الترويكا الأوروبية تُعيد فرض العقوبات.. مواجهة حاسمة مع النووي الإيراني والإرهاب

الجمعة 29/أغسطس/2025 - 11:38 ص
طباعة الترويكا الأوروبية أميرة الشريف
 
في خطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا بالغ الخطورة في موقف القوى الغربية من إيران، فعّلت دول الترويكا الأوروبية، المتمثلة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، آلية "سناب باك" لإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، بسبب ما اعتبرته خروقات جسيمة من جانب طهران للاتفاق النووي الموقع عام 2015.
 هذه الخطوة لا تقتصر على البُعد التقني أو القانوني في التعامل مع البرنامج النووي الإيراني، بل تكشف عن مخاوف أعمق لدى العواصم الغربية من أن تتحول إيران إلى قوة نووية غير مسؤولة ترتبط بمنظمات إرهابية وميليشيات مسلحة عابرة للحدود، ما يجعل من امتلاكها لأي شكل من أشكال الأسلحة النووية تهديدًا غير مسبوق للأمن والسلم الدوليين.
تفعيل "سناب باك" 
ووفق الرسالة الرسمية التي وجهتها دول الترويكا إلى مجلس الأمن، فإن طهران لم تُبد أي التزام جوهري بتعهداتها المنصوص عليها في اتفاق 2015، بل صعدت من مستويات تخصيب اليورانيوم، ورفضت التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل وواصلت توسيع قدراتها الفنية بما يمكّنها، على المدى المتوسط، من امتلاك السلاح النووي. 
ومع أن الدول الثلاث أكدت أنها لا تزال تؤمن بالحل الدبلوماسي، إلا أن تفعيل آلية سناب باك يمثّل، بحد ذاته، نقطة اللاعودة في تعامل الغرب مع إيران، خصوصًا في ظل تصاعد مؤشرات الربط بين برنامجها النووي وشبكة الدعم التي تقدمها لطيف واسع من التنظيمات المتطرفة في الشرق الأوسط.
في قلب هذا التصعيد تكمن مخاوف غربية متزايدة من أن إيران لا تسعى فقط إلى امتلاك قدرات ردع نووية في مواجهة خصومها الإقليميين، بل تسعى لاستخدام هذه القدرات كورقة ضغط استراتيجية لتوسيع نفوذها في المنطقة من خلال أذرعها المسلحة المنتشرة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
 فوجود يورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، وهو ما تمتلكه إيران حاليًا بكمية تتجاوز 400 كغ، يضعها على عتبة القدرة على إنتاج عدة رؤوس نووية، وإن كان لا يعني بالضرورة أنها بلغت مستوى الجاهزية الكاملة، إلا أن الخطورة لا تكمن فقط في قدرة إيران على التصنيع، بل في طبيعة النظام السياسي والعقائدي الذي يوجه قراراتها، وهو نظام لا يخضع بالكامل للضغوط الدولية التقليدية، ويتبنى خطابًا ثورياً يعتبر امتلاك القوة حقًا سياديًا ووسيلة دفاع عن المظلومين – بحسب زعمه – لكنه في الواقع يسخّر هذه القوة لخدمة أجندات توسعية ودعم جماعات مسلحة تصنفها معظم دول العالم كمنظمات إرهابية.
الخطر النووي والإرهاب
فمن المعروف أن إيران تموّل وتسلّح عدداً كبيراً من الجماعات المصنفة إرهابية، منها "حزب الله" اللبناني، و"الحوثيون" في اليمن، وميليشيات طائفية في العراق وسوريا. 
وجود التكنولوجيا النووية أو حتى المعرفة الفنية المتقدمة لدى دولة تُعد الراعي الأول للإرهاب في المنطقة، يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، تبدأ من التهديد باستخدام السلاح النووي ضد خصومها الإقليميين، ولا تنتهي عند احتمال نقل التكنولوجيا أو المواد إلى هذه الجماعات، الأمر الذي سيُدخل العالم في مرحلة غير مسبوقة من الخطر، حيث لا تبقى الأسلحة الاستراتيجية حكرًا على الدول، بل قد تصل إلى أيادي تنظيمات لا تعترف بالقانون الدولي ولا تخضع لأي مساءلة.
إيران من جهتها، لم تتأخر في الرد على القرار الأوروبي، إذ وصفته بالباطل وغير القانوني، مهددة باتخاذ إجراءات مقابلة، من بينها وقف التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وطرد المفتشين الدوليين، وحتى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي.
 وذهبت بعض التصريحات الرسمية إلى التلويح بتغيير العقيدة النووية الإيرانية، بما قد يفسر لاحقًا على أنه تهيئة داخلية لصناعة سلاح نووي بدعوى الدفاع عن النفس. 
ويُظهر هذا التصعيد الإيراني أن النظام لا يتعامل مع ملفه النووي كوسيلة دفاعية فقط، بل كأداة سياسية وأمنية للابتزاز، وكسلاح موازٍ للدبلوماسية، يتحرك به في الإقليم ويواجه به الضغوط الدولية، خصوصًا حين تترافق هذه الضغوط مع تدهور اقتصادي حاد.
تفعيل آلية "سناب باك" يعني تلقائيًا إعادة فرض ست مجموعات من العقوبات الأممية التي كانت قد رُفعت بموجب الاتفاق النووي.
 وتشمل هذه العقوبات تجميد الأصول المالية للمؤسسات والأفراد المرتبطين بالبرنامج النووي، حظر استيراد وتصدير الأسلحة، تشديد القيود على التكنولوجيا العسكرية، ومنع السفر عن شخصيات محددة. 
كما تشمل فرض قيود مشددة على التعاملات المالية مع البنوك الإيرانية، ورقابة صارمة على السفن والطائرات الإيرانية.
 هذه العقوبات ستُعيد إيران عمليًا إلى ما قبل عام 2015، أي إلى ذروة العزلة الاقتصادية والسياسية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من تراجع حاد في قيمة العملة المحلية، التي تجاوزت حاجز المليون ريال مقابل الدولار، ما يعكس حجم التدهور الذي سيشتد بعد دخول العقوبات الجديدة حيز التنفيذ.
لكن الخطر الأكبر لا يتجلى فقط في الانهيار الاقتصادي المتوقع، بل في كيفية توظيف هذا الانهيار من قبل النظام الإيراني لتعزيز قبضته الداخلية، وتصعيد خطابه العدائي الخارجي، وربما فتح جبهات عسكرية جديدة في المنطقة لصرف الأنظار داخليًا، وتوحيد الصفوف خلف القيادة تحت ذريعة "المؤامرة الغربية".
 كما أن النظام الإيراني قد يجد في التصعيد وسيلة للضغط على الدول الغربية من خلال حلفائه في المنطقة، سواء عبر إطلاق هجمات صاروخية أو طائرات مسيرة على أهداف حيوية، أو تصعيد أعمال العنف في دول تشهد هشاشة أمنية مثل العراق وسوريا ولبنان.
ردود الفعل الإيرانية وتصعيد التوترات
 وفي هذا الإطار، يرى خبراء أن امتلاك إيران لبرنامج نووي متقدم، دون وجود رقابة دولية صارمة، يجعل من تصرفاتها أكثر خطورة من كوريا الشمالية نفسها، بسبب اختلاف البيئة الجيوسياسية، وكثرة الأذرع المسلحة التي يمكن استخدامها كواجهات للتصعيد دون تحميل طهران المسؤولية المباشرة.
كل هذه التطورات تضع المجتمع الدولي أمام معضلة معقدة. فمن جهة، لا يمكن السماح لإيران بأن تواصل برنامجها النووي بهذه الوتيرة، تحت مظلة خطاب "سلمي"، بينما تدعم في الوقت ذاته منظمات مسلحة تمارس الإرهاب.
 ومن جهة أخرى، فإن أي مواجهة عسكرية شاملة مع إيران ستجر المنطقة إلى حالة فوضى غير مسبوقة، وقد تمتد تداعياتها إلى سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما في سوق الطاقة. 
ولذلك، ترى دول الترويكا أن تفعيل العقوبات يشكل في هذه المرحلة الحد الأدنى من الرد، ومحاولة لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة وأكثر صرامة، تراعي ليس فقط الجانب النووي، بل سلوكها الإقليمي وعلاقتها بالتنظيمات الإرهابية.
ويري مراقبون أن ما يجري اليوم ليس مجرد نزاع على نسبة التخصيب أو حق الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بل هو صراع أوسع بين نظام يسعى إلى فرض رؤيته وأجندته عبر مزيج من القوة الخشنة والناعمة، وبين قوى دولية تحاول احتواء هذا التمدد، والحيلولة دون تحوّل إيران إلى نموذج آخر من الأنظمة الخطرة التي تمزج بين الطموح النووي والدعم النشط للإرهاب. 
ويشير المراقبون إلي أنه إذا لم يتم احتواء هذا المسار خلال الفترة المحددة قبل تطبيق العقوبات في أكتوبر المقبل، فقد يجد العالم نفسه أمام واقع جديد تتبدل فيه موازين القوى، وتصبح فيه المواجهة المفتوحة أكثر من مجرد احتمال.

شارك