أمريكا اللاتينية.. ساحة جديدة في خرائط الإرهاب الرقمي

الجمعة 29/أغسطس/2025 - 10:07 ص
طباعة أمريكا اللاتينية.. محمود البتاكوشي
 

في تطور لافت، حذر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف من تحول أمريكا اللاتينية إلى مسرح جديد لنشاط الجماعات الإرهابية، بعد أن ظلت لعقود بمنأى عن دوائر الصراع المباشر مع تنظيمات مثل "داعش".
التقرير، الصادر عن وحدة الرصد باللغة الإسبانية، يكشف عن تصاعد مؤشرات التغلغل المتطرف في القارة، وسط بيئات أمنية رخوة وسياقات اجتماعية واقتصادية هشة، ما جعلها أرضًا خصبة للتجنيد والتحريض.
الإرهاب يغير الجغرافيا والأدوات
استغل تنظيم داعش انكماشه في الشرق الأوسط ليعيد رسم خرائط نفوذه، مستبدلًا الصراع المفتوح بأساليب أكثر خفاء، تعتمد على استراتيجية "الذئاب المنفردة" والتجنيد غير المباشر عبر الفضاء الرقمي.
في هذه المساحات الإلكترونية، لا يحتاج التنظيم إلى خلايا مركزية، بل يكفيه أفراد منعزلون، تحوّلهم أدوات الدعاية المظلمة إلى أدوات للقتل والفوضى.

وقائع مقلقة في عام واحد

التقرير رصد حوادث متفرقة لكنها مترابطة ضمن نهج مدروس؛ منها إحباط السلطات الأرجنتينية مخططات إرهابية لشباب تم استقطابهم عبر تطبيقات مثل تيليغرام وإنستغرام، إضافة إلى بث داعش مقاطع تحريضية تستهدف أوروجواي بشكل مباشر، وظهور محاولات لتشكيل خلايا نائمة في الإكوادور والبرازيل. هذا التحول لا يعكس فقط نشاطًا متزايدًا، بل يكشف عن قدرة التنظيم على إعادة تدوير أدواته في مناطق لم تكن مرشحة من قبل لصدام مباشر.

من الإرهاب الجغرافي إلى الإرهاب الرقمي

يرى المرصد أن ما يجري في أمريكا اللاتينية ليس مجرد فراغ أمني، بل فراغ فكري وثقافي تستثمر فيه التنظيمات الإرهابية جيدًا، فجوة واسعة تفصل بين الشباب وبين المؤسسات الدينية والثقافية، تغذيها ظروف معيشية ضاغطة، وتغيب عنها البدائل الروحية والفكرية القادرة على احتواء القلق الوجودي للشباب.
الإرهاب هنا لا يتحرك بالبنادق بل بالمحتوى الرقمي المشفر، الذي يستهدف العقول قبل الأجساد، ويجند الأفراد في عزلة غرفهم لا في معسكرات التدريب.

نحو استراتيجية متكاملة للمواجهة

التقرير ينبه إلى أن الرد الأمني وحده غير كافٍ، وأن مواجهة هذا التحدي تتطلب تحصين العقول لا فقط حماية الحدود، عبر مشاريع تعليمية وثقافية تعيد دمج الشباب في أوطانهم، وتقدّم بدائل فكرية وروحية جاذبة، إضافة إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي والتقني بين دول القارة.
السكوت عن تمدد الإرهاب في أمريكا اللاتينية يفتح الباب أمام تحولها إلى نقطة ارتكاز جديدة في خريطة التهديدات العالمية. وإن لم يتم احتواء هذه الظاهرة مبكرًا، فإن العزلة الرقمية ستتحول إلى عنف حقيقي يُربك الأمن ويقوّض الاستقرار السياسي والاجتماعي في دول القارة.


 من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية.. "داعش" يبحث عن ملاذ جديد تحت أعين الأمن

كان مرصد الأزهر لمكافحة التطرف قد أكد أن تنظيم داعش الإرهابي يسعى إلى إيجاد موطئ قدم جديد في أميركا اللاتينية، في خطوة تهدد أمن دول المنطقة، وأشار المرصد إلى تصاعد نشاط داعش في عدد من دول القارة، وعلى رأسها البرازيل، الأرجنتين، تشيلي وكولومبيا.
ورغم أن هذا النشاط لا يزال أقل حدة من حضوره في الشرق الأوسط أو أوروبا، فإنه يمثل تحديًا حقيقيًا يتطلب تحركًا استباقيًا من حكومات المنطقة.
وأوضح التقرير أن التطرف لا يشترط وجودًا ماديًا مباشرًا، إذ باتت التنظيمات تستغل الفضاء الإلكتروني لنشر أفكارها وتجنيد أنصارها حول العالم.

البرازيل.. مركز النشاط

تعد البرازيل مركز الثقل الأساسي لوجود داعش في أميركا اللاتينية. ففي 12 يونيو 2023، ألقت السلطات القبض على مسافر كان في طريقه للانضمام للتنظيم، بعد مراقبة اتصالاته عبر تطبيقات المراسلة.
كما كشفت صحيفة "إنفوباي" الأميركية، عن شبكة إرهابية كانت تعمل على تجنيد الأطفال لصالح داعش، حيث تم اختطاف 5 أطفال من منطقة الأمازون وتهريبهم خارج البلاد لتدريبهم على القتال، بينما أنقذت الشرطة 15 شابًا آخرين تم تلقينهم أفكارًا متطرفة.

وسبق أن فككت الشرطة البرازيلية في 2018 خلية تضم 11 متطرفًا كانت تخطط لهجمات داخل البلاد، وفي 2016 ألقي القبض على 10 أشخاص آخرين يشتبه بانتمائهم لجماعة مؤيدة لداعش، كانت تخطط لهجمات خلال دورة الألعاب الأولمبية في ريو دي جانيرو.

لماذا أميركا اللاتينية؟

يرى مرصد الأزهر أن التكرار الملحوظ للاعتقالات يشير إلى رغبة داعش في اختراق أميركا اللاتينية واستغلالها كملاذ آمن، خصوصًا في ظل تزايد القيود المفروضة عليه في أوروبا.
كما نبه إلى قدرة التنظيم على استخدام أدوات الاتصال الحديثة في التأثير على العقول، واستقطاب مزيد من العناصر للانضمام إليه، ما يضع مزيدًا من المسؤولية على عاتق المؤسسات الأمنية والفكرية لمواجهة هذا الخطر المتنامي.

شارك