تزايد الهجمات الإرهابية في باكستان وسط مواجهات أمنية
محمد شعت
تشهد باكستان في الأشهر الأخيرة موجة متصاعدة من العمليات الإرهابية، ترافقت مع رد أمني واسع تقوده قوات الجيش وأجهزة الاستخبارات، في محاولة للحد من التهديد المتنامي الذي تمثله الجماعات المسلحة المنتشرة في عدد من الأقاليم، خصوصًا خيبر باختونخوا وبلوشستان. وفي أحدث تطور ميداني، أعلنت إدارة العلاقات العامة للقوات المسلحة أن قوات الأمن تمكنت خلال عملية استخباراتية دقيقة من القضاء على اثنين وعشرين مسلحًا في منطقة ديرا إسماعيل خان التابعة لإقليم خيبر باختونخوا، في عملية تُعد من أكبر العمليات التي يشهدها الإقليم خلال العام الجاري من حيث عدد القتلى في صفوف المجموعات الإرهابية.
ووفقًا للبيان العسكري، فإن الإرهابيين الذين تم استهدافهم ينتمون
إلى جماعة وُصفت بأنها مدعومة من الهند، في إشارة إلى تنظيم ينشط منذ سنوات في
المناطق الحدودية ويستفيد من الطبيعة الجغرافية المعقدة للإقليم. وأوضحت الذراع
الإعلامية للجيش أن عناصر الجماعة كانوا يخططون لسلسلة من الهجمات داخل باكستان،
وأن العملية جاءت بعد جمع معلومات استخباراتية دقيقة تتعلق بحركة أفرادها ونشاطهم
في المنطقة.
وأضاف البيان أن قوات الأمن أطلقت عملية تطهير واسعة في محيط ديرا
إسماعيل خان بعد الاشتباك الأولي، بهدف التأكد من عدم وجود إرهابيين آخرين يختبئون
في المناطق الوعرة أو بين التجمعات السكانية القريبة. ويُعد هذا النوع من العمليات
جزءًا من سياسة "عزم الاستقامة" التي تتبناها القيادة الأمنية، والتي
تهدف إلى ملاحقة المجموعات المسلحة عبر ضربات استباقية تمنعها من تنفيذ هجمات
أوسع.
وفي الوقت الذي تحاول فيه باكستان احتواء هذا التهديد، تبرز تقارير
بحثية تؤكد أن البيئة الأمنية في البلاد تمر بمرحلة حساسة، وأن مستويات العنف قد
ارتفعت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة. فقد سجل مركز البحوث والدراسات الأمنية
ارتفاعًا بنسبة ستة وأربعين في المئة في إجمالي العنف خلال الربع الثالث من عام
ألفين وخمسة وعشرين، مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، وهو مؤشر يعبّر عن
توسع ملحوظ في نشاط الجماعات الإرهابية وتزايد قدرتها على تنفيذ هجمات دامية رغم
الإجراءات الأمنية الصارمة.
وبحسب الإحصاءات المعلنة، فإن البلاد شهدت مقتل ما لا يقل عن تسعمئة
وواحد شخص وإصابة خمسمئة وتسعة وتسعين آخرين في ثلاثمئة وتسعٍ وعشرين واقعة عنف
خلال تلك الفترة، وهي أرقام تشمل المدنيين وأفراد الأمن بالإضافة إلى المسلحين
أنفسهم. ويؤكد التقرير أن هذا العدد المرتفع من الضحايا يجعل الربع الثالث من
العام الجاري واحدًا من أكثر الفترات دموية خلال السنوات الأخيرة، إذ يقترب بعدد
الوفيات المسجلة فيه من مجمل الوفيات التي شهدها عام ألفين وأربعة وعشرين بأكمله.
ويُظهر التقرير أن من بين الضحايا المسجلين في الربع الثالث وحده،
كان أكثر من نصفهم من المسلحين غير القانونيين، بينما بلغ عدد المدنيين الذين
فقدوا حياتهم مئتين وتسعة عشر شخصًا، إضافة إلى استشهاد مئة وستة وستين من أفراد
الأمن. ويشير هذا التوزيع إلى أن العمليات العسكرية التي تستهدف الجماعات
الإرهابية لا تزال نشطة وفاعلة، لكنها في الوقت ذاته تعكس حجم التحدي الميداني
الذي تواجهه قوات الأمن بالتزامن مع استمرار قدرة هذه الجماعات على تنفيذ هجمات
مؤلمة.
خيبر باختونخوا وبلوشستان في صدارة المشهد الأمني
تُعد منطقتا خيبر باختونخوا وبلوشستان الأكثر تأثرًا بالموجة
المتصاعدة للعنف، إذ تتركز فيهما النسبة الأكبر من العمليات الإرهابية والاشتباكات
المسلحة. وتشترك المنطقتان في حدود طويلة ومفتوحة مع أفغانستان، ما يجعل السيطرة
الأمنية عليها أكثر تعقيدًا، ويفتح المجال أمام المجموعات الإرهابية للتحرك بسهولة
نسبيًا واستغلال التضاريس الوعرة في تنفيذ عملياتها أو التخفي بعد تنفيذها.
ووفقًا لتقرير مركز البحوث والدراسات الأمنية، فقد شهدت خيبر
باختونخوا وحدها ما يقرب من أحد وسبعين في المئة من إجمالي الوفيات المرتبطة
بالعنف خلال الربع الثالث، في حين سجلت بلوشستان أكثر من خمسة وعشرين في المئة من
الوفيات. كما سجل الإقليمان معًا أكثر من ستة وتسعين في المئة من إجمالي حوادث
العنف المسجلة في باكستان خلال الفترة ذاتها، وهو ما يبرز بوضوح أن التحدي الأمني
يتمركز بشكل أساسي في هذين الإقليمين.
ويشير التقرير إلى أن خيبر باختونخوا سجلت ارتفاعًا كبيرًا في عدد
القتلى بنسبة أربعة وستين في المئة مقارنة بالربع الثاني من العام نفسه، إذ ارتفع
عدد الوفيات فيها من ثلاثمئة وتسعين إلى ستمئة وثمانية وثلاثين. وفي المقابل، شهدت
بلوشستان زيادة بنسبة واحد وعشرين في المئة، ليصل عدد القتلى فيها إلى مئتين
وثلاثين شخصًا خلال الربع الثالث. وتُعد هذه الأرقام مؤشرًا على أن الجماعات
المسلحة في تلك المناطق باتت أكثر جرأة في تنفيذ عملياتها، فيما تتطلب مكافحتها
جهودًا إضافية من جانب الدولة.
ويرى مراقبون أن تنامي العنف في هذين الإقليمين يعود إلى عدة عوامل،
أبرزها الطبيعة الجغرافية التي توفر ملاذًا للمتطرفين، إضافة إلى الصعوبات
الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل بعض المناطق أكثر عرضة للتجنيد من قبل الجماعات
المسلحة. كما تُعد الحدود مع أفغانستان تحديًا مستمرًا، في ظل التقارير التي تتحدث
عن تسلل عناصر مسلحة من وإلى الجانب الأفغاني مستفيدين من ضعف التنسيق الأمني في
بعض الأحيان.
عمليات أمنية مكثفة ورؤية جديدة لمكافحة الإرهاب
في مواجهة هذا التصعيد، تحاول القيادة الأمنية الباكستانية تعزيز
استراتيجية "عزم الاستقامة" التي تعتمد على الضربات الوقائية
والاستخبارات الدقيقة، إلى جانب العمليات العسكرية المباشرة التي تستهدف معاقل
المسلحين. وترى الحكومة أن النهج الجديد يهدف إلى منع الجماعات الإرهابية من إعادة
تنظيم صفوفها أو استغلال أي فراغ أمني قد ينشأ في بعض المناطق.
ويؤكد مسؤولون عسكريون أن التعاون بين القوات المسلحة والأجهزة
المدنية أصبح أكثر تنسيقًا في الفترة الأخيرة، وأن هناك تركيزًا متزايدًا على
تطوير القدرات الاستخباراتية التي تُعد مفتاحًا لنجاح العمليات الميدانية. ويشيرون
إلى أن العمليات الأخيرة، مثل العملية التي شهدتها ديرا إسماعيل خان، تعكس فعالية
هذا التعاون، إذ جاءت نتيجة معلومات دقيقة ساعدت القوات على استهداف عدد كبير من
العناصر المسلحة دفعة واحدة.
وفي الوقت ذاته، تصاعدت الدعوات داخل باكستان لتعزيز الاستراتيجية
الأمنية عبر مقاربة شاملة لا تقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل تشمل أيضًا
التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الأكثر عرضة للعنف. ويرى خبراء أمنيون
أن تحسين الظروف المعيشية وخلق فرص عمل يسهمان في الحد من قدرة الجماعات المسلحة
على استقطاب شبان جدد، خصوصًا في المناطق الريفية الفقيرة.
ورغم أن الحكومة تؤكد التزامها بمواصلة الحملة ضد الإرهاب حتى القضاء
عليه تمامًا، فإن التحديات التي تواجهها باكستان لا تزال كبيرة، سواء من حيث
انتشار الجماعات المسلحة أو من حيث تعقيدات الجغرافيا والسياسة الإقليمية. ومع
ذلك، يرى مراقبون أن العمليات الأخيرة تُعد مؤشرًا على تصميم الدولة على مواجهة
هذا الخطر، وأن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تقييم مدى قدرة باكستان على إحكام
السيطرة على الوضع الأمني.
