بعد الضربات الإسرائيلية وتصدع القيادة الحوثية.. لماذا أرسلت إيران أخطر ضباطها إلى اليمن؟
السبت 29/نوفمبر/2025 - 11:11 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
تشكل عودة القيادي في الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس عبد الرضا شهلائي إلى صنعاء بعد أكثر من عام على مغادرته، واحدة من أكثر التطورات حساسية في المشهد اليمني خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى حجم دوره العسكري والأمني داخل جماعة الحوثيين، وارتباطه المباشر بالملف الإيراني في اليمن.
وتزامنت عودته مع مرحلة من الاضطراب الداخلي داخل الجماعة، وتصدع في بنيتها القيادية، وارتباك واسع في منظومتها الأمنية والميدانية بعد مقتل عدد من أبرز قادتها بضربات دقيقة، في ظل مؤشرات على تراجع قدرة طهران على ضبط وكلائها في ساحات أخرى مثل لبنان وسوريا.
هذا التوقيت المعقد فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مغزى إعادة شهلائي، الذي تصفه المصادر العسكرية اليمنية بأنه "القائد العسكري الميداني الفعلي للحوثيين"، وارتباط عودته بتصاعد التوترات الإقليمية في غزة ولبنان وإيران، وتزايد المخاوف الإسرائيلية من أي رد محتمل من صنعاء.
شهلائي… مهندس الانقلاب والضابط الأخطر في اليمن
تؤكد مصادر يمنية متعددة أن عبد الرضا شهلائي ليس مجرد مستشار عسكري إيراني، بل هو العقل المدبر لعملية انقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية في العام 2014، والمشرف الشخصي على التخطيط والتنفيذ الذي قاد إلى سقوط العاصمة صنعاء وتمدد الجماعة إلى محافظات أخرى.
وتشير المصادر إلى أن شهلائي وصل اليمن في الأشهر التي سبقت الانقلاب، وادار بشكل مباشر التحرك التكتيكي للميليشيا، قبل أن يصبح منذ ذلك الحين القائد الميداني الذي يتمتع بنفوذ يتجاوز القيادات الحوثية نفسها.
ويستند هذا التقييم إلى دوره الفعلي في إدارة القادة العسكريين والخبراء الإيرانيين داخل اليمن، وإشرافه على الملفات الحساسة للمليشيا، وعلى رأسها الصواريخ والطائرات المسيّرة التي شكّلت العمود الفقري لقدرات الحوثيين خلال السنوات الماضية.
وقد دفع هذا الدور الولايات المتحدة إلى الإعلان في العام 2019 عن مكافأة بقيمة 15 مليون دولار مقابل أي معلومات تقود إلى شبكاته المالية أو عملياته الخارجية.
عودة في توقيت بالغ التعقيد… لماذا الآن؟
تشير المصادر اليمنية إلى أن عودة شهلائي تأتي بعد أكثر من عام على مغادرته البلاد، وهي مغادرة ارتبطت حينها بتصاعد الأحداث في غزة ولبنان وإيران، ما دفع طهران إلى سحب عدد كبير من خبرائها ومستشاريها العسكريين من اليمن، وفي مقدمتهم شهلائي، غير أن التطورات الأخيرة داخل مناطق الحوثيين دفعت إيران إلى إعادته على وجه السرعة.
وتؤكد المعطيات أن عودته مرتبطة بإعادة ترتيب البيت الداخلي لجماعة الحوثي، بعد سلسلة من الاختراقات الأمنية التي أدت إلى مقتل قيادات بارزة وحدوث حالة من الارتباك داخل الصف الأول للجماعة، كما تأتي في سياق احتواء الخلافات المتصاعدة بين مراكز النفوذ، والحد من تأثير الصراع على الموارد المالية واتساع دائرة السخط الشعبي نتيجة الانهيار الاقتصادي وتدهور الوضع الإنساني.
ولا تستبعد المصادر أيضًا أن يكون الفراغ القيادي الذي خلفته الضربات الإسرائيلية الأخيرة داخل صنعاء، والتي قتلت رئيس حكومة الحوثيين وتسعة وزراء ورئيس الأركان وعددًا من القادة العسكريين، قد دفع طهران للإسراع في إعادة أحد أهم ضباطها وأكثرهم خبرة لإعادة ترميم المنظومة العسكرية والأمنية للجماعة.
قلق إيراني من تراجع السيطرة على الحوثيين
كشفت تقارير بريطانية عن مؤشرات على فقدان إيران لجزء من قدرتها التقليدية في ضبط سلوك الحوثيين، بعد أن باتت الجماعة تتصرف وفق حسابات خاصة بها وتتجاوز الإملاءات الإيرانية في بعض الملفات، خصوصًا مع تطوير قدراتها الذاتية في مجال الصواريخ.
وأشارت صحيفة "تليغراف" إلى أن العلاقة بين الطرفين شهدت توترًا ملحوظًا منذ إبريل الماضي، بعد أن تخلفت طهران عن تقديم دعم كافٍ للحوثيين خلال حملة الغارات الأمريكية المكثفة.
وفي ضوء هذا الاضطراب، يبدو أن طهران وجدت في إعادة شهلائي خطوة ضرورية لاستعادة السيطرة على الجماعة قبل أن تفلت تمامًا من يدها.
وتؤكد المصادر أن شهلائي وصل في "مهمة طارئة" لاستعادة انضباط الملفات العسكرية والأمنية وضبط مسارات القوة الصاروخية والميدانية، بما يضمن بقاء الحوثيين أداة فاعلة في مشروع "محور المقاومة".
تصعيد إقليمي… ومخاوف إسرائيلية من رد حوثي محتمل
وفي سياق تصاعد التوترات الإقليمية، كشفت تقارير بريطانية أن إسرائيل رفعت مستوى التأهب الأمني تحسبًا لرد عسكري حوثي انتقامًا لاغتيال قيادي بارز في حزب الله اللبناني.
وذكر "ميدل إيست مونيتور" البريطاني أن تل أبيب تتعامل مع الحوثيين باعتبارهم جزءًا من منظومة إقليمية أوسع يقودها الحرس الثوري الإيراني، وليسوا مجرد فاعل محلي، وتدرس المؤسسة الأمنية الإسرائيلية سيناريوهات متعددة لاحتمال تنفيذ الحوثيين لعمليات انتقامية، خصوصًا في ضوء ترابط سلوك الجماعة مع عمليات حزب الله.
وتشير هذه التقارير إلى أن اليمن أصبح جزءًا من مسرح العمليات الإقليمية الممتد بين بيروت وصنعاء، ما يجعل عودة شهلائي خطوة تحمل أبعادًا عسكرية تتجاوز حدود اليمن نفسها.
طهران… محاولة لتعويض خسائر لبنان وسوريا عبر اليمن
وتؤكد مصادر سياسية يمنية رفيعة أن إيران رفعت مستوى وجودها العسكري والأمني داخل مناطق الحوثيين، في محاولة لتعويض الخسائر المتصاعدة في لبنان وسوريا.
وكشفت منصة الشؤون العسكرية "ديفنس" أن إعادة شهلائي جاءت ضمن خطة إيرانية لإعادة بناء شبكة القيادة الحوثية التي تعرضت لهزات شديدة عقب الضربات الإسرائيلية الأخيرة.
وتشير المعلومات إلى أن طهران دفعت بشهلائي لإعادة ترميم إحدى أهم أوراقها الإقليمية بعد أن فقدت القدرة على الاعتماد على حزب الله بذات القوة السابقة، ما جعل اليمن يتحول إلى "مركز عسكري إقليمي" بالنسبة لطهران.
وعلى صعيد متصل، أكد الخبير في الشؤون الإيرانية د. نبيل العتوم أن عودة شهلائي ليست حدثًا عابرًا، بل تحولاً جذريًا في مسار إدارة إيران للملف اليمني.
ويرى العتوم أن هذا التطور يشي بانتقال طهران من "الدعم غير المباشر" إلى الإدارة العلنية للحوثيين، خصوصًا بعد الفراغ القيادي الذي خلفته الضربات الإسرائيلية، وتراجع قدرة الجماعة على تنفيذ مهام عسكرية واسعة.
وأوضح العتوم أن وجود شهلائي يعني أن القرار الحوثي لم يعد محليًا، بل أصبح مرتبطًا بإشراف مباشر من غرف عمليات الحرس الثوري، وأن عودته تحمل أبعادًا استخباراتية واستراتيجية تتجاوز مجرد إعادة ترتيب الصفوف، فهو يملك خبرة واسعة في إدارة برامج الصواريخ والمسيّرات، ما يجعل اليمن منصة ضغط إيرانية متقدمة في البحر الأحمر وخليج عدن، ويزيد احتمالات التصعيد الإقليمي.
وأشار إلى أن إيران تستخدم عودته لإعادة تنشيط ملفات التمويل والاقتصاد الموازي وشبكات غسيل الأموال المرتبطة بالحوثيين، بعد الضربات الدولية التي طالت هذه الموارد.
ومن جانبه، قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني إن عودة شهلائي في ظل الانكشاف الأمني والتصدع الداخلي الذي تعيشه الجماعة يمثّل "إعلانًا رسميًا عن دخول إيران مرحلة الإدارة المباشرة للحوثيين"، مؤكدًا أن عملية إعادة ضابط بهذا المستوى تعني أن قرار الحوثيين بات إيرانيًا بالكامل.
وأوضح الوزير أن توقيت العودة يحمل مؤشرات على استعداد إيران لجولة تصعيد جديدة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، خاصة بعد التراجع الحاد في قدرة الحوثيين على تنفيذ هجمات إرهابية على خطوط الملاحة الدولية بسبب نفاد المخزون الإيراني من الأسلحة.
كما أكد أن هذه الخطوة تكشف عمق الأزمة داخل الجماعة، والصراع بين أجنحتها، وانهيار منظومة التحكم والسيطرة عقب عمليات تصنيفها كمنظمة إرهابية وتجفيف منابع تمويلها. ووصف شهلائي بـ“الحاكم الفعلي” لمناطق الحوثيين، مشددًا على أن عودته تنسف كل ادعاءات الجماعة حول "السيادة الوطنية".
وأشار الإرياني إلى أن طهران تعمل من خلال شهلائي على إعادة تدوير منظومتها العسكرية والأمنية في اليمن، وإحياء قدرات الصواريخ والمسيرات، وإعادة فتح مسارات التمويل التي تعرضت للضغط الدولي، بهدف تحويل اليمن إلى منصة صراع مفتوح لا علاقة لها بأي مسار للسلام.
ويرى المراقبون أن عودة عبد الرضا شهلائي بهذه الصورة وبهذا التوقيت تكشف عن تحول استراتيجي خطير في إدارة إيران لملف الحوثيين، وتؤسس لمرحلة جديدة تتراجع فيها أي فرص للسلام في اليمن. ويشير هؤلاء إلى أن طهران باتت تتعامل مع اليمن باعتباره آخر ساحات نفوذها القابلة للحفاظ عليها بعد خسائر لبنان وسوريا، ما يجعلها مستعدة للمغامرة عبر التصعيد العسكري والأمني وربما البحري، في محاولة لإبقاء الورقة الحوثية فاعلة.
ويلفت المراقبون إلى أن اليمن يقف اليوم على تماس مباشر مع مشروع توسعي واضح المعالم، يعمل على تحويله إلى منصة عمليات إقليمية مرتبطة بالحرس الثوري، وليس دولة ذات سيادة.
ولهذا، فإن المجتمع الدولي – بحسب المراقبين – مطالب باتخاذ موقف أكثر صلابة لدعم الحكومة الشرعية، وضمان أمن الممرات الدولية، ومنع انزلاق اليمن نحو مرحلة أكثر خطورة قد تمتد تداعياتها إلى المنطقة بأسرها
