعزيز أمن الحدود من أجل سلامة شعبي البلدين.
في غضون ذلك،
صرّح رئيس الوزراء بأنّ الجانبين يتفقان على رفض التسامح مع الإرهاب مهما كلف
الأمر. وأضاف أنّ أيّ شخص في إيران تأثر بالإرهاب، فهو بمثابة ضحية له في باكستان.
وأكد أنّ البلدين الشقيقين سيتخذان إجراءات فعّالة للقضاء على الإرهاب.
تهديدات البلوش
وشهدت العلاقات الإيرانية-الباكستانية
توترات متكررة بسبب نشاط الجماعات المسلحة البلوشية على جانبي الحدود، حيث تصف
طهران وإسلام آباد هذه الجماعات بأنها "إرهابية"، نظراً لاستهدافها قوات
الأمن، ولذلك تمثل المنطقة الحدودية بين إيران وباكستان نقطة إثارة للعديد من
التوترات بين البلدين، والتي تضيف تحديًا كبيرًا في إدارة العلاقات بين طهران
وإسلام آباد.
وفي إيران تُعد جماعة "جيش
العدل" من أبرز التنظيمات المسلحة البلوشية، وفي 26 يوليو الماضي، شنّت هذه
الجماعة هجوماً مسلحاً على مبنى محكمة في مدينة زاهدان، أسفر عن مقتل ستة أشخاص،
وإصابة أكثر من عشرين شخصاً بجروح، وأعلنت السلطات الإيرانية مقتل ثلاثة من
المهاجمين خلال العملية، وقد اعتُبر الهجوم لافتاً لأنه استهدف مؤسسة قضائية في
مركز محافظة سيستان وبلوشستان.
وبعد ثلاثة أسابيع فقط، في 16 أغسطس الحالي،
نفذت الجماعة هجوماً آخر بإطلاق النار على سيارة تابعة لقوات الأمن في مدينة
إيرانشهر، ما أدى إلى مقتل عنصر من قوات الشرطة وإصابة آخر بجروح، أما في باكستان،
يعتبر "جيش تحرير بلوشستان" تنظيم الأكثر نشاطاً في الإقليم.
وفي أوائل أغسطس الحالي استهدفت هذه
الجماعة قافلة لقوات الأمن في إقليم بلوشستان بواسطة عبوة ناسفة مزروعة على جانب
الطريق أعقبها إطلاق نار. وأسفر الهجوم عن مقتل عدد من أفراد الأمن وإصابة آخرين، وقد
وصفت الحكومة الباكستانية العملية بأنها "دليل على استمرار التهديد الأمني في
المنطقة"، متعهدةً بتصعيد الضغط العسكري ضد الجماعات البلوشية المسلحة.
ويعكس تواصل هذه العمليات استمرار خطر
الجماعات المسلحة البلوشية في كلا البلدين، وهو ما يدفع طهران وإسلام آباد إلى
تعزيز التنسيق الأمني والبحث عن آليات عملية لمواجهته، ويرجع ذلك إلى السكان
البلوش القاطنين على جانبي الحدود والذين يثيرون دائمًا حملات التمرد والانفصال
داعين إلى الحكم الذاتي، فضلًا عن استهدافهم للمشروعات المنفذة في هذه المنطقة
الحدودية أكثر من مرة.
وقد تعددت عمليات الاستهداف مثل استهداف
المؤسسات الصينية والعمال الصينيين في بلوشستان المشاركين في مشروع الممر
الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يمر عبر الإقليم، وكذلك ضد منشآت البنية التحتية
في إقليم بلوشستان الباكستاني مخلفة قتلى وجرحى، ومنها الهجوم الذي وقع في نهاية
أغسطس 2024 مخلفًا أكثر من 70 قتيلًا.
يأتي ذلك بالإضافة إلى أن النشاط
المتنامي للفصائل الانفصالية في هذه المنطقة جعلها بيئة خصبة لاجتذاب العديد من
التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم"جيش العدل" وحركة طالبان باكستان، مما
زاد التوترات بين الجانبين والذي وصل إلى قمته في يناير 2024 عندما شنت إيران
ضربات مباشرة في العمق الباكستاني قالت إنها موجهة إلى جيش العدل، في المقابل ردت
باكستان بضربات في إقليم سيستان وبلوشستان داخل إيران قالت إنها استهدفت جيش تحرير
بلوشستان.
مهمة ضبط الحدود
وتأتي الخطوة الأخيرة من جانب البلدين
بمثابة تحرك مشترك لضبط الحدود، حيث تشترك البلدان في حدود يبلغ طولها نحو 900
كيلومتر، وتضغط إيران منذ فترة طويلة على باكستان لاتخاذ إجراءات صارمة ضد ما تقول
إنه مخابئ "جيش العدل" في بلوشستان، وهي جماعة مسلحة تصنفها طهران أنها
"مجموعة إرهابية"، وتتهمها بالعمل من قواعد في باكستان.
وخلال العام الماضي تبادلت باكستان
وإيران ضربات صاروخية، تستهدف مخابئ من وصفهما الجانبان بأنهم
"إرهابيون" على جانبي الحدود المشتركة، في تصعيد سريع للتوترات بين
البلدين، وسط مخاوف من خروج الأزمة عن "نطاق السيطرة"، وشهدت العلاقات
بين باكستان وإيران توتراً في الماضي، لكن الضربات هي أكبر عملية توغل عبر الحدود
في السنوات القليلة الماضية.
ووقتها أعلنت باكستان، شن سلسلة ضربات
عسكرية ضد ما وصفتها بـ"مخابئ إرهابية" بمقاطعة سيستان وبلوشستان في
إيران، أسفرت عن قتل عدد من "الإرهابيين" على حد قولها، بعد يومين من
ضربة جوية شنّتها طهران ضد مواقع في باكستان أودت بحياة طفلين.
وجاءت هذه الخطوة من جانب إسلام أباد
بعد أن أعلنت طهران أن "الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة" التي شنها
"الحرس الثوري" الإيراني، ليل الثلاثاء، دمرت قواعد قالت إنها لجماعة
"جيش العدل" المسلحة المناوئة لإيران.