"وتستمر الجريمة".. تقرير حقوقي يدق ناقوس الخطر في المحافظات الشرقية باليمن
السبت 03/يناير/2026 - 12:49 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريرها الثاني حول الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين في المحافظات الشرقية للجمهورية اليمنية، تحت عنوان "وتستمر الجريمة"، في توقيت بالغ الحساسية يعكس تصاعدًا خطيرًا في وتيرة العنف والانتهاكات المرتبطة بالتمرد العسكري والاجتياح المسلح الذي نفذته قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي منذ مطلع نوفمبر 2025م.
ويأتي التقرير في سياق تحذيري، مسلطًا الضوء على ما تصفه الشبكة بنمط ممنهج من الانتهاكات التي طالت السكان المدنيين، وهددت بصورة مباشرة أمنهم وسلامتهم وحقوقهم الأساسية، في خرق واضح لأحكام الدستور اليمني وللالتزامات الدولية ذات الصلة بحماية حقوق الإنسان.
ويعبر التقرير عن قلق بالغ إزاء ما رصدته فرق الشبكة من تمرد مسلح منظم، رافقته انتهاكات جسيمة ومتعمدة بحق المدنيين في المحافظات الشرقية، ولا سيما محافظة حضرموت.
ووفقًا لأعمال الرصد الميداني، وشهادات الضحايا، والبلاغات الموثقة، تؤكد الشبكة أن حجم ونطاق الانتهاكات المسجلة يثيران مخاوف جدية بشأن مصير المدنيين، واحترام سيادة القانون، ويفرضان ضرورة تدخل دولي عاجل لوقف ما تصفه بانتهاكات وحشية ممنهجة.
ويوثق التقرير أنه خلال الفترة الممتدة من 1 ديسمبر 2025م وحتى 1 يناير 2026، سجلت فرق الشبكة الميدانية ما مجموعه 832 واقعة انتهاك جسيمة، ارتكبت بقصد جنائي مكتمل الأركان.
وشملت هذه الانتهاكات 54 حالة قتل، طالت مدنيين وعسكريين، من بينهم 18 مدنيًا من أبناء محافظة حضرموت من المؤيدين لحلف قبائل حضرموت، إضافة إلى 62 حالة إصابة بجروح متفاوتة الخطورة، لا يزال 17 مصابًا منهم في عداد المفقودين، وسط مخاوف من تعرضهم للإخفاء القسري عقب اختطافهم من مرافق طبية.
كما وثق التقرير 7 حالات تصفية ميدانية خارج إطار القانون، واعتقال واختطاف 332 مدنيًا من أبناء حضرموت ومحافظات أخرى.
ولم تقتصر الانتهاكات على الأفراد، بل امتدت لتشمل الممتلكات العامة والخاصة، حيث سجل التقرير اقتحام ومداهمة ونهب 377 منشأة ومنزلًا، من بينها 11 منشأة حكومية، و37 منزلًا تعرضت للنهب الكلي، و282 منزلًا للنهب الجزئي، إلى جانب نهب ممتلكات مدنية شملت 30 سيارة و17 دراجة نارية.
ويؤكد التقرير أن عمليات الاقتحام والمداهمة نُفذت في كثير من الحالات بأساليب عنيفة هدفت إلى ترويع السكان، خصوصًا النساء والأطفال، وخلفت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، فضلًا عن عسكرة الأحياء السكنية وتحويلها إلى مناطق غير آمنة للحياة المدنية.
وتشير المعلومات التي تحققت منها الشبكة إلى أن نسبة معتبرة من هذه الانتهاكات ارتُكبت بدوافع سياسية أو مناطقية، ما يثير مخاوف جدية من وجود طابع تمييزي، ويضاعف من خطورة هذه الأفعال وفق معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وتخلص الشبكة إلى أن الوقائع الموثقة قد تشكل انتهاكات جسيمة للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، وقد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حال ثبوت طابعها الواسع أو المنهجي ضد السكان المدنيين.
كما يوثق التقرير تهجيرًا قسريًا لنحو 5600 أسرة خلال شهر واحد فقط نتيجة الاجتياح المسلح، في انتهاك صارخ لحظر التهجير القسري، وما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل النزوح الداخلي واسع النطاق، وتفاقم الأزمات المعيشية، والانهيار الاقتصادي المحلي، وتعاظم الصدمات النفسية لدى النساء والأطفال.
وتحمل الشبكة المجلس الانتقالي الجنوبي المسؤولية الكاملة عن نتائج هذا التصعيد، وما يرتبط به من تنفيذ أجندات خارجية تسهم في زعزعة أمن واستقرار المنطقة وتقويض مؤسسات الدولة وسيادتها.
ويشير التقرير كذلك إلى تلقي الشبكة عشرات البلاغات الموثقة من أسر مدنية بشأن اختفاء أبنائها قسرًا دون أي معلومات عن أماكن احتجازهم أو مصيرهم، إضافة إلى مئات العسكريين التابعين للمنطقة العسكرية الأولى الذين لا يزال مصيرهم مجهولًا، في انتهاك جسيم للضمانات القانونية الوطنية والدولية.
وفي ضوء هذه التداعيات، تؤكد الشبكة دعمها الكامل للجهود التي تقودها المملكة العربية السعودية لاحتواء التصعيد وحقن الدماء، وإعادة الأوضاع في حضرموت إلى مسارها الآمن ضمن إطار الدولة وسيادة القانون، محذرة في الوقت ذاته من أن استمرار صمت المجتمع الدولي يسهم في تكريس الإفلات من العقاب وتقويض فرص الاستقرار والسلام في اليمن.
كما تعلن استعدادها الكامل للتعاون مع آليات الأمم المتحدة والجهات الدولية المختصة، وتزويدها بالتقارير التفصيلية وقوائم الضحايا والأدلة الموثقة.
ويرى المراقبون أن التقرير يعكس مرحلة خطيرة من الصراع في المحافظات الشرقية، حيث لم تعد الانتهاكات مجرد حوادث معزولة، بل باتت – وفق المعطيات الموثقة – نمطًا ممنهجًا يهدد السلم الاجتماعي ويقوض أسس الدولة وسيادة القانون.
ويؤكد هؤلاء على أن خطورة ما ورد في التقرير لا تكمن فقط في أعداد الضحايا وحجم الدمار، بل في الطابع المنهجي والسياسي لبعض الانتهاكات، ما يستدعي تحركًا دوليًا جادًا يتجاوز بيانات القلق، نحو آليات تحقيق ومساءلة فعالة، لضمان حماية المدنيين ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
