“الحرب الاقتصادية” في مالي: لماذا تستهدف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المصانع والبنية التحتية؟

الأحد 11/يناير/2026 - 05:51 م
طباعة “الحرب الاقتصادية” علي رجب
 
شكل الهجوم الذي استهدف وحدة إنتاج شركة CCM-Mali SA في كاراغا، قرب بافولابي في إقليم كايس غرب مالي، حلقة جديدة في مسار تصعيدي واضح تنتهجه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين منذ منتصف عام 2025، وهو مسار لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية مع القوات الحكومية، بل اتخذ طابعا أوسع يمكن وصفه بـ“الحرب الاقتصادية” الشاملة ضد الدولة والمجتمع في آن واحد.

أولا: من العنف العسكري إلى التخريب الاقتصادي
لطالما ارتبط نشاط الجماعات الجهادية في مالي، منذ 2012، بالهجمات على الجيش والقوات الدولية، لكن ما يميز المرحلة الحالية هو التحول المنهجي نحو استهداف البنية الاقتصادية: المصانع، المناجم، طرق الإمداد، وشبكات الوقود. هذا التحول يعكس قراءة استراتيجية لدى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مفادها أن إضعاف الدولة لا يتحقق فقط بإلحاق خسائر عسكرية، بل عبر شل الاقتصاد وضرب قدرة السلطة على الحكم وتوفير الخدمات.

استهداف مصنع CCM-Mali SA، المتخصص في الحجر والجير ومواد البناء، ليس صدفة. فهذه الصناعات تشكل ركيزة أساسية لإعادة الإعمار، والبنية التحتية، والنشاط العمراني، وبالتالي فإن تعطيلها يضرب بشكل مباشر دورة الاقتصاد المحلي والوطني.

منطقة كايس
تكتسب منطقة كايس أهمية استراتيجية استثنائية. فهي بوابة مالي الغربية نحو السنغال وموريتانيا، وتشكل شريانا تجاريا حيويا لنقل الوقود والبضائع، كما تضم نشاطا صناعيا وتعدينيا متناميا. توسع الجماعة إلى هذه المنطقة، البعيدة نسبيا عن معاقلها التقليدية في وسط وشمال البلاد، يحمل رسالة مزدوجة: أولا، تأكيد القدرة على كسر الطوق الأمني والتغلغل في مناطق كانت تعد أكثر استقرارا؛ وثانيا، ضرب الاقتصاد في نقاط حساسة ذات تأثير وطني وإقليمي.

الهجوم الثاني على المصنع نفسه خلال أقل من سبعة أشهر يوحي بإصرار واضح على إخراج المنشأة من الخدمة نهائيا، وليس مجرد توجيه رسالة رمزية.

التأثير الاجتماعي… كسب أم خسارة؟
من أخطر تداعيات هذا النوع من الهجمات أثره المباشر على السكان المحليين. فمصنع CCM-Mali SA يوظف نسبة كبيرة من أبناء المنطقة، وتعطيله يعني فقدان مئات الأسر لمصدر دخلها في منطقة تعاني أصلا من الفقر والهشاشة. هنا تبرز مفارقة استراتيجية: الجماعة تدعي الدفاع عن “المجتمع المحلي” في مواجهة الدولة، لكنها في الواقع تفاقم معاناة هذا المجتمع.

غير أن الجماعة تراهن على عامل آخر، وهو أن الانهيار الاقتصادي والبطالة ونقص الوقود قد يترجم إلى غضب شعبي موجه ضد المجلس العسكري الحاكم في باماكو، وليس ضد الفاعل المسلح. إنها استراتيجية “تحميل الدولة الكلفة الاجتماعية” للقمع وعدم الاستقرار.
 الرسالة إلى الشركات الأجنبية والمنظمات
الهجوم يندرج أيضا ضمن سياسة ضغط ممنهجة على الشركات الأجنبية والمنظمات الدولية. فمنذ عام 2025، وجهت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تهديدات علنية تطالب بوقف أي تعاون اقتصادي أو إنمائي مع المجلس العسكري. استهداف منشآت صناعية، إلى جانب اختطاف عشرات العمال الأجانب، يعكس محاولة لخلق بيئة استثمارية طاردة بالكامل.

هذه الاستراتيجية، إن نجحت، ستؤدي إلى انسحاب رؤوس الأموال، وتراجع المساعدات، وتعميق عزلة مالي الاقتصادية، وهو ما يضعف قدرة الدولة على تمويل الأمن والخدمات العامة.
 السياق السياسي… المجلس العسكري تحت الضغط
يأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه المجلس العسكري الحاكم تحديات مركبة: تدهور اقتصادي، نقص وقود خانق، ضغوط إقليمية ودولية، وتراجع الثقة الشعبية. الهجمات الاقتصادية تزيد من هذه الضغوط، وتكشف محدودية قدرة السلطة على حماية البنية التحتية الحيوية، خاصة في المناطق الطرفية.

كما أن غياب تعليق رسمي سريع على الهجوم يعكس إما ارتباكا أو محاولة لتقليل أهمية الحدث، لكن الصمت بحد ذاته قد يفسر محليا على أنه عجز أو فقدان سيطرة.
 ما الذي تغير في ميزان الصراع؟
الهجوم على كاراغا يؤكد أن الصراع في مالي دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدا. لم يعد خط المواجهة واضحا بين “جيش وجماعة مسلحة”، بل أصبح الاقتصاد، وسلاسل الإمداد، وحياة المدنيين جزءا مباشرا من ساحة المعركة. هذا يرفع كلفة الصراع على المجتمع بأكمله، ويجعل أي حل عسكري صرف غير كاف.

كما يثير هذا التوسع الجغرافي مخاوف إقليمية، خصوصا لدى السنغال وموريتانيا، من انتقال عدوى عدم الاستقرار عبر الحدود.

هجوم كاراغا ليس حادثا معزولا، بل مؤشر واضح على استراتيجية طويلة النفس تتبعها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لإضعاف مالي من الداخل عبر خنقها اقتصاديا. وبينما قد تحقق هذه الاستراتيجية مكاسب تكتيكية للجماعة، فإنها تضع البلاد أمام مخاطر جسيمة تتمثل في انهيار اقتصادي أعمق، تفكك اجتماعي، واتساع دائرة العنف. ويبقى السؤال المركزي: هل تمتلك الدولة المالية، بدعم إقليمي ودولي، رؤية شاملة تتجاوز الرد الأمني لمعالجة جذور هذا التصعيد، أم أن “الحرب الاقتصادية” ستواصل حصد ضحاياها بصمت؟

شارك