قرارُ فرنسا ضدَّ الإخوان.. بدايةُ مرحلةٍ أوروبيةٍ جديدةٍ لتفكيكِ التنظيم (3)

الأحد 25/يناير/2026 - 05:30 م
طباعة قرارُ فرنسا ضدَّ حسام الحداد
 
يستكمل الدكتور عبد الرحيم علي في هذا التقرير تفاصيل التغلغل العميق لجماعة الإخوان المسلمين داخل مفاصل الدولة الفرنسية، محذراً من تهديدها المباشر للقيم الجمهورية والتماسك الوطني. وتكشف الأرقام الواردة في التقرير عن سيطرة التنظيم على مئات المساجد والجمعيات الأهلية، بالإضافة إلى مؤسسات تعليمية تستهدف صياغة عقول آلاف الطلاب وفق أيديولوجية متطرفة. تتبنى السلطات الفرنسية استراتيجية لمواجهة هذا المد عبر تجفيف المنابع المالية وتشديد الرقابة على الأصول، وذلك ضمن خطة شاملة بدأت منذ عام 2017 لمكافحة الانفصالية الإسلاموية. كما يؤصل عبد الرحيم علي لجذور هذا الاختراق الذي بدأ منذ الخمسينيات، موضحاً كيف استخدمت الجماعة تكتيكات التمويه والخداع لفرض أجندتها داخل المجتمع الفرنسي. ويخلص إلى ضرورة رفع الوعي العام وتصدي المسؤولين لهذا الأخطبوط الذي يسعى للسيطرة على المؤسسات المحلية والقطاعات الحيوية من القاعدة إلى القمة.
ما يؤكد أن عبد الرحيم علي، كان سبّاقاً بامتياز في قرع أبواب الخطر عبر مؤلفاته وكشفه المبكر لزيف "خطاب التقية" الإخواني، حيث أثبتت الأحداث الراهنة والتقارير الرسمية الفرنسية دقة رؤيته الاستشرافية وصلابة مشروعه الفكري في تعرية تكتيكات الإسلام السياسي العابرة للحدود.

نص المقال:
كيف اخترقَ الإخوانُ فرنسا؟
في تقريرٍ صادمٍ من 76 صفحة، ظهر في مايو 2025، أُعدَّ بواسطةِ اثنين من كبارِ المسؤولين الفرنسيين، وبتكليفٍ من وزير الداخلية الفرنسي، آنذاك، برونو روتايو، الرئيس الحالي لحزب الجمهوريين الديغولي، جاءت المعلوماتُ والأرقامُ حول اختراق التنظيم الإخواني لفرنسا صادمةً.
فحسب الأرقام الواردة في التقرير، صُنِّف 139 مسجدًا باعتباره مرتبطًا بتنظيم الإخوان، و86 آخرون يُعتبرون وثيقي الصلة بالجماعة، في أكثر من 55 دائرة.
واعتبر أن متوسط الحضور في تلك المساجد التابعة للتنظيم يصل إلى 91 ألف مصلٍّ كل يوم جمعة.
كما نص على أن المعلومات التي تم جمعها تفيد بأن 280 جمعية مرتبطة بالتنظيم، تعمل في العديد من القطاعات: (الدينية والخيرية والتعليمية والمهنية والشبابية والمالية).
واستهدف التقرير المدارس الخاصة بالتنظيم أيضًا، حيث حدد ارتباط 21 مؤسسة بجماعة الإخوان؛ تستقبل 4200 طالب هذا العام، في إشارة إلى عام 2025- 2026.
وعدَّ التقرير الذي قدمه قصر الإليزيه بعنوان “الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا”، والذي نوقش في اجتماع مجلس الدفاع والأمن الوطني الأربعاء 21 مايو 2025، باعتباره الجزء الثالث من الحرب على الفكر الإسلامي المتطرف، تلك الحرب التي أطلقها رئيس الجمهورية ماكرون منذ انتخابه الأول في عام 2017.
بعد إقرار قانون تعزيز الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب في عام 2017، واعتماد قانون تعزيز واحترام القيم الجمهورية الذي تم تقديمه في عام 2021 (المعروف باسم “قانون مكافحة الانفصالية”).
وقد جاء في صدر التقرير ديباجة تؤكد على أنه قد حان الوقت لمحاربة “التغلغل الإسلامي” بقيادة جماعة الإخوان المسلمين. هذه الحركة، التي وُلدت في مصر عام 1928، واعتمدت تكتيكات “التمويه”، بهدف “الاستيلاء على مؤسسات السلطة” في الجمهورية الفرنسية “من الأسفل” ــ “الجمعيات والبلديات” ــ لفرض قواعد الحياة التي تقررها الشريعة الإسلامية على فرنسا من الداخل بشكل أفضل.
وأوضح الإليزيه أن هذا التقرير “يهدف إلى رفع مستوى الوعي بهذا التهديد لدى عامة الناس والمسؤولين المنتخبين محليًا مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية لعام 2026 وتحديد التهديد وتوثيقه بشكل أفضل من أجل منعه بشكل كامل”.
ومن الناحية العملية، لم يستطع وزير الداخلية برونو روتايو، حظر جماعة الإخوان المسلمين، “ولكنه اعتزم، وفق هذا التقرير، توجيه ضربة لهم في محفظتهم المالية”، عبر تجميد الأصول وتعزيز الرقابة على أموال الأوقاف التي تغذي الحركة، ومنع الجمعيات المستهدفة من نقل ممتلكاتها وأصولها إلى الخارج قبل حلها، مثلما فعلت جمعية “Baraka City” التي نقلت أموالها إلى هيكل بريطاني، قبل صدور التقرير.
وعلى الصعيد المالي، حدد التقرير حوالي خمسة عشر صندوقًا مشبوهاً لدعم تمويل المبادرات الانفصالية”، يستخدم البعض هذه الأموال لتمويل حركة التنظيم في فرنسا.
ونص التقرير الرسمي أن جماعة الإخوان المسلمين تشكل “تهديدًا للتماسك الوطني”. ويتحدث مؤلفا التقرير، وهما سفير سابق ومحافظ، عن “تدخل” من الأسفل من جانب جماعة الإخوان المسلمين، وخاصة في ثلاثة قطاعات: التعليم الوطني، والتعليم العالي، والرياضة. الأمر الذي دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مطالبك الحكومة تقديم “مقترحات جديدة” في ضوء “خطورة الوقائع”، لتعزيز المعركة ضد التسلل المفترض للإخوان الإسلاميين إلى المجتمع الفرنسي.
البدايات :
ويعود التقرير لبدايات اختراق التنظيم لأوربا، حيث يقرر أنه:
تم اختراق تنظيم الإخوان المسلمين لأوروبا بفضل حركات الهجرة منذ خمسينيات القرن الماضي، عقب الصدام مع حكومات بلدان الشرق الأوسط. وقد شكل هذا التأسيس الأولي قاعدة لتطوير هجرة جيل جديد من المتشددين الإسلاميين الذين دخلوا الجامعات الأوروبية.
وهكذا استقرت النواة الأولى من الإخوان المسلمين من الشرق الأوسط في بريطانيا وألمانيا وسويسرا، ابتداءً من خمسينيات القرن العشرين، ثم انتقلت إلى بلجيكا وفرنسا وإيطاليا. وكان الزعماء، الذين ينتمون في الغالب إلى الطبقة المتوسطة المتعلمة والحضرية، يتركزون في مدن استراتيجية معينة مثل إيكس لا شابيل أو لندن، حيث شكلوا “برجوازية متدينة”.
اختراق فرنسا:
وفي فرنسا، نشأ وعي ديني في الخمسينيات بين العمال المسلمين المهاجرين، ولا سيما حول شخصية الباحث الهندي واللاجئ السياسي محمد حميد الله، الذي كان يلقي الخطب في مسجد الدعوة الواقع في شارع طنجة بباريس. وتحت قيادته تأسست جمعية الطلاب الإسلاميين في فرنسا (AEIF) في عام 1963.
وفي الوقت نفسه، هاجر سعيد رمضان، صهر حسن اللبنا مؤسس الجماعة، واستقر في سويسرا، حيث أسس في عام 1961 المركز الإسلامي في جنيف، بدعم من المملكة العربية السعودية، والذي أصبح سريعاً أقرب إلى الاتحاد الإسلامي الفرنسي الناشئ في فرنسا، وتطورت بينهما الروابط سريعًا.
استمر تشكيل الحركة في فرنسا خلال العقد التالي، بمساهمة تيارين سوريين ومصريين، حيث نجح طالبان وصلا في بداية ثمانينيات القرن العشرين، وهما من علماء العلوم الدينية، في توحيدهما: اللبناني فيصل المولوي والتونسي أحمد جاب الله، اللذان تم تحديدهما كمبعوثين مباشرين لتنظيم الإخوان المسلمين، ويعتبران من أهم اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا الذي تأسس عام 1983.
وانطلاقاً من أيديولوجية سياسية تم تغريبها ليتم زرعها في أوروبا، فإن منظومة الإسلام السياسي التي تطرحها جماعة الإخوان المسلمين تجمع بين تكيف التقاليد الشرق أوسطية مع التقاليد المعمول بها في البلدان المقصودة بعملية الاختراق، مع إخفاء تكتيكي للأفكار الرئيسية والرؤية الأساسية من منطق التقية.
ويبدو أن التسامح الديني الذي مارسته جماعة الإخوان المسلمين من هذا المنطلق كان يخدم أهدافاً سياسية، ويخفي بشكل سيء عجزها الحقيقي عن تصور الآخر في مجتمع علماني.
ففي فرنسا على سبيل المثال، يبدو الحوار الإسلامي المسيحي، عندما يشمل ممثلين عن الإخوان المسلمين، مليئًا بالتظاهر.
وكان ذلك في الواقع خيارًا تكتيكيًا لاتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية في سعيه إلى اكتساب الشرعية لدى السلطات العامة. وكان الاختبار الحقيقي في تسعينيات القرن العشرين، كما بينته في الأدبيات الأكاديمية، في جمعية المسلمين في جيروند.
حيث الاستعلاء بالإيمان واضح في تلك الأدبيات، واحتقار الآخر المختلف دينيا، وهو ما يتم تدريسه في النهاية في مدارس الإخوان المعتمدة من الحكومة الفرنسية.
فتاوى الإخوان:
لذلك كانت مفاجأة المجتمع الفرنسي، خاصة من المثقفين والسياسيين والبرلمانيين، كبيرة، عندما أصدرت كتابي “الأفكار الشيطانية”، والذي تضمن عددًا من الفتاوى التي ضمتها مجلة الدعوة الناطق الرسمي للجماعة في حقبتي السبعينات والثمانينات، خاصة ما يتعلق بالآخر المختلف دينيا؛ حيث لا حق له في بناء دور عبادته في بلاد الإسلام، ولا حق له أن يدفن في مدافن المسلمين، الأمر الذي أثار دهشة الجميع هنا، خاصة وأن ممثلي التنظيم كانوا دائمي التمثيل أمام الكاميرات، فيما يتعلق باللقاءات التي تجمعهم بقادة المؤسسات الكنسية أو اليهودية..
غدًا نمضي في التقرير الذي وصف كيف اخترق تنظيم الإخوان كالأخطبوط ذو الأذرع المتعددة؛ مؤسسات فرنسا الاجتماعية والسياسية والمالية..
باريس: الخامسة مساء بتوقيت القاهرة.

شارك