"أسطول الظل" تحت المقصلة الأمريكية… النفط في مواجهة دماء المتظاهرين
السبت 24/يناير/2026 - 01:25 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في تصعيد جديد ضمن سياسة "الضغط الأقصى" على طهران، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض حزمة عقوبات واسعة تستهدف ما يُعرف بـ"أسطول الظل" الإيراني، على خلفية استمرار النظام الإيراني في قمع الاحتجاجات الشعبية السلمية واستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، إلى جانب قطعه الشامل لخدمات الإنترنت في محاولة لإخفاء حجم الانتهاكات المرتكبة بحق المواطنين، وتعكس الخطوة الأمريكية توجهاً متزايداً لربط العقوبات الاقتصادية بالملف الحقوقي الداخلي في إيران، وليس فقط ببرنامجها النووي أو أنشطتها الإقليمية.
وفي هذا السياق، أوضحت وزارة الخزانة عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، أنها استهدفت تسع سفن وعدداً من شركات الشحن والإدارة المالكة أو المشغلة لها، بعد ثبوت تورطها في نقل مئات الملايين من الدولارات من النفط الخام الإيراني والمنتجات البترولية إلى الأسواق الخارجية، في إطار شبكة تهريب بحرية معقدة تُعرف بـ"أسطول الظل".
وبحسب البيان، فإن هذه العائدات المالية، التي يفترض أن تعود بالنفع على الشعب الإيراني، يتم تحويلها إلى تمويل الأذرع المسلحة التابعة لطهران في المنطقة، وبرامج التسلح، وأجهزة الأمن الداخلي، بدلاً من توجيهها إلى تحسين الأوضاع المعيشية المتدهورة أو توفير الخدمات الأساسية التي يطالب بها الإيرانيون منذ سنوات.
وأكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن النظام الإيراني "ينخرط في عملية تدمير اقتصادي ذاتي"، مشيراً إلى أن حملة الضغط الأقصى التي أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترامب ساهمت في تسريع انهيار العملة الإيرانية وتدهور مستويات المعيشة، وأضاف أن العقوبات الجديدة تستهدف أحد أهم مصادر التمويل التي يعتمد عليها النظام لقمع شعبه، مشدداً على أن واشنطن ستواصل ملاحقة الأموال التي يحاول النظام تهريبها إلى الخارج عبر شبكات مصرفية وشركات واجهة.
وشملت العقوبات شركات مسجلة في الإمارات والهند وعُمان وسيشل وجزر مارشال وليبيريا، إضافة إلى سفن ترفع أعلام دول مختلفة، ما يعكس الطبيعة العابرة للحدود لشبكات تهريب النفط الإيراني.
كما تم إدراج السفن المستهدفة كممتلكات محظورة، بما يعني تجميد أي أصول لها خاضعة للولاية القضائية الأمريكية ومنع التعامل معها من قبل الأفراد أو الكيانات الأمريكية.
وجاء هذا الإجراء استناداً إلى الأمر التنفيذي رقم 13902، المتعلق باستهداف قطاعي النفط والبتروكيماويات في إيران، وبما ينسجم مع مذكرة الأمن القومي الرئاسية الخاصة بتشديد الخناق الاقتصادي على طهران.
ويرى مراقبون أن توقيت هذه العقوبات يحمل دلالة سياسية واضحة، إذ يأتي بالتزامن مع موجة احتجاجات واسعة داخل إيران واتساع دائرة السخط الشعبي نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والتضخم.
ويعتبر هؤلاء أن واشنطن تحاول إرسال رسالة مزدوجة: الأولى إلى النظام الإيراني مفادها أن القمع الداخلي ستكون له كلفة اقتصادية مباشرة، والثانية إلى الشارع الإيراني بأن المجتمع الدولي لا يتجاهل معاناته.
كما يشير محللون إلى أن استهداف "أسطول الظل" يمثل ضربة نوعية لقدرة طهران على الالتفاف على العقوبات التقليدية، خصوصاً أن هذه الشبكات البحرية كانت من أهم الأدوات التي استخدمها النظام للحفاظ على تدفق العملات الصعبة خلال السنوات الماضية.
ومع ذلك، يحذّر آخرون من أن النظام الإيراني قد يلجأ إلى أساليب أكثر تعقيداً أو إلى توسيع الاعتماد على شبكات غير رسمية جديدة، ما يجعل معركة العقوبات طويلة الأمد وغير مضمونة النتائج بالكامل.
ويضيف بعض المراقبين أن ربط الملف الحقوقي بالعقوبات الاقتصادية قد يفتح الباب أمام تحركات أوروبية ودولية مماثلة، ما يزيد من عزلة إيران السياسية والاقتصادية، لكنه في الوقت ذاته قد يدفع النظام إلى تشديد قبضته الأمنية داخلياً بدل تقديم تنازلات حقيقية.
وتعكس العقوبات الأمريكية الأخيرة تحولاً متزايداً نحو استخدام الأدوات الاقتصادية لمعاقبة الأنظمة على انتهاكاتها الداخلية، وليس فقط على سياساتها الخارجية، وبينما تسعى واشنطن إلى تجفيف منابع التمويل التي يعتمد عليها النظام الإيراني في قمع شعبه وتمويل أنشطته الإقليمية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذه الضغوط على إحداث تغيير فعلي في سلوك طهران، أو ما إذا كانت ستؤدي إلى مزيد من التشدد الداخلي وتفاقم معاناة المواطن الإيراني.
وفي جميع الأحوال، فإن "أسطول الظل" لم يعد بعيداً عن دائرة الاستهداف الدولي، ما ينذر بمرحلة جديدة من المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران.
