"طائفة الدروز ـ تاريخها وعقائدها" في معرض الكتاب
الإثنين 05/يناير/2026 - 10:38 ص
طباعة
روبير الفارس
في سياق الاهتمام المتجدد بتاريخ الطوائف والمذاهب في المشرق العربي، يبرز كتاب «طائفة الدروز ـ تاريخها وعقائدها» للدكتور محمد كامل حسين كأحد الإصدارات المرجعية المهمة، والذي يعود للواجهة مجددًا مع طرحه ضمن إصدارات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026. تأتي أهمية هذا الكتاب في لحظة تاريخية حساسة، خاصة بعد الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة السويداء السورية، والتي أعادت طرح أسئلة كثيرة حول تاريخ وخصوصية أبناء هذه المدينة، المنتمين إلى طائفة الدروز أو “الموحدين” كما يفضلون أن يُطلق عليهم.
الكتاب، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1962 عن دار المعارف، لا يمثل مجرد دراسة تاريخية عابرة، بل يعد محاولة علمية رصينة لفك بعض ملامح الغموض الذي يحيط بهذه الطائفة ذات الطبيعة الخاصة، والتي كثيرًا ما أُسيء فهمها أو أُحيطت بالأساطير والأحكام المسبقة. ويستند المؤلف في عمله إلى منهج بحثي دقيق، يجمع بين الدراسة الأكاديمية الصارمة والمعايشة الميدانية المباشرة.
الدكتور محمد كامل حسين، وهو واحد من أبرز المتخصصين في أدب الفاطميين وعقائد الشيعة ومذاهبهم، يمتلك خلفية معرفية عميقة أهلته للتعامل مع موضوع شديد الحساسية والتعقيد مثل العقيدة الدرزية. ويظهر ذلك بوضوح في تناوله لتاريخ نشأة الطائفة، وظروف ظهورها في العصر الفاطمي، وصلتها بالمذاهب الشيعية الباطنية، مع حرصه على التفريق بين الروايات التاريخية الموثقة والتصورات الشعبية الشائعة.
ولا تقتصر قيمة الكتاب على التحليل النظري، بل تتعزز من خلال اعتماد المؤلف على مصادر نادرة، حصل عليها عبر رحلاته المتعددة إلى جبل الدروز، وعلاقاته المباشرة بشيوخ العواقل، الذين أمدوه بمخطوطات ووثائق لم تكن متاحة لكثير من الباحثين. هذا الاحتكاك المباشر بأبناء الطائفة ومراجعها الأصلية منح الدراسة مصداقية استثنائية، وجعلها أقرب إلى شهادة علمية موثقة منها إلى مجرد قراءة خارجية.
كما يتناول الكتاب العقائد الدرزية في إطارها التاريخي والفلسفي، دون إثارة أو تهويل، محاولًا تقديم فهم موضوعي لطبيعة الفكر التوحيدي، وموقف الدروز من قضايا الإيمان، والسرية، والتنظيم الاجتماعي، وهي قضايا طالما أثارت الجدل وسوء الفهم عبر القرون. ويحسب للمؤلف لغته الهادئة والمتزنة، التي تبتعد عن الأحكام المسبقة، وتلتزم بروح الباحث لا الداعية أو الخصم.
إعادة طرح هذا الكتاب اليوم تمثل إضافة مهمة للمكتبة العربية، وتفتح الباب أمام قراءة أعمق وأكثر وعيًا لتاريخ طائفة لعبت دورًا مؤثرًا في تاريخ المنطقة. ويكتمل هذا الجهد العلمي بالإخراج الفني للغلاف، الذي صممته الزميلة دعاء عبد الواحد، بما يعكس احترام المحتوى ورصانته، ويمنح الكتاب حضورًا بصريًا يليق بقيمته المعرفية.
