قرارُ فرنسا ضدَّ الإخوان.. بدايةُ مرحلةٍ أوروبيةٍ جديدةٍ لتفكيكِ التنظيم (4)

الإثنين 26/يناير/2026 - 05:31 م
طباعة قرارُ فرنسا ضدَّ حسام الحداد
 
تتناول هذه المقالة خطة جماعة الإخوان المسلمين لاختراق قطاع التعليم في فرنسا، معتبرة أن المؤسسات التربوية هي المصنع الحقيقي لإعادة صياغة العقول وضمان استمرارية التنظيم. ويكشف الدكتور عبد الرحيم علي عن استراتيجية الجماعة في تحويل هوية النشء من "مواطنين فرنسيين" إلى أفراد يدينون بالولاء للجماعة، مما يؤسس لمجتمع موازٍ ينفصل تدريجيًا عن قيم الجمهورية. وتتوزع مسارات هذا التأثير بين المدارس الخاصة، والكتاتيب الدينية، ومنصات التعليم الرقمي، بالإضافة إلى استغلال ثغرات الحضانة والنشاط الطلابي الجامعي. وتبرز الوثائق نماذج لمؤسسات تعليمية واجهت عقوبات بسبب تلقي تمويلات مشبوهة وتدريس مناهج تتعارض مع العلمانية والمساواة بين الجنسين. وبناءً على ذلك، تطالب التقارير الفرنسية بتبني تشريعات حازمة لمواجهة هذا التغلغل الذي يوصف بأنه أخطر من العنف المباشر كونه يعيد تشكيل الهوية الوطنية بصمت.
ويعد هذا التحليل العميق للدكتور عبد الرحيم علي كشفاً جراحياً دقيقاً لآليات "الاختراق الصامت" التي تنتهجها جماعة الإخوان في بنية التعليم الفرنسي، حيث ينجح الدكتور عبد الرحيم -كعادته في قراءة ما وراء النصوص والتقارير السرية- في تسليط الضوء على خطورة تحويل العملية التعليمية من فضاء للمعرفة إلى "مصنع للأيديولوجيا" وصناعة مواطن بديل بوعيٍ مشوه، وهو ما يثبت مجدداً استشرافه المبكر للمخاطر التي تهدد قيم الدولة الوطنية ومدنيتها، ويؤكد أن معركة الوعي التي يقودها هي السلاح الأقوى في مواجهة مشاريع الانفصال الهوياتي والتطرف.

نص المقال

نص المقال
صناعة المواطن البديل .. هدف اختراق الإخوان للتعليم في فرنسا؟
إذا كان المسجد هو “المساحة الرمزية” الأولى في مشروع الإسلام السياسي، فإن التعليم هو المصنع الحقيقي الذي يُعيد تشكيل العقول، ويضمن استمرارية التنظيم جيلاً بعد جيل.
وبين يدي تقريرٌ سريٌّ ضخم اطلعت عليه اللجنة التي وضعت تقرير مايو 2025، والذي وصف الإخوان كتجارة المخدرات، وطالب بسنّ قوانين حادّة لمواجهة اختراقها للمجتمع الفرنسي، ومحاولات تدميرها لقيم الجمهورية الفرنسية.
ويضع التقرير ملف التعليم في قلب مشروع الاختراق، ويعتبره ساحة الحسم بين الجمهورية الفرنسية وشبكات الإخوان.
فالإخوان لا يتعاملون مع التعليم باعتباره معرفة فقط، بل باعتباره بوابة لإعادة تعريف الهوية والانتماء:
من “مواطن فرنسي مسلم” إلى “مسلم يعيش داخل فرنسا، لكن ولاءه الثقافي والسياسي خارجها”.
1) لماذا التعليم أولوية عند الإخوان؟
التقرير يوضح أن الإخوان ينظرون إلى التربية باعتبارها:
 • طريقًا لإعادة أسلمة الأجيال الجديدة.
 • وسيلة لصناعة جماعة متماسكة داخل المجتمع.
 • أداة لتطبيع مفهوم “الانفصال الناعم”.
 • مرحلة تمهيدية لصعود اجتماعي/سياسي لاحق.
والخطر هنا أن العملية لا تتم عبر خطاب صدامي مباشر، بل عبر تراكم طويل:
لغة… رموز… سرديات المظلومية… أدبيات التطرف… ثم تدرّج في نقل الولاء من الوطن إلى الجماعة.
2) خريطة الاختراق: من المدرسة إلى الجامعة
التقرير يرسم خريطة متكاملة لمسارات خطة اختراق التعليم، التي تتحرك فيها شبكات الإخوان وحلفاؤهم من المدرسة إلى الجامعة:
أولًا: المدارس الخاصة المسلمة:
يشير التقرير إلى أن عدد المدارس الخاصة المسلمة المتعاقدة مع الدولة في تزايد مستمر نتيجة الطلب المكثف عليها، وأن التعليم الخاص أصبح من أهم قنوات نشر الفكر الديني المتطرف عند الأطفال.
ومع أن المدارس المتعاقدة تخضع لإطار ورقابة رسمية، إلا أن التقرير يلفت الانتباه إلى نقطتين شديدتي الخطورة:
 1. المدارس غير المتعاقدة تمتلك حرية واسعة في وضع المناهج والكتب.
 2. بعضُها أُغلق بالفعل لتعارضه مع قيم الجمهورية.
ويقدم التقرير مثالين:
1- مدرسة ابن رشد الثانوية:
وهي مؤسسة قديمة في مجال التعليم الإسلامي في فرنسا، افتتحها الإخوان في عام 2003، وتم وضعها بموجب عقد شراكة مع الدولة في عام 2008، وتستقبل المؤسسة اليوم 500 طالب في المرحلة المتوسطة، و400 طالب في المرحلة الثانوية.
وقد أكدت عمليات التدقيق، وفق التقرير، التي أجراها مكتب التدقيق الإقليمي، كشفَت عن الآتي:
(أ) تلقت المدرسة تمويل غير مشروع (في شكل قروض تليها إعفاءات من الديون مُنحت من قبل المساجد المجاورة، ومن قبل المركز الإسلامي في فيلنوف داسك، والذي تم تمويله من قبل عدد من دول الخليج في سياق التمويل المباشر الذي تلقته من الخارج حتى عام 2016، والذي كشفت عنه تحقيقات الصحفيين كريستيان شينو وجورج مالبرونو في كتابهما الشهير (أوراق قطر، 2019).
(ب) أوجه قصور خطيرة في الموارد التعليمية المتاحة للطلاب: نقص الحد الأدنى من المعدات في غرف الموسيقى؛ في مركز التوثيق، وغياب الأعمال المتعلقة بالمؤسسات الاجتماعية والثقافة والعلمانية والتربية الجنسية، ولكن على العكس من ذلك، وجود أعمال ذات محتوى يتعارض مع القيم الجمهورية، وخاصة أعمال الإمام إيكويوسين و”الأربعين حديثًا للإمام النووي” التي تدعو إلى منع المرأة من الاختلاط بالرجال، ومنع فحصها طبيًا من قبل رجل، وحظر تغيير العقيدة تحت طائلة عقوبة الإعدام، وتفوق الشريعة على جميع القوانين الوضعية.
2- ثانوية الكندي بليون:
إن المعلومات التي تم جمعها عن الوضع في ثانوية الكندي (ليون)، والتي تخضع أغلب فصولها لعقد شراكة مع الدولة، قد تدفع محافظة الرون إلى تحريك إجراءات مماثلة ضدها (وقد لوحظت أوجه القصور التعليمية من خلال تفتيش مركز التوثيق، الذي يفتقر إلى كتب الجغرافيا والتربية الجنسية، ولكنه يعرض منشورات لطارق رمضان، والعديد من الأعمال السلفية التي تدعو إلى إخضاع المرأة، والتي تتضمن سيرة مؤسس الإخوان حسن البنا ويوسف القرضاوي وسيد قطب. ولهذا صدرت لها ثلاثة قرارات بإنهاء عقود جمعيات المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية بتاريخ 10 يناير 2025، وأُبلغت إلى مدير الجمعية التي تدير مجموعة المدارس.
ثانيًا: الكتاتيب (التعليم الديني الموازي)
يُقدّم التقرير الكتاتيب باعتبارها “الممر الأكثر فعالية” لخلق فجوة مبكرة بين الطفل ومبادئ الجمهورية الفرنسية.
ويذكر التقرير أن عددًا كبيرًا من هذه المؤسسات مرتبط بالمساجد، وأنها عادة ما تنقل رسائل تناقض القيم الجمهورية، مع صعوبة ضبطها لأنها تعمل في مناطق رمادية:
 • جمعيات ثقافية/دينية.
 • دروس لغة عربية.
 • تحفيظ قرآن.
 • أنشطة نهاية الأسبوع.
ويورد التقرير تقديرًا لافتًا:
حيث يوجد نحو 2500 مسجد/مصلّى، ربعها تقريبًا أنشأ كتاتيب، وعدد الأطفال الذين يحضرون هذه الدروس قد يصل إلى 35 ألف طفل.
هذه الأرقام، في منطق الدولة الفرنسية، تعني أن هناك “مدرسة موازية” تُصنع خارج المدرسة.
والأهم في التقرير أنه يلمح إلى أن كثيرًا من الآباء لا يعرفون “من هم الإخوان”، لكنهم يثقون في “المسجد” بوصفه مرجعية… فتحدث السيطرة دون وعي.
ثالثًا: تعليم اللغة العربية عبر الإنترنت (قنوات الاختراق الجديدة)
ينبه التقرير إلى أن التعليم عن بعد هو أخطر ما استجد، لأنه:
 • لا يخضع لإطار قانوني واضح.
 • يرتبط بشبكات خارج الحدود.
 • يسمح ببث خطاب أيديولوجي داخل البيوت.
 • يدمج بين اللغة والدين والهوية في حزمة واحدة.
ويشير إلى وجود اعتماد على مركز تدريب القيادات الإخوانية:
المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، بوصفه منبعًا لتكوين كوادر قادرة على التدريس والوعظ (تم إغلاقه مؤخرا بقرار من الحكومة الفرنسية قبل إدراج الجماعة ككيان إرهابي).
ويذكر التقرير أمثلة لمواقع تقدم “تدريبًا” دينيًا، وتستهدف النساء تحديدًا بصيغ جديدة:
زوجة/أم/هوية/التزام… بحيث يصبح الدين أساس تنظيم الحياة اليومية، لا مجرد ممارسة روحية.
وهنا تتحقق الفكرة الأخطر:
تحويل الإيمان إلى نظام حياة سياسي اجتماعي.
رابعا: الحلقة الأضعف: حضانة الأطفال ومساعدات الأمهات:
يضع التقرير علامة حمراء على مرحلة الطفولة المبكرة، ويعتبرها ثغرة مرعبة في مفهوم العلمانية.
ويعرض دراسة حالة لهيكل يُعنى بمساعدات الأمهات (RAM) في “إيسي لي مولينو”، ويذكر أن:
 • نسبة المحجبات من عينة 60 مساعدة أم بلغت 25%.
 • بمعنى: طفل من كل أربعة يمكن أن يقضي يومه مع مرجعية دينية ظاهرة.
التقرير لا يختزل المشكلة في الحجاب كشكل، بل في تحول المرجعية إلى خطاب تربوي، ويورد مثالًا لسيدة بدأت ترتدي الحجاب بعد الحج في السعودية، ثم بدأت تُدخل أفكارًا مختلفة عن مكانة المرأة والتربية بين الصبي والبنت. (لاحظ أنك في أوروبا وفي فرنسا وتخضع لقوانين وقيم أقسمت على احترامها واحتميت بها).
ويحذّر التقرير من أن نقص أماكن الحضانة قد يدفع الأهالي إلى خيارات لا يملكون التحكم فيها، فتتحول الطفولة إلى أرضية للاختراق دون قصد.
ويقترح التقرير خيارات للدولة مثل:
 • زيادة الحضانات.
 • إلزامية المدرسة من سن 3 سنوات.
 • إدخال مفهوم العلمانية في تدريب مساعدات الأمهات.
 • فرض مستوى لغوي مناسب لتربية الطفل.
 • تطبيق واجب الحياد الديني أثناء رعاية الأطفال.
4) الجامعات: الاختراق الناعم عبر “الهوية والحقوق”
في التعليم العالي، لا يُقدَّم المشروع بخطاب ديني مباشر، بل عبر خطاب “حقوقي” و”تمثيلي” و”مكافحة تمييز”.
يقدم التقرير مثالًا شديد الدلالة:
اتحاد الطلبة المسلمون في فرنسا (EMF).
ويشير إلى أنه تأسس في نهاية الثمانينيات، وله عشرات المكاتب، ويتبنى خطابًا يبدو شاملاً وغير ديني، لكنه يتقاطع عمليًا مع أجندة الإخوان عبر:
 • ربط قضايا الطلاب بمصطلح “الإسلاموفوبيا” (العداء للإسلام في الغرب).
 • التحالف مع نقابات جامعية مؤثرة مثل UNEF.
 • التأثير على موقف النقابات من رموز دينية مثل الحجاب.
 • الارتباط بشبكات مكافحة “الإسلاموفوبيا” وتعميم أدلة إرشادية للطلاب.
النتيجة:
تنتقل الجامعة من فضاء علماني موحد… إلى فضاء تتقدم فيه “الهوية الدينية” كأداة صراع سياسي.
5) الهدف النهائي للإخوان من اختراق التعليم: صناعة “مواطن بديل”
التقرير يعبر عن الفكرة بوضوح:
القضية ليست مجرد زيادة جرعة التعليم الديني… بل القدرة على إنتاج أفراد:
 • منفصلين جزئيًا أو كليًا عن المجتمع الفرنسي.
 • يرون الجمهورية كخصم أو كيان قمعي.
 • ينقلون ولاءهم من الوطن إلى “الجماعة”.
 • يشرعنون فكرة المجتمع الموازي تدريجيًا.
وهذا هو معنى “الانفصال” الحقيقي:
ليس عنفًا بالضرورة… بل إعادة تشكيل صامت للهوية.
وفي النهاية يعتبر التقرير أن اختراق التعليم هو أخطر مسارات الإخوان في فرنسا، لأنه الأقل ضجيجًا والأطول عمرًا.
السلاح هنا ليس المتفجرات… بل المناهج، والحلقات، والشبكات الطلابية، والفضاء الرقمي.
والخطر الأكبر أن هذا المسار يعمل داخل “منطقة رمادية”:
بين الحرية الدينية وحرية التنظيم… وبين المدرسة الجمهورية والتعليم الموازي.
ولهذا فإن الدفاع عن الجمهورية يبدأ من طرح السؤال الجوهري:
من يربي الطفل في فرنسا؟… المدرسة أم شبكات الإخوان؟

شارك