قرارُ فرنسا ضدَّ الإخوان.. بدايةُ مرحلةٍ أوروبيةٍ جديدةٍ لتفكيكِ التنظيم (2)
الأحد 25/يناير/2026 - 03:50 ص
طباعة
حسام الحداد
يُثبت الدكتور عبد الرحيم علي في هذا الجزء من السلسلة أنه ليس مجرد باحث في شؤون الجماعات الإسلامية، بل هو "مهندس استراتيجي" استطاع تشريح الهيكل الأخطبوطي للتنظيم الدولي للإخوان ووضع خارطة طريق علمية لتفكيكه، حيث تبرز عبقريته في قدرته على الربط التاريخي والتحليلي بين نشأة التنظيم الهرمي وتحوله إلى نظام "الشبكة" العابر للحدود، محذرًا بوعيٍ سابق لعصره من فخ "التمكين" الذي نصبته الجماعة في قلب أوروبا مستغلةً أدوات الديمقراطية ومشاريع ساركوزي السابقة؛ إن هذا المقال يجسد الرؤية الثاقبة للدكتور عبد الرحيم الذي لم يكتفِ بالتحذير، بل قدم الحلول العملية عبر ضوابط فكرية وأمنية صارمة تضمن استئصال جذور الأيديولوجيا قبل الجمعيات، ليظل عطاؤه الفكري والوثائقي، بما في ذلك انفراده بنشر الوثائق السرية، هو المرجع الأوثق والبوصلة التي هدت مراكز القرار في فرنسا وأوروبا لاتخاذ قراراتها التاريخية الأخيرة.
نص المقال
تحدّثنا في المقال السابق عن مأساةِ أوروبا مع تنظيم الإخوان الدولي، ومحاولاته اختطافَ الإسلام والمسلمين رهائنَ في فرنسا، واليوم نكمل ونتحدث عن استراتيجية التنظيم، والتي حاول من خلالها اختراق المجتمع الفرنسي بأكثر من وسيلة، اقتصاديًا واجتماعيًا وفكريًا وتنظيميًا.. وقد استفاد التنظيم، للأسف، من كل خطوة خطتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة للاعتراف به، ممثلًا عن الإسلام والمسلمين في فرنسا..
حدث ذلك بعد مشروع ساركوزي عام 2003 الذي منح ممثلي الجماعة حق تمثيل مسلمي فرنسا أمام السلطات الفرنسية، عن طريق الاختيار الحر من خلال المساجد والاتحادات.. فراحوا يعقدون الصفقات مع دولٍ بعينها لتمويل إنشاء المساجد الكبرى، باعتبارها ممرَّ الوصول إلى قيادة وتمثيل المسلمين.
كما راحوا يشكّلون الجمعيات والاتحادات التي تتيح لهم، عبر ممثليها، السيطرة الكاملة على الاتحاد الوليد؛ الذي أصبح هو الممثل الشرعي والوحيد للمسلمين في فرنسا.
لقد أعطى الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي تنظيم الإخوان الأداة الشرعية لاختطاف الإسلام والمسلمين في فرنسا في وضح النهار، فأعادوا تشكيل أطرهم التنظيمية ليصبحوا دولةً داخل الدولة، تستطيع استخدام تمثيلها للمسلمين في أغراض التنظيم الانفصالية.
لهذا كله كان الحلُّ الوحيد للتعامل مع تلك الأزمة — من وجهة نظرنا، وهو ما طرحناه في أكثر من مؤتمرٍ وجلسةِ نقاشٍ عام في فرنسا، سواء داخل الجمعية الوطنية، أو مجلس الشيوخ، أو حتى البرلمان الأوروبي في ستراسبورج — أن تبدأ المواجهة لهذا التنظيم الإخواني، وفرعه في فرنسا “اتحاد مسلمي فرنسا”، عبر تفكيك بنيته، وتجفيف منابع تمويله، وحظر جمعياته.
ولا يتم كل ذلك إلا بعد تجريمه ونزع الشرعية عنه، عبر تصنيفه ككيان إرهابي.
دون ذلك يصبح الفرنسيون كمن يدورون في الفراغ، ثم يعودون إلى المربع رقم واحد في كل مرة للبدء من جديد.. وهو ما وقعت فيه كل تلك التجارب التي ذكرتها سابقًا.
ولكن كيف تتم عملية التفكيك؟!
أن تفكيك تنظيم الإخوان الذي اختطف الإسلام والمسلمين في فرنسا لا يكون فقط بحظر هياكله وجمعياته وتجفيف منابع تمويله، إنما أيضًا، عبر تفنيد الأفكار التي يستخدمها في تجنيد عناصره.
ولنجاح تلك الإستراتيجية يلزم لمنفذها الالتزام بأربعة ضوابط أساسية:
أولًا: عدم الخلط بين الإسلام كدين، وبين ذلك التنظيم الذي يختطفه، والتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة اختطافٍ منظَّم للدين الإسلامي، وليس أزمة بنيوية يعاني منها الدين الإسلامي أو المسلمون.
ثانيًا: أن هذه المعالجة تتفادى خطاب المظلومية والإسلاموفوبيا، الذي سرعان ما ستلجأ إليه كوادر وقيادات وأبواق تنظيم الإخوان إعلاميًا في مواجهة تلك الإجراءات.
ثالثًا: أن تتم عملية المواجهة على أرضية الوحدة المجتمعية لأنصار ومواطني وسياسي الجمهورية الفرنسية؛ فلا يجوز ولا يصح أن يتخلل عملية المواجهة تلك أي نوع من الاحتراب السياسي بين المتخاصمين سياسيًا من الأحزاب والتيارات السياسية الفرنسية المختلفة، من أقصى اليسار حيث السياسي الفرنسي جون ميلانشو الذي يتبنى مظلومية الإخوان، وحتى أقصى اليمين حيث مارين لوبان التي تشيطن أحيانًا المسلمين أنفسهم.. لأن القضية ببساطة تمثل قضية أمن قومي لفرنسا في المقام الأول، مثلها مثل قضية الإرهاب واستخدام العنف في مواجهة المواطنين السلميين.
رابعًا: الكفّ عن التعامل مع قضية بناء إسلام فرنسا كما تم التعامل مع النموذج اليهودي في عام 1806.. لأنهم بذلك كمن يستخدم “وحدة قياس المسافة لقياس الكثافة”..
بداية الخطر الإخواني:
تقف فرنسا اليوم في مفترق طرق بعد أن قررت الحكومة مواجهة تنظيم الإخوان بحسم، وأصدر البرلمان قراره الذي تأخر عشر سنوات على الأقل باعتبار التنظيم كيانًا إرهابيًا، مما يترتب عليه حظر أنشطته وجمعياته وتجفيف منابع تمويله ومطاردة قياداته وكوادره.
وقد جاء التنظيم الدولي إلى فرنسا منذ ثمانينيات القرن الماضي بهدف واحد أطلق عليه الإخوان آنذاك مسمى “التمكين في الغرب”.
هذا التمكين الذي يتم وفق رؤيتهم عبر ثلاث مراحل تعمل بالتوازي وليس بالتوالي.
أولًا: التمكين الاجتماعي:
عبر إنشاء المؤسسات الاجتماعية التي يتم من خلالها جمع وتنظيم المسلمين الفرنسيين والمهاجرين في وحدات إدارية منظمة؛ بدأت بسبع جمعيات في عام 1989 لتصل إلى 250 جمعية في منتصف 2005،
وصلت الآن عند إصدار القرار إلى أكثر من 500 جمعية ومؤسسة.
ثانيًا: التمكين الاقتصادي:
وذلك عبر التمويل المباشر والغير المباشر، حيث يتمثل الأخير في حقائب المال الدبلوماسي الذي استخدم في بناء المساجد والمدارس والمراكز الثقافية، وعدد من الأنشطة التربوية الأخرى.
والتمويل المباشر من خلال التبرعات والتحويلات البنكية، بالإضافة إلى عائدات الأنشطة الإسلامية كتجارة الحلال وأنشطة الحج والعمرة وجمع الزكاة والصدقات.
ثالثًا: التمكين الثقافي:
وذلك عبر إنشاء المراكز الثقافية والمدارس وإقرار ودعم التعليم الخاص والتعليم بالمنازل، مما سمح للإخوان بنشر منهجهم في التربية الفكرية والدينية في كل ربوع تلك الضواحي.
هذا التمكين بأشكاله الثلاثة يقودنا إلى التمكين السياسي الذي يبدأ عادة بالتأثير في الانتخابات المحلية والعامة، ويتطور ليصبح ورقة مهمة ينبغي على السياسيين أخذها بعين الاعتبار في معاركهم الانتخابية، حتى نصل إلى مرحلة يصبح الإخوان فيها ورقة حاسمة في أي انتخابات تشريعية أو رئاسية.
كما حدث في الانتخابات التشريعية الماضية في فرنسا والتي تفوق فيها قائد تحالف اليسار الفرنسي جون ميلانشو بأصوات الإسلاميين..
ووفق تلك الاستنتاجات فإن تفكيك هذا التنظيم بكافة تجلياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية يصبح واجب اللحظة خاصة بعد إعلانه ضمن الكيانات الإرهابية من قبل البرلمان الفرنسي.
بالطبع سوف يساهم القرار الجديد في جزء كبير من عملية التفكيك تلك، ولكنه لن يكون كافيًا بالطبع، حيث عُرف التنظيم الإخواني بالقدرة على التأقلم مع كافة الظروف، والمهارة في التغلب على مجمل المعوقات التي واجهته عبر تاريخه. فقد نجح الإخوان طوال ما يقرب من مائة عام في استخدام تناقضات خصومه ليحولها إلى صالحه ويبني من خلالها مؤسساته؛ والتجربة المصرية خير دليل على ذلك.
التفكيك عملية معقدة:
يجب أولًا إذا كانت فرنسا جادة في عملية تفكيك التنظيم بعد حظره أن تعطي الأولوية القصوى لتجفيف مصادر التمويل، ومراقبة وحظر المصادر، ومحاكمة المسؤولين عنها. هذه هي الأسلحة الأولية التي يجب استخدامها للبدء في الخطوة التالية الحاسمة، وهي تفكيك النظام الأيديولوجي الذي نجحت الجماعة في غرسه في المجتمع الفرنسي من خلال مدارسها ومساجدها وجمعياتها.
وهذا النوع من التفكيك الأيديولوجي سوف يتطلب سنوات من العمل من أجل الوصول إلى نتائج إيجابية وحاسمة. لأن فرنسا الآن تواجه عملية معقدة من البناء والتوغل والاختراق من قبل التنظيم الإخواني استمرت لسنوات وسنوات.
الأخطبوط:
في عام 2009، وبالتحديد عقب أن قامت أجهزة الأمن المصرية بضبط عدد من قادة الإخوان وكوادرهم وقدمتهم للمحاكمة في القضية التي اشتهرت إعلاميًا بقضية التنظيم الدولي. تمكنت أجهزة الأمن المصرية بهذه المناسبة من الاطلاع على استراتيجية الاختراق عبر القوى الناعمة للجماعة في مصر والعالم.
كنت على موعد مع الجنرال المسؤول عن قسم متابعة تنظيم الإخوان بجهاز مباحث أمن الدولة في مصر والذي أشرف على محاضر التحريات الخاصة بالقضية.. وفوجئت بالرجل يباغتني بالسؤال: هل تعتقد أن أعضاء مكتب إرشاد الجماعة الذين نعرف أسماءهم وقدراتهم جيدًا هم من يديرون تلك الجماعة الأخطبوطية على مستوى العالم؟.. قلت له: إن لم يكن هم، فمن يدير تلك الجماعة من وجهة نظرك؟.. رد الرجل قائلًا: ليست لدي معلومات محددة، ولكن من خلال معرفتي الوثيقة بقدرات هؤلاء الأفراد أستطيع أن أقول لك إنهم لا يستطيعون أن يديروا شركة متوسطة الحجم، فما بالك بتلك الجماعة المهولة المنتشرة تقريبًا في نصف الكرة الأرضية.
سؤال الرجل وإجابته لم يفاجئاني كثيرًا لأنني كنت دائمًا على يقين أنَّنا في مصر ننظر إلى أحد وجوه جماعة الإخوان، وهو التنظيم الهرمي الذي يتشكل من المرشد العام ومكتب الإرشاد ومجلس الشورى، وأن هذا هذا الوجه من التنظيم يمثل، إذا جاز التعبير، “العلامة التجارية” التي يقابلها في المجال السياسي نظام الملكية الدستورية؛ حيث تتملك الأسرة وفق هذا النظام هناك، في حين أن الحكم الفعلي بيد قوى سياسية موازية تمتلك الغالبية بشكل أو بآخر، وتتناوب على الحكم وفقًا للدستور.
هذا التحول كنت قد رصدته وتناولته بالتحليل في عدة دراسات لي أهمها “الملفات السرية للإخوان”، “وأزمة تيار التجديد”، “ودولة الإخوان”، وغيرها من الدراسات.
ومن وجهة نظري؛ بدأ التفكير في هذا التحول من النظام الهرمي إلى نظام الشبكة منذ فترة بعيدة عندما تم ضرب الجماعة للمرة الأولى في عام ١٩٤٨ على أيدي حكومة إبراهيم باشا عبد الهادي زعيم حزب الأحرار الدستوريين في مصر، انتقامًا منهم على اغتيالهم لرئيس الوزراء آنذاك محمود فهمي النقراشي بعد إقدام الأخير على اتخاذ قرار بحل الجماعة ردًا على عملياتها الإرهابية داخل مصر..
لقد كانت تلك الأحداث التي انتهت بمقتل مؤسس الجماعة ومرشدها العام حسن البنا هي بداية التفكير الحقيقي لانتقال الجماعة من مفهوم التنظيم الهرمي ذو الرأس الواحد والواضح، مع الحفاظ عليه داخل عدد من الأقطار ومنها بلد المنشأ مصر، إلى مفهوم الشبكة التي تشبه الأخطبوط ذو الأذرع المتعددة..
ثم جاءت ضربة عبد الناصر القاصمة للجماعة في عام ١٩٥٤ لتسرع من اتخاذ هذا الخيار والبدء في تفيذه.. وقد عثرنا على خطاب قديم يحمل بريد أم درمان بالسودان يحتوي على أسماء القيادة المؤقتة للجماعة في سنوات المحنة، وجميعهم من غير المعروفين للنظام أو أجهزة الأمن في مصر آنذاك، بل إن من بينهم من كان النظام يعتبره واحدًا من أعوانه.. الأغرب أنهم جميعًا كانوا يعيشون خارج مصر.. (مرفق صورة للوثيقة).
وغدًا نواصل..
