قرارُ فرنسا ضدَّ الإخوان.. بدايةُ مرحلةٍ أوروبيةٍ جديدةٍ لتفكيكِ التنظيم (1)
الأحد 25/يناير/2026 - 04:05 ص
طباعة
حسام الحداد
يُعد هذا المقال للكاتب والمفكر الدكتور عبد الرحيم علي وثيقةً فكريةً واستشرافيةً بالغة الأهمية، تعكس الدور الريادي والمحوري الذي لعبه بذكاءٍ وشجاعة في تنبيه صانع القرار الأوروبي، والفرنسي على وجه الخصوص، لمخاطر التغلغل الإخواني، حيث يبرز المقال بوضوح كيف استطاع الدكتور عبد الرحيم عبر "مركز دراسات الشرق الأوسط بباريس" أن يخوض معركةً تنويريةً غير متكافئة بالأدوات لكنها منتصرة بالحقائق،كنا جميعا شهود عليها وعلى ثمنها الذي دفعه ويدفعه عبد الرحيم علي حتى الآن ورغم ذلك استطاع تحويل قناعات الساسة في الغرب من التسطيح إلى العمق، ومن خلال سرديته المترابطة نلمس إخلاصه في كشف زيف شعارات التنظيم وتفكيك استراتيجيات "الانفصالية"، مما جعل من جهوده حجر الزاوية في التحول التاريخي الذي نشهده اليوم بتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، ليثبت للجميع أنه كان وما زال "حائط الصد" الأول والمدافع الصلب عن قيم الدولة الوطنية والجمهورية في وجه مشاريع الاستيطان الفكري.
نص المقال
لم أستطعِ الاستمرارَ في نشر سلسلةِ مقالاتِ “الإخوان وأمريكا” دون أن أعرِّجَ قليلًا على قرارِ البرلمانِ الفرنسي، بالأمس، إعلانَ تنظيمِ الإخوان تنظيمًا إرهابيًّا، بعد سنواتٍ من الدراسةِ والنقاشِ العام داخلَ البرلمان وخارجِه، وبين أروقةِ الأحزابِ السياسية، وعلى صفحاتِ الصحفِ الكبرى، وشاشاتِ التلفزةِ الفرنسيةِ المهمة.
تقدَّمت كتلةُ اليمينِ الجمهوري بالمقترح، داعيةً إلى الاعترافِ القانوني من قبل الاتحادِ الأوروبي بالطابعِ السياسي للفكرِ الانفصالي الذي تتبنّاه الجماعة، وتصنيفِه ضمنَ خانةِ الإرهاب.
وبعد دراسةِ المشروع من قِبل لجنتَي الشؤونِ الأوروبية والشؤونِ الخارجية في البرلمانِ الفرنسي، صادقَ البرلمانُ، بالأمس، على مشروعِ القرار خلالَ جلسةٍ عامة.
ومن المقرَّر أن يُحالَ القانونُ، في خطوته التالية، إلى مؤسساتِ الاتحادِ الأوروبي لمناقشةِ المشروع والنظرِ في اعتمادِه، وفي حال إقراره سيُطبَّق في جميعِ دولِ الاتحاد، الأمرُ الذي يضع مشروعَ الإخوان لغزوِ واستيطانِ المجتمعاتِ الأوروبية في مهبِّ الرياح.
ولم يكن ما حدث بالأمس مقطوعًا من سياقه؛ ففي مايو 2025، قرَّرت وزارتا الداخلية والخارجية تشكيلَ لجنةِ تحقيقٍ في نفوذِ الإخوانِ المسلمين في فرنسا، والدعمِ الخارجي الذي يتلقّونه من دولٍ أو منظماتٍ دولية لتعميقِ فكرةِ الانفصالية.
وأُسند هذا التحقيق إلى الدبلوماسي الفرنسي المخضرم فرانسوا جوييت، الذي عمل سابقًا سفيرًا لفرنسا في كلٍّ من الإماراتِ العربية المتحدة، وليبيا، وتونس، والمملكةِ العربية السعودية، والجزائر، وأيضًا إلى المسؤولِ الكبير في وزارةِ الداخلية باسكال كورتاد، وذلك إبّان قيادةِ وزارةِ الداخلية من قبل برونو روتايو، رئيس حزب الجمهوريين الحالي، وأحد مكوِّنات كتلة اليمين التي قدَّمت مقترحَ القانون الذي تمت الموافقةُ عليه بالأمس.
وقبلها كان قد صدر قانونُ احترام وتعزيز القيم الجمهورية في 24 أغسطس 2021، لإعادةِ تسليحِ فرنسا ضدَّ الأفكارِ الانفصالية التي كانت تدعو لها، وتتَبَنّاها في الواقعِ العملي، جماعةُ الإخوان المسلمين في فرنسا.
والانفصالية، كما وصفها القانونُ السابق الإشارة إليه، هي مشروعٌ سياسيٌّ إخوانيٌّ نظريٌّ، يتميّز بالانحرافاتِ المتكررة عن مبادئ الجمهورية، بهدف بناءِ مجتمعٍ مضاد.
وأشار التقريرُ الذي صدر في مايو 2025 إلى أن حركةَ الإخوان المسلمين تلعب دورًا كبيرًا في نشرِ مثلِ هذه المنظومة الفكرية التي تدعو للانفصالية، وعدمِ ترسيخِ وتدعيمِ قيم الجمهورية.
وعندما صدر التقريرُ في مايو 2025 أثار ضجةً كبرى في فرنسا، وكنا قد انفردنا بترجمتِه إلى اللغة العربية ونشرِه في “البوابة نيوز”. وكان من الطبيعي أن يلي ذلك التقرير فتحُ نقاشٍ عام حول ما العمل، بعدما ثبت أن التنظيمَ الإخواني يسعى إلى تعميقِ قيم الانفصالية في المجتمعِ الفرنسي، ويتلقى تمويلاتٍ خارجية بهدف زعزعةِ الروحِ الأوروبية للجمهورية الفرنسية.. حتى وصلنا إلى هنا.
البدايات:
عندما وطئت قدمي أرضَ فرنسا في مارس من عام 2017، ساعيًا إلى إنشاءِ مركز دراسات الشرق الأوسط بباريس، كمركزٍ متخصصٍ في دراساتِ ومعلومات الإسلام السياسي، كان تنظيمُ جماعة الإخوان المسلمين في أوجِ حضوره، وكان صوتُه هو الأقوى، وتمويلُ بعض الدول العربية له على قدمٍ وساق.
كانت المعركةُ أشبهَ برجلٍ يحمل سيفَ أجداده ضدَّ أناسٍ يتسلحون بأحدثِ الأسلحةِ النووية!
لم يكن هناك أيُّ تكافؤٍ من أيِّ نوع: عشراتُ المراكزِ الإسلامية، والمدارس، وملياراتُ اليوروهات في حوزةِ التنظيم، وقليلٌ من التمويل بحوزةِ المركز.. لكننا كنا نمتلك الإرادةَ والحق.
أكثرُ من مائةِ مؤتمرٍ في كافةِ أنحاءِ أوروبا (36 مؤتمرًا منها فقط في فرنسا). لم نترك جهةً برلمانيةً أو سياسيةً إلا ودخلنا معها في نقاشٍ عام حول التنظيم وأفكاره، وسبل تمويله، وخطره على القيمِ الغربية، وعلى قيم الجمهورية الفرنسية.
كان الساسةُ والنوابُ والوزراء لا يعرفون عن الإخوان سوى أنهم تنظيمٌ ديمقراطيٌّ مضطهَدٌ في الدول العربية، وتمت إزاحتُه عن السلطة بالقوة المسلحة في مصر في يونيو 2013.
أذكرُ أنه في أول زيارةٍ لي لمكتب برونو روتايو، زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ آنذاك، وقائد حملة المرشح الجمهوري للرئاسة فرانسوا فيون، ووزير الداخلية الفرنسي فيما بعد، الذي قاد هذا التوجه، وزعيم حزب الجمهوريين الذي انتصر لقرار وضع الإخوان على قوائم الإرهاب بالأمس في البرلمان الفرنسي.. قال لي الرجل، بعد نقاشٍ دام ساعتين كاملتين: لماذا لم نسمع هذا الحديث عن سعي الإخوان لتقويض أسس المجتمعات الغربية من قبل؟
وأخذ مني بعض الأوراق التي تحمل فتاواهم، فيما يتعلق بقضايا المرأة والفن والديمقراطية، وغير المسلمين، والغرب.. كنت قد ترجمتُها إلى اللغة الفرنسية، وعنوتُها بعنوان: مخاطر الأفكار الإخوانية على قيم الجمهورية الفرنسية.
وجرت في النهر مياهٌ كثيرة منذ ذلك الوقت؛ واجهتُ فيها علنًا قادةَ التنظيم في جنيف وباريس وميونخ وستراسبورج وامستردام وروما.. لم أترك مكانًا لم أذهب إليه، محذّرًا من خطورة ما يخططون إليه في أوروبا.
وعندما طُلب مني الكتابةُ في موقع كوزور الفرنسي، وبعدها في موقع أتلانتيكو، كان المقالُ الأول بعنوان:
الإسلامُ الفرنسي المختطف من تنظيم الإخوان..
شرحتُ فيه كيف حاول الفرنسيون عبر عقودٍ عديدة مضت تنظيمَ ما يسمى “الإسلام الفرنسي” على غرار تنظيم الديانة اليهودية عام 1804.
بدأت تلك المحاولات عام 1999 عبر إنشاء فيدرالية تمثل المسلمين في فرنسا، باقتراحٍ لم يرَ النور من وزيرِ داخلية فرنسا آنذاك جان بيير شوفينمان، مرورًا بمشروعِ ساركوزي عام 2003، الذي أنشئ بمقتضاه المجلسُ الفرنسي للديانة الإسلامية، وانتهاءً بخطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في عام 2020، الذي أعلن فيه أن الدينَ الإسلامي يمر بأزمةٍ عالمية، مطالبًا بإعادة تنظيم العلاقة بينه وبين الدولة، منعًا لما أسماه بالانفصالية.
الأمرُ الذي أثار حفيظةَ عددٍ كبيرٍ من قادةِ ومفكري العالم الإسلامي، وأيضًا مسلمي فرنسا.
وتخللت تلك السنوات عشراتُ المحاولات التي بدأت بتحليلِ الظاهرة ووضعِ الحلول المفترضة لها من وجهات نظرٍ مختلفة، كلٌّ حسب موقفه الفكري من الظاهرة.
ولكن للأسف باءت جميعُ تلك المشروعات بالفشل، لأنها لم تلتفت إلى لبِّ المشكلة التي يعاني منها الدينُ الإسلامي والمسلمون في فرنسا، باعتبارهم مخطوفين “حرفيًّا” من قبل التنظيم الدولي للإخوان، الذي أسلم زمامَ حركته مؤخرًا لتديرها خططٌ واستراتيجياتٌ وطموحاتُ دولٍ من خارجِ الاتحاد الأوروبي.
مأساةُ أوروبا:
إن مأساةَ أوروبا الحقيقية مع الإسلاموية بدأت مع زحفِ الجيلِ الثالث من جحافل الإخوان على القارة الأوروبية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي؛ فإلى ذلك الحين لم يكن الإسلامُ أو المسلمون يمثلون عبئًا أو مشكلةً داخل المجتمع أو الدولة الفرنسية.
لقد توافد المسلمون العاديون على أوروبا منذ أكثر من قرن من الزمان تجارًا وعلماء ودارسين، يستفيدون ويتبادلون الخبرات، وينقلونها إلى بلدانهم، أو يندمجون مع تلك المجتمعات الجديدة.
بينما بدأت الأزمةُ الحقيقية تطفو على السطح رويدًا رويدًا مع وصول جماعةٍ سياسيةٍ إسلامية تدعى الإخوان المسلمين، تؤمن بأن المسلم يجب أن يسعى لتكوين دولة الإسلام في أي بقعة من الأرض يقف أو يعيش عليها، وعليه أن يعمل في إطارٍ من السرية والتقية وهو في طريقه لتحقيق هذه المهمة.
جماعةٌ اعتبرت أن تلك البلدان الأوروبية غنيمة، يجب أن يحولوا أهلها إلى الإسلام، وتدريجيًّا يستولوا عليها ويحكمونها وفقًا للشريعة الإسلامية، عوضًا عن ردِّ الجميل لتلك المجتمعات التي آوتهم من خوف، وأطعمتهم من جوع.
بعد موجات الهروب الكبيرة من الدول التي تم اضطهادهم فيها، سعوا إلى اختراق تلك المجتمعات والغدر بها، معتقدين أن ذلك هو صحيحُ الدين، ومستندين إلى المبادئ التي علمهم إياها مؤسس الجماعة حسن البنا؛ حيث الإخواني، في تعاليم المؤسس، مأمور بتنفيذ المراحل الست للدعوة في أي بلدٍ يتواجد فيه، تلك المراحل التي تبدأ بالإنسان الاخواني وتنتهي بالخلافة الاسلامية وأستاذية العالم.
لقد غرس مؤسسو الإخوان الأوائل — البنا، والهضيبي، وسيد قطب، وفتحي يكن — عبر برامج تربوية مكثفة تلك الأفكار في عقل كل متعاطف وكل مريد للجماعة، ناهيك عن العضو العامل أو الكادر الحركي، حتى باتت تلك الأفكار “قرآنًا جديدًا” بديلًا عن كتاب الله الذي يؤمن به المسلمون العاديون.
لقد تعلم الإخوان في مدارسهم الفكرية أن هذه المراحل الست تأتي عبر أكثر من طريقة؛ تبدأ بالدعوة، ثم التجنيد لتشكيل نظام الأسر الإخوانية، ثم تأتي خطة إعادة تشكيل المجتمع عبر إسقاط أعمدته المدنية أو العلمانية، سواء كانت جمعياتٍ أو نقاباتٍ أو اتحاداتٍ مهنية أو طلابية.. ليتشرب بمفاهيم الدولة الدينية التي تعتمد المظاهر العقائدية في كل تشكيلاتها.
ليس هذا وفقط، وإنما تعتمد أيضًا إخوة العقيدة بديلا عن إخوة الوطن، فيصبح التمييز قائمًا على أساس الديانة، ثم المذهب داخل الديانة، ثم الانحياز لمنهج الإخوان دون غيرهم من الجماعات التي تنطلق من الإسلام في فهم ظواهر الحياة والسياسة.
ولعلنا لمسنا هذا التوجه ونحن نناقش بالأمس قضية السرية والعلانية في المجال الدعوي في سلسلة مقالات “أمريكا والإخوان”، تلك التي أثارها مهدي عاكف في تقريره عقب زيارته فرع الإخوان في أمريكا عام 1991، وانتصر وقتها إلى فكرة السرية باعتبارها دعوة استحواذ وانقلاب من أجل تأسيس نظام سياسي وعقائدي مختلف.
وماذا إذن عن مفهوم الديمقراطية ومناخ حرية الرأي والتعبير الذي تتيحه تلك الدول في الغرب؟
لقد نظر الإخوان لهذا المبدأ باعتباره طريقة للاختيار، وليس منهج حياة قائمًا على ركائز أساسية، منها حرية الرأي والتعبير، وحرية العقيدة.. ليتحول وفق مفهومهم إلى جسر للوصول إلى السلطة، لا يسمح سوى بالمرور لمرة واحدة إلى الضفة الأخرى، ثم يتم تدميره، وتحول في الغرب الى وسيلة للاختراق والتوغل في مفاصل تلك المجتمعات لتدميرها من الداخل ..
