زلزال التصنيف الأمريكي: نهاية "الإسلام السياسي الوظيفي" وبداية الحصار الشامل

الثلاثاء 13/يناير/2026 - 11:28 م
طباعة زلزال التصنيف الأمريكي: حسام الحداد
 
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة سياسية جديدة بصدور القرار الأمريكي التاريخي بتصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية. هذا القرار لا يمثل مجرد إجراء عقابي تقني، بل هو "زلزال استراتيجي" ينهي حقبة طويلة من الضبابية الغربية والمراهنات الخاطئة على ما كان يُسمى بـ "الإسلام السياسي المعتدل". لقد أدركت واشنطن، بعد تجارب مريرة، أن الجماعة ليست إلا حاضنة فكرية توفر الغطاء والبيئة الخصبة للتطرف العنيف، مما استدعى تحولاً جذرياً نحو سياسة "الاجتثاث التجفيفي" التي تستهدف ضرب المركز والأطراف في آن واحد.
إن هذا التحول في الموقف الأمريكي يضع التنظيم الدولي للإخوان أمام معضلة وجودية لم يشهدها منذ تأسيسه، حيث تم الربط بوضوح بين نشاط الجماعة الإقليمي وبين تهديد الأمن القومي والمصالح الحيوية الدولية. ومع تفعيل أدوات "الوضوح الاستراتيجي"، بات لزاماً علينا تفكيك دلالات هذا التصنيف وأبعاده القانونية والميدانية، وكيف سيؤدي هذا الحصار الشامل إلى إعادة رسم خريطة القوى في المنطقة، وإنهاء أسطورة "حصان طروادة" الذي استُخدم طويلاً لزعزعة استقرار الدول الوطنية العربية.

دلالات التوقيت والسياق السياسي
يأتي هذا القرار في توقيتٍ مفصلي يعكس تبني الإدارة الأمريكية الحالية لمبدأ "الوضوح الاستراتيجي"، وهو ما يمثل قطيعة تامة مع سياسات "الاحتواء" التي سادت لعقود. فبعد سنوات من المراهنة الغربية -وتحديداً خلال حقبة أوباما- على أن جماعة الإخوان يمكن أن تمثل "إسلاماً ديمقراطياً" أو "شريكاً مستقراً" قادراً على كبح جماح التنظيمات الأكثر راديكالية، وصلت واشنطن إلى قناعة استخباراتية وسياسية بأن هذا الرهان كان كارثياً. لقد أثبتت الوقائع على الأرض أن الجماعة ليست سوى "الحاضنة الأيديولوجية" والرحم الذي خرجت من عباءته معظم حركات العنف والتطرف، مما دفع صانع القرار الأمريكي لإعادة تقييم المشهد وإغلاق ملف "الإسلام السياسي الوظيفي" الذي استُخدم طويلاً كأداة للضغط على الأنظمة الوطنية.
ثانياً: تهاوي أسطورة "الفصل بين الدعوي والسياسي" الفقرة الثانية تكمن أهميتها في كسر الوهم الذي سوّقت له الجماعة لعقود؛ حيث أدركت الإدارة الأمريكية أن تقسيم الجماعة إلى جناح "سياسي/دعوي" مسالم وجناح "عسكري/تنظيمي" متطرف هو تقسيم صوري لا وجود له في الهيكل الحقيقي للتنظيم. هذا القرار يعكس إدراكاً أمريكياً بأن "وحدة الهدف" تربط بين مكتب الإرشاد في القاهرة، والكوادر في الأردن، والنشاط في لبنان، وصولاً إلى الارتباط العملياتي بحركة حماس. بالتالي، فإن واشنطن لم تعد تنطلي عليها لعبة "تبادل الأدوار" أو المراوغة السياسية التي يمارسها قادة الإخوان في العواصم الغربية، وقررت التعامل مع التنظيم ككتلة واحدة تشكل خطراً عضوياً على مصالحها القومية وعلى استقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها.

التمايز في التصنيفات: قراءة في الأهداف
التباين في نوعية التصنيف بين الفروع الثلاثة، وهو ما يكشف عن "جراحة استخباراتية" دقيقة:
أولاً: "الجراحة الاستخباراتية" في الساحة اللبنانية (تصنيف FTO) يعكس اختيار تصنيف "منظمة إرهابية أجنبية" (FTO) للفرع اللبناني رغبة أمريكية في ممارسة أقصى درجات الضغط القانوني والميداني في بيئة تتسم بتعدد القوى المسلحة والهشاشة الأمنية. هذا التصنيف هو "الأداة الأكثر حدة" في القانون الأمريكي، حيث لا يكتفي بتجميد الأموال، بل يجرّم أي نوع من أنواع الدعم المادي أو المعنوي، مما يحاصر الجماعة في لبنان ويمنعها من استغلال الغطاء السياسي أو المؤسساتي (كالجمعيات الخيرية والمدارس) للعمل كقناة خلفية. تهدف واشنطن من ذلك إلى قطع الطريق أمام أي تقاطعات محتملة بين الإخوان والقوى المسلحة الأخرى في لبنان، وضمان عدم تحول الساحة اللبنانية إلى "رئة لوجستية" آمنة للتنظيم الدولي تحت أي مبررات سياسية.
ثانياً: ضرب "العمق الاستراتيجي" لحماس عبر فرعي مصر والأردن في المقابل، جاء تصنيف فرعي مصر والأردن تحت مسمى "إرهاب عالمي" (SDGT) ليركز بشكل جراحٍ على "التمويل والتبعية". فواشنطن هنا تربط الجماعة صراحةً بتمويل وحماية حركة حماس، معتبرةً إياهما "خطوط إمداد" خلفية وقواعد ارتكاز لوجستية وأيديولوجية. هذا القرار يهدف إلى تجفيف منابع الدعم المالي العابر للحدود الذي يتدفق من أفراد أو كيانات تابعة للإخوان في هذه الدول نحو قطاع غزة. العقوبات هنا لا تلاحق التنظيم ككيان محلي فحسب، بل تلاحقه كحلقة وصل في شبكة إقليمية أوسع، مما يجعل أي نشاط مالي للإخوان في القاهرة أو عمان تحت مجهر الرقابة المالية الدولية اللحظية.
ثالثاً: الضغط السياسي المزدوج وتحدي "الشرعية المحلية" يمثل هذا التمايز في التصنيف، خاصة في الحالة الأردنية، ذكاءً سياسياً يهدف إلى إحراج الجماعة وتفكيك علاقتها بالدولة والمجتمع. فمن خلال تصنيفهم "إرهاباً عالمياً" بسبب دعم حماس، تضع واشنطن الجماعة (التي تمتلك تمثيلاً قانونياً في الأردن) في صدام مباشر مع التزامات الدولة الأردنية الدولية ومكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. هذا الضغط يهدف إلى إحداث انقسام داخلي في صفوف الإخوان بين "تيار المصلحة الوطنية" و"تيار التنظيم الدولي"، ويجبر الدولة المستضيفة على تشديد الرقابة القانونية على نشاطاتهم السياسية والمالية، مما يؤدي في النهاية إلى تآكل الحواضن الشعبية والسياسية التي كانت تتحرك الجماعة من خلالها بحرية نسبية.

تجفيف المنابع: أبعد من تجميد الأموال
تتجاوز تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو حول "حرمان الإخوان من الموارد" المفهوم التقليدي لتجميد الحسابات البنكية، لتعلن تدشين مرحلة "الإعدام المالي والسيبراني" للتنظيم. إن المواجهة اليوم انتقلت إلى ملاحقة الأصول الرقمية، ومنصات التمويل الجماعي، وشبكات الصرافة غير الرسمية التي اعتمد عليها التنظيم تاريخياً للالتفاف على الرقابة. هذا الحصار يعني وضع "بصمة إرهابية" على كل دولار يتحرك في فلك الجماعة، مما يحول أي كيان تجاري، أو شركة استثمارية، أو حتى واجهة عقارية يشتبه في صلتها بالتنظيم الدولي، إلى هدف مشروع للعقوبات الأمريكية. هذا الإجراء يستهدف بالأساس تفكيك "الإمبراطورية المالية الموازية" التي بناها الإخوان عبر عقود، والتي كانت تمثل شريان الحياة الذي يغذي أنشطتهم السياسية والإعلامية في الخارج.
ثانياً: ضرب "الغطاء الخيري" وتجفيف الحواضن الاجتماعية يتمثل البعد الأكثر خطورة في هذا الحصار المالي في استهداف "القوة الناعمة" للجماعة المتمثلة في شبكة الجمعيات الخيرية والإغاثية. فمن خلال تصنيف هذه الفروع كمنظمات إرهابية، تصبح التبرعات والتمويلات التي تتدفق تحت غطاء العمل الإنساني "جريمة جنائية" تضع المتبرعين والمؤسسات الوسيطة في مواجهة مباشرة مع القضاء الدولي. هذا السلاح يهدف إلى تجفيف المنابع الاجتماعية للجماعة، ومنعها من استخدام المال السياسي لاستقطاب الولاءات أو تمويل خلاياها. إنها عملية "عزل اجتماعي ومادي" تهدف إلى تحويل الانتماء للجماعة أو دعمها ماليًا إلى عبء قانوني واقتصادي لا يستطيع الأفراد أو الشركات تحمله، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الهيكل التنظيمي نتيجة العجز عن الوفاء بالالتزامات المالية الضخمة تجاه الكوادر والمنصات التابعة له.

التداعيات الإقليمية: إرباك "المحاور"
يُمثل هذا القرار انتصاراً استراتيجياً لرؤية دول "الرباعي العربي" (مصر، السعودية، الإمارات، البحرين)، حيث يمنح مواقفها التاريخية ضد الجماعة صبغةً وشرعيةً دوليةً لا تقبل التأويل. فبعد سنوات من محاولات الإخوان وحلفائهم تصوير الصدام معهم كخلاف سياسي محلي، جاء التصنيف الأمريكي ليؤكد أن الجماعة تشكل تهديداً عابراً للحدود يمس الأمن القومي العالمي. هذا التحول يضع القوى الإقليمية التي وفرت "ملاذاً آمناً" أو دعماً سياسياً وإعلامياً للجماعة في مأزق دبلوماسي حرج؛ إذ لم يعد الدعم الموجه للإخوان يُصنف كحرية رأي أو استضافة لمعارضة سياسية، بل بات يُنظر إليه أمريكياً كدعم لكيانات إرهابية مصنفة، مما يقلص مساحات المناورة أمام تلك الدول ويجبرها على مراجعة حساباتها لتجنب التصادم مع الإدارة الأمريكية.
ثانياً: رسائل حازمة وإعادة صياغة قواعد اللعبة مع تركيا وقطر يرسل هذا القرار رسالة "تحذير نهائي" وشديدة اللهجة إلى عواصم مثل أنقرة والدوحة، مفادها أن قواعد اللعبة الجيوسياسية قد تغيرت جذرياً، وأن الاستثمار في ورقة الإخوان بات "استثماراً خاسراً" وعالي المخاطر. فبموجب القوانين المصاحبة لهذا التصنيف، قد تتعرض المؤسسات والشركات في هذه الدول لضغوط اقتصادية أو عقوبات ثانوية إذا ما استمرت في تسهيل النشاطات المالية أو الإعلامية لهذه الفروع. هذا الواقع الجديد يدفع هذه القوى الإقليمية نحو خيارين: إما التخلي التدريجي عن هذه الكوادر وطردهم من أراضيها لتأمين مصالحها مع واشنطن، أو الدخول في مواجهة دبلوماسية واقتصادية مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو ثمنٌ باهظ لا يبدو أن أحداً مستعد لدفعه في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية الحالية في المنطقة.

التداعيات القانونية واللوجستية: "المطاردة العابرة للحدود"
إن تصنيف وزارة الخارجية (FTO) ووزارة الخزانة (SDGT) ليس مجرد حبر على ورق، بل هو تفعيل لآلة قانونية دولية ضخمة:
أولاً: تفعيل "الولاية القضائية العابرة للحدود" وتجريم الدعم إن تصنيفي (FTO) و(SDGT) يمنحان القضاء الأمريكي سلطة قانونية تتجاوز الحدود الجغرافية للولايات المتحدة، فيما يُعرف بالولاية القضائية العالمية في قضايا الإرهاب. وبموجب هذا، يصبح أي فرد أو كيان – بغض النظر عن جنسيته أو مكان إقامته – عرضة للملاحقة الجنائية الفيدرالية إذا ثبت تقديمه "دعماً مادياً" لهذه الفروع. هذا المصطلح في القانون الأمريكي فضفاض وشامل، فهو يمتد ليشمل تقديم الأموال، الأسلحة، التدريب، الوثائق المزورة، وحتى تقديم الاستشارات المتخصصة أو توفير وسائل الاتصال. وعليه، فإن الكوادر المقيمة في عواصم كأوروبا أو تركيا، والتي كانت تعتقد أنها في مأمن، أصبحت اليوم أهدافاً قانونية مباشرة لمذكرات التوقيف الدولية (الإنتربول) تحت طائلة القانون الأمريكي.
ثانياً: "الشلل المالي" وتجميد أوردة التنظيم الدولي يُعد تجميد الأصول التلقائي السلاح الأكثر فتكاً في هذا القرار، حيث أن النظام المالي العالمي بأكمله مرتبط بنظام المقاصة الأمريكي وشبكة "سويفت" (SWIFT). وبمجرد صدور القرار، تلتزم كافة البنوك والمؤسسات المالية حول العالم بتجميد أي حسابات أو أصول تعود لهذه الفروع أو لأشخاص مرتبطين بها، خوفاً من تعرض هذه البنوك نفسها لعقوبات أمريكية قاسية. هذا لا يعني مجرد منع الجماعة من سحب أموالها، بل يعني "موتها إكلينيكياً" داخل النظام المصرفي الرسمي، مما يقطع الطريق على عمليات غسيل الأموال، ويجبر التنظيم الدولي على العودة لأساليب بدائية وخطرة لنقل الأموال، مما يسهل رصدهم واختراقهم استخباراتياً.
ثالثاً: تحويل عواصم اللجوء إلى "سجون اختيارية" على الصعيد اللوجستي، يؤدي الإدراج في قوائم الإرهاب إلى وضع مئات الكوادر والقيادات على قوائم المراقبة الجوية العالمية (No-Fly Lists) ومنظومات تبادل البيانات الأمنية. هذا الإجراء يحرم هؤلاء من حرية التنقل الدولية، حيث تلتزم شركات الطيران وسلطات الحدود بمنعهم من السفر أو توقيفهم وتسليمهم. وبذلك، تتحول العواصم التي يقيمون فيها حالياً إلى "سجون اختيارية"؛ فهم يخشون مغادرة حدود تلك الدول لئلا يقعوا في فخ الاعتقال في المطارات الدولية، مما يؤدي إلى "تجميد حركي" للقيادات يمنعهم من عقد اجتماعات التنظيم الدولي أو تنسيق النشاطات الميدانية في أقاليم مختلفة.
رابعاً: ملاحقة "الواجهات القانونية" والشركات الستار الأثر القانوني الأبعد لهذا القرار يتمثل في كشف وملاحقة "الشركات الستار" (Shell Companies) والمحافظ الاستثمارية التي يديرها رجال أعمال تابعون للإخوان في الخارج لصالح فروع مصر والأردن ولبنان. القانون الأمريكي يتيح لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) تتبع "خيوط الملكية" حتى لو كانت متوارية خلف أسماء وهمية أو شركات أوفشور. هذا الضغط القانوني سيجبر الشركاء التجاريين والمستثمرين الأجانب على فك ارتباطهم فوراً بأي شخصية إخوانية خشية "تلوث" سجلاتهم المالية، مما يؤدي في النهاية إلى انهيار المنظومة الاقتصادية التي تُمول الآلة الإعلامية والسياسية للجماعة في الخارج.

الأثر على "التنظيم الدولي": التفكك أم الانزواء؟
أولاً: تصدع "وحدة القيادة" وبروز النزعات المحلية يضع هذا الضغط الأمريكي غير المسبوق "التنظيم الدولي" أمام معضلة بنيوية قد تؤدي إلى "التفكك الهيكلي" كآلية للدفاع عن البقاء. فالفروع المحلية، ولا سيما في الأردن، قد تجد نفسها مضطرة لإعلان "القطيعة التنظيمية" مع المركز في لندن أو إسطنبول لتجنب مقصلة العقوبات الدولية والحفاظ على ما تبقى لها من شرعية قانونية داخل دولها. هذا التفكك لن يكون مجرد مناورة سياسية، بل سيتحول إلى واقع تفرضه ضرورة النجاة من الملاحقة المالية، مما سيؤدي في النهاية إلى تحول الجماعة من "تنظيم عالمي موحد" إلى "جزر معزولة" تفتقر إلى التنسيق المركزي، مما يضعف قدرتها على التأثير في السياسات الإقليمية.
ثانياً: الانزواء في "السرية المطلقة" ونمط الجمعيات المغلقة في المقابل، قد يدفع هذا الحصار الجناح المتصلب في الجماعة نحو "السرية المطلقة"، متبعين في ذلك نمط الجمعيات الماسونية والمنظمات تحت الأرضية التي تعمل في الظلام. هذا السيناريو يعني تخلي الجماعة عن طموح "المشاركة السياسية العلنية" والعودة إلى الجذور التنظيمية القائمة على الخلايا العنقودية والولاء المطلق بعيداً عن أعين الرقابة. وكما أشار الدكتور عبد الرحيم علي في تحليلاته، فإن هذا التحول سيجعل الجماعة أكثر انغلاقاً وراديكالية، حيث سيحل "التنظيم الخاص" محل الواجهات السياسية، مما يحولها إلى كيان غريب عن نسيج المجتمعات العربية ومرفوض دولياً بشكل قاطع.
ثالثاً: "الهروب الرقمي" والاعتماد على الاقتصاد الموازي أمام تجفيف منابع التمويل التقليدية، سيلجأ التنظيم الدولي بشكل مكثف إلى "الاقتصاد الرقمي الموازي" كبديل لنظام "سويفت" والمصارف العالمية. الاعتماد على العملات المشفرة (Cryptocurrencies) وشبكات التحويل غير القانونية (الحوالة) سيكون هو الملاذ الأخير لتمويل الأنشطة والكوادر في الخارج. ومع ذلك، فإن هذا الخيار سيضع الجماعة في مواجهة مباشرة مع أجهزة مكافحة الإرهاب الرقمي الدولية، وسيزيد من صبغتها كـ "منظمة إجرامية" عابرة للحدود، مما يُفقدها أي تعاطف سياسي كانت تحظى به تحت مسميات "المظلومية" أو "النشاط الدعوي".
رابعاً: العزلة السياسية وتآكل الحواضن الدولية النهاية الحتمية لهذه الضغوط هي "العزلة السياسية والاجتماعية الشاملة". فالتصنيف الأمريكي يرفع الغطاء عن "الشركاء الدوليين" (سواء كانوا أحزاباً يسارية أو ليبرالية في الغرب) الذين كانوا يدافعون عن الجماعة. لن يجرؤ أي تيار سياسي أو منظمة حقوقية دولية على التحالف مع كيان مصنف إرهابياً من قبل القوة العظمى في العالم. هذا التآكل في الحواضن الدولية سيتزامن مع تراجع داخلي نتيجة عجز الجماعة عن تقديم أي مشروع سياسي قابل للحياة، لتجد نفسها في نهاية المطاف مجرد "ظاهرة تاريخية" تتلاشى تحت وطأة الفشل البنيوي والمطاردة القانونية الشاملة.

الخاتمة
في الختام، يظهر جلياً أن زمن "المراوغة السياسية" واللعب على حبال التناقضات الدولية قد انتهى بالنسبة للإخوان المسلمين؛ فالتصنيف الأمريكي الأخير أغلق الثغرات القانونية والمالية التي كان يتنفس منها التنظيم الدولي في الخارج. إننا أمام مشهد يتسم بـ "المطاردة الشاملة" التي لا ترحم، حيث لم تعد العواصم الغربية أو الملاذات الإقليمية أماكن آمنة لإدارة المحافظ المالية أو إطلاق المنصات التحريضية. هذا الحصار الرقمي والمصرفي والقانوني سيؤدي حتماً إما إلى تفكك الهياكل المحلية للجماعة طلباً للنجاة، أو الانزواء في سرية مطلقة تحولها إلى مجرد جمعية معزولة ومنبوذة دولياً.
لقد انتصرت الرؤية الوطنية العربية التي طالما حذرت من خطورة هذا التنظيم، وأصبح المجتمع الدولي اليوم أكثر اقتناعاً بأن استقرار المنطقة يمر عبر مواجهة هذه الأيديولوجيات المتطرفة وتجفيف منابعها. إن مستقبل الجماعة، في ظل هذه المتغيرات الدولية المتسارعة، يبدو كطريق مسدود ينتهي بالتلاشي السياسي؛ فالتنظيم الذي اعتمد على الوهم والمناورة يسقط اليوم تحت وطأة الحقائق والمحاسبة، لتسدل الستار على واحدة من أكثر المراحل استغلالاً للدين في سبيل أوهام السلطة والتقسيم.

شارك