تفكيكُ تنظيمِ الإخوان.. قرارُ فرنسا بدايةُ مرحلةٍ أوروبية جديدة (5)

الأربعاء 28/يناير/2026 - 02:24 ص
طباعة تفكيكُ تنظيمِ الإخوان.. حسام الحداد
 
يتناول هذا التقرير الاستراتيجيات المنهجية التي تنتهجها جماعة الإخوان المسلمين للتغلغل داخل المؤسسات التعليمية في فرنسا، بهدف زعزعة القيم الجمهورية واستبدالها بنموذج مجتمعي موازٍ. وترصد التقارير الأمنية والتربوية تحول المدارس إلى ساحات للصراع الهوياتي عبر فرض سلوكيات انعزالية تتعلق بالطعام، ورفض الفنون، والتحريض على الفصل بين الجنسين. ولا يقتصر هذا الاختراق على المناهج، بل يمتد ليشمل ضغوطاً منظمة يمارسها الطلاب وأولياء الأمور لتكريس الانقسام المجتمعي داخل الفصول الدراسية. كما تبرز المصادر عجز الإدارة التربوية أحياناً أمام هذا المد المتصاعد الذي يسعى لتنشئة جيل يرتكز ولائه على الانتماء الديني الضيق بدلاً من المواطنة. وتؤكد الشهادات التاريخية أن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي مسار تراكمي يهدف إلى تقويض سلطة الدولة في مناطق نفوذ الجماعة.

كيف تحوَّلت المدرسةُ إلى ساحةِ اختبارٍ للاختراقِ الإخواني؟

ومرةً أخرى نواصلُ في قضيةِ اختراقِ الإخوانِ للمؤسساتِ التعليمية؛ إذ لم تكن مذكرةُ مايو 2025، ولا المذكرةُ السريةُ الضخمةُ في 2018، هما كلَّ ما كُتب عن ظاهرةِ اختراقِ الإخوانِ للمجتمعِ الفرنسي. فقد اطّلعنا على مذكرةٍ أعدّتها المخابراتُ الإقليميةُ الفرنسية، وبثّتها قناةُ Europe 1 في 9 أكتوبر 2018، تؤكدُ أن مؤسساتِ التعليمِ في فرنسا أصبحت تواجه مظاهرَ متناميةً من التغلغلِ الإسلاميِّ المتشددِ للتنظيمِ الإخوان داخل المدارس، في سياقٍ يشبه ما سبق التحذيرُ منه منذ سنوات، خصوصًا بعد صرخةِ كتاب:
‏Les Territoires perdus de la République
“المناطق المفقودة للجمهورية”؛
الذي صدر عام 2002 تحت عددٍ من الأسماءِ المستعارة، والذي نبَّه مبكرًا إلى تحوُّلِ بعضِ الأحياءِ والمدارسِ إلى فضاءاتٍ تضعفُ فيها سلطةُ الدولة لصالحِ سلطةِ “الجماعة”.
المذكرةُ رصدت حالاتٍ متعددةً عبر مناطقَ مختلفة، وأظهرت أن الاختراقَ لا يتم عبر “المدرسة كمنهج”، بل عبر الطالب كسلوكٍ يومي، ثم عبر الأهل كضغطٍ منظَّم، وصولًا إلى خلقِ بيئةٍ مدرسيةٍ موازيةٍ تتحدى قواعدَ الجمهورية باسمِ الدين.
أولًا: مؤشراتُ “تفككِ النموذجِ الجمهوري” داخل الفصل
ترصدُ المذكرةُ سلسلةً من السلوكياتِ التي تعكس انتقالَ “التدينِ الفردي” إلى سلوكٍ جماعيٍّ ضاغطٍ داخل المدرسة، منها:
 • رفضُ بعضِ الأطفالِ رسمَ صورِ الإنسان.
 • قيامُ بعضِ التلاميذ بسدِّ آذانِهم عند سماعِ الموسيقى داخل الفصل.
 • رفضُ مصافحةِ الفتيات، بما يعكس تصوّرًا انفصاليًا للعلاقةِ بين الجنسين.
 • صيامُ أطفالٍ في أعمارٍ صغيرةٍ خلال رمضان بما ينعكس على انتظامِ الدراسة.
 • واقعةٌ بمدينةِ تروا حيث رفض بعضُ التلاميذ الذهابَ إلى تدريبِ السباحة خوفًا من “إفسادِ الصيام” بشربِ الماء.
وتوضحُ المذكرةُ أن هذه المظاهرَ لا تُعدُّ “حوادثَ منفصلة”، بل مؤشراتٍ متكررةً تكشفُ تراجعَ قدرةِ المدرسة على فرضِ نمطِها التربويّ الموحد، تحت ضغطِ سلوكياتٍ تُفرض باسمِ “الديني أو المقدس”.
ثانيًا: الطعام… بوابةُ الاختراقِ الأكثرُ انتشارًا
تعتبرُ المذكرةُ أن ملفَّ الوجباتِ المدرسيةِ والـ”حلال” صار واحدًا من أكثر الملفاتِ حساسية؛ لأنه يتحولُ إلى:
 • أداةِ فرزٍ اجتماعيّ داخل المدرسة.
 • وسلاحِ وصمٍ وضغطٍ وإقصاء.
 • آليةِ تعبئةٍ جماعيةٍ وفرضِ واقعٍ جديد.
ومن أبرزِ الوقائعِ التي وثقتها:
 • في بوش دو رون: رفضُ تلاميذَ الجلوسِ بجوارِ من يتناولُ لحمَ الخنزير.
 • في سان دوني: حادثةٌ موثقةٌ خلال رحلةٍ مدرسية، حين رفض 35 تلميذًا من أصل 50 تناولَ أوراكِ الدجاج بحجةِ أنها ليست “حلالًا”، ما اضطر المشرفين لرمي الطعام والاكتفاء بتقديمِ البطاطس للرافضين.
 • في سين إي مارن: قيامُ بعضِ الطلابِ بتوبيخٍ أو شجبِ الطلابِ المسلمين الذين يأكلون طعامًا “غيرَ حلال” من الكانتين.
 • في شمالِ فرنسا: شتائمُ وضغوطٌ متبادلةٌ داخل مجتمعِ الطلابِ المسلمين أنفسهم حول “الحلال”.
 • وفي هوت سافوا: إلغاءُ مدارسٍ لرحلاتِ الثلج لأن الجدلَ حول الطعام “تفاقم وخرج عن السيطرة”.
وهنا تتجلى نقطةٌ في غايةِ الخطورة:
أن “الحلال” لم يعد اختيارًا شخصيًا، بل معيارَ ولاءٍ وضبطٍ اجتماعيٍّ داخل المدرسة.
ثالثًا: بناءُ “جماعةٍ منفصلة” داخل المدرسة
تشيرُ المذكرةُ إلى حالاتٍ يقومُ فيها بعضُ الطلابِ المسلمين خلال الرحلاتِ المدرسية بعدة تصرفاتٍ منها:
 • تناولُ الغداء بعيدًا عن بقيةِ الطلاب،
بما يعكس نزعةَ الانعزال وخلقَ مجموعةٍ داخل المجموعة.
وفي منطقةِ ليل الجنوبية (حيث يوجد مسجدُ اتحادِ المنظماتِ الإسلاميةِ في فرنسا)، فوجئ الجميعُ بقيامِ أمهاتِ الطلاب بتوزيعِ منشوراتٍ أمام مدرسةٍ ابتدائية تطالبُ بفصلِ الصبيان عن البنات داخل المدرسة، وذلك “باسم الشريعة”.
وتعتبرُ هذه الواقعة — وفق القراءةِ السياسية — نقطةَ انتقالٍ من “مظاهرَ فردية” إلى ضغطٍ جماعيٍّ منظَّمٍ تقودُه الأسرة، وهو ما يكشفُ عن أن المدرسةَ ليست وحدها أمام الطالب، بل أمام “منظومةٍ اجتماعية” تعملُ على نقلِ الصراع إلى قلبِ المؤسسةِ التعليمية.
رابعًا: الدولةُ ترد…
تكشفُ المذكرةُ أيضًا أن وزارةَ التعليمِ الوطني أنشأت موقعًا رسميًا يسمحُ للمدرسين بالتواصل وطرحِ الأسئلةِ المتعلقةِ بالدين، على أن يحصلوا على دعمٍ خلال 24 ساعة.
ووفق إعلانِ الوزارة:
سُجلت قرابةُ 30 حالةٍ يوميًا.
وهذا الرقمُ يحملُ دلالةً واضحة:
أن المسألةَ لم تعد “استثناءات”، بل تحولت إلى تكرارٍ يوميٍّ يستدعي منصةَ دعمٍ عاجلة.
خامسًا: شهاداتُ مدرسين: “التطرفُ في المدارس ليس جديدًا”
تنقلُ المذكرةُ أن كثيرًا من المعنيين بالتعليم لا يعتبرونها مفاجأة، بل هي ممارساتٌ قديمةٌ ومستمرة، فقط تم تسجيلُها في مذكرةٍ رسمية.
ومن أبرزِ الشهادات ما قاله مدرسُ التاريخِ والجغرافيا يانيس رودير:
إن المذكرةَ “لا تقدم شيئًا جديدًا”، لأن الوقائعَ تتكررُ سنويًا مع ملاحظةِ علاماتِ “تطرفٍ في الممارساتِ الدينية”، خاصة:
 • رفضُ الموسيقى في رمضان.
 • تصاعدُ الجدلِ حول الحلال.
 • تحوُّلُ بعضِ المظاهر إلى نمطٍ متكرر.
كما عبّر مدرسون وخبراءُ متقاعدون عن واقعٍ صار مقلقًا على مستوى الأمنِ الشخصي، إذ تحدث أحدُهم عن تداولِ مفرداتٍ داخل المدرسة مثل:
“الكفار” و“أهل البدعة”، واتهاماتِ الطوائف الأخرى بالكفر، بما يعكس انتقالَ خطابٍ دينيٍّ متطرفٍ إلى بيئةِ المدرسة.
سادسًا: جذورٌ أقدم: تقريرُ أوبين 2004 يؤكدُ المسارَ نفسه
تُظهرُ المذكرةُ أن ما يحدثُ في 2018 امتدادٌ لمسارٍ سابقٍ وثقته الدولةُ نفسها، وتحديدًا تقريرُ التفتيشِ العام لوزارةِ التعليمِ الوطني عام 2004 (جان بيير أوبين) بعد تحقيقاتٍ في 61 مدرسة.
وسجل التقريرُ حينها مؤشراتٍ طائفيةً مثل:
 • ضغطُ “الإخوةِ الكبار” على الفتيات (الملابس/المكياج/السلوك).
 • رفضُ الاختلاط وفرضُ معاييرَ أخلاقيةٍ قسرية.
 • بدايةُ الاشتراطاتِ الغذائية مبكرًا حتى من الحضانة.
 • حالاتٌ صادمةٌ من الفرزِ الرمزي: تقسيمُ حنفياتِ الماء إلى حنفياتٍ “للفرنسيين” وحنفياتٍ “للمسلمين” بحجةِ ان الفرنسيين بهم “نجاسةُ الكفار”.
 • رفضُ الآلاتِ الموسيقية.
 • تدخلُ أولياءِ الأمور للدفاعِ عن مطالبَ طائفية.
(لاحظ أنَّهم يعيشون في الدولةِ الفرنسية ويتعلمون بالمجان في مدارسها وأسرُهم يتقاضون إعاناتِ بطالةٍ من الدولة).
كما أشار التقريرُ إلى وجودِ مراقبين داخل المؤسساتِ التعليمية مرتبطين بتياراتٍ إسلامية، يقومون بأدوارٍ تشبه “شرطةَ الآداب”، وتوزيعِ منشوراتٍ لجماعةِ الإخوان وجماعاتٍ أخرى مثل التبليغ والدعوة.
سابعًا: أطفالُ اليهود ضحايا…
تؤكدُ المذكرةُ وما استندت إليه من تقاريرَ وشهاداتٍ أن من نتائجِ هذا المناخ:
 • تعرضُ أطفالِ اليهود لاعتداءاتٍ وضغوطٍ داخل المدارس، ما أدى إلى مغادرتهم مدارسَ حكوميةً في ضواحي باريس، بما يعني أن المدرسةَ لم تعد ساحةً تعليميةً محايدة، بل أصبحت ساحةَ صراعٍ هوياتي.
الخلاصةُ السياسية: كيف يخدمُ هذا مشروعَ الإخوان؟
يمكن تلخيصُ دلالةِ المذكرة في فكرةٍ واحدة:
الإخوانُ لا يخترقون التعليم عبر السيطرةِ المباشرة على المناهج، بل عبر تغييرِ المزاجِ اليومي داخل المدرسة وصولًا إلى:
 1. فرضُ “خصوصيةٍ دينية” تتحول إلى قانونٍ غير مكتوب.
 2. خلقُ مجموعةٍ منضبطةٍ تضغط على الآخرين داخل المدرسة.
 3. تحويلُ الإدارةِ والمعلمين إلى طرفٍ “متردد” خوفًا من التصعيد.
 4. نقلُ معركةِ “الهوية” إلى قلبِ الجمهورية: الفصل حسب الهويةِ الدينية والجنسية، الطعام، الاختلاط، الموسيقى، الرحلات.
 5. تأسيسُ جيلٍ يتربى على منطقِ “نحن/وهم”، لا على منطقِ “المواطن/القانون”.
وبذلك تتحولُ المدرسةُ إلى المختبرِ الأكثرِ فاعليةً لصناعةِ “مجتمعٍ موازيًا لقيمِ الجمهورية.

كيف تحوَّلت المدرسةُ إلى ساحةِ اختبارٍ للاختراقِ الإخواني؟

كيف تحوَّلت المدرسةُ
ومرةً أخرى نواصلُ في قضيةِ اختراقِ الإخوانِ للمؤسساتِ التعليمية؛ إذ لم تكن مذكرةُ مايو 2025، ولا المذكرةُ السريةُ الضخمةُ في 2018، هما كلَّ ما كُتب عن ظاهرةِ اختراقِ الإخوانِ للمجتمعِ الفرنسي. فقد اطّلعنا على مذكرةٍ أعدّتها المخابراتُ الإقليميةُ الفرنسية، وبثّتها قناةُ Europe 1 في 9 أكتوبر 2018، تؤكدُ أن مؤسساتِ التعليمِ في فرنسا أصبحت تواجه مظاهرَ متناميةً من التغلغلِ الإسلاميِّ المتشددِ للتنظيمِ الإخوان داخل المدارس، في سياقٍ يشبه ما سبق التحذيرُ منه منذ سنوات، خصوصًا بعد صرخةِ كتاب:
‏Les Territoires perdus de la République
“المناطق المفقودة للجمهورية”؛
الذي صدر عام 2002 تحت عددٍ من الأسماءِ المستعارة، والذي نبَّه مبكرًا إلى تحوُّلِ بعضِ الأحياءِ والمدارسِ إلى فضاءاتٍ تضعفُ فيها سلطةُ الدولة لصالحِ سلطةِ “الجماعة”.
المذكرةُ رصدت حالاتٍ متعددةً عبر مناطقَ مختلفة، وأظهرت أن الاختراقَ لا يتم عبر “المدرسة كمنهج”، بل عبر الطالب كسلوكٍ يومي، ثم عبر الأهل كضغطٍ منظَّم، وصولًا إلى خلقِ بيئةٍ مدرسيةٍ موازيةٍ تتحدى قواعدَ الجمهورية باسمِ الدين.
أولًا: مؤشراتُ “تفككِ النموذجِ الجمهوري” داخل الفصل
ترصدُ المذكرةُ سلسلةً من السلوكياتِ التي تعكس انتقالَ “التدينِ الفردي” إلى سلوكٍ جماعيٍّ ضاغطٍ داخل المدرسة، منها:
 • رفضُ بعضِ الأطفالِ رسمَ صورِ الإنسان.
 • قيامُ بعضِ التلاميذ بسدِّ آذانِهم عند سماعِ الموسيقى داخل الفصل.
 • رفضُ مصافحةِ الفتيات، بما يعكس تصوّرًا انفصاليًا للعلاقةِ بين الجنسين.
 • صيامُ أطفالٍ في أعمارٍ صغيرةٍ خلال رمضان بما ينعكس على انتظامِ الدراسة.
 • واقعةٌ بمدينةِ تروا حيث رفض بعضُ التلاميذ الذهابَ إلى تدريبِ السباحة خوفًا من “إفسادِ الصيام” بشربِ الماء.
وتوضحُ المذكرةُ أن هذه المظاهرَ لا تُعدُّ “حوادثَ منفصلة”، بل مؤشراتٍ متكررةً تكشفُ تراجعَ قدرةِ المدرسة على فرضِ نمطِها التربويّ الموحد، تحت ضغطِ سلوكياتٍ تُفرض باسمِ “الديني أو المقدس”.
ثانيًا: الطعام… بوابةُ الاختراقِ الأكثرُ انتشارًا
تعتبرُ المذكرةُ أن ملفَّ الوجباتِ المدرسيةِ والـ”حلال” صار واحدًا من أكثر الملفاتِ حساسية؛ لأنه يتحولُ إلى:
 • أداةِ فرزٍ اجتماعيّ داخل المدرسة.
 • وسلاحِ وصمٍ وضغطٍ وإقصاء.
 • آليةِ تعبئةٍ جماعيةٍ وفرضِ واقعٍ جديد.
ومن أبرزِ الوقائعِ التي وثقتها:
 • في بوش دو رون: رفضُ تلاميذَ الجلوسِ بجوارِ من يتناولُ لحمَ الخنزير.
 • في سان دوني: حادثةٌ موثقةٌ خلال رحلةٍ مدرسية، حين رفض 35 تلميذًا من أصل 50 تناولَ أوراكِ الدجاج بحجةِ أنها ليست “حلالًا”، ما اضطر المشرفين لرمي الطعام والاكتفاء بتقديمِ البطاطس للرافضين.
 • في سين إي مارن: قيامُ بعضِ الطلابِ بتوبيخٍ أو شجبِ الطلابِ المسلمين الذين يأكلون طعامًا “غيرَ حلال” من الكانتين.
 • في شمالِ فرنسا: شتائمُ وضغوطٌ متبادلةٌ داخل مجتمعِ الطلابِ المسلمين أنفسهم حول “الحلال”.
 • وفي هوت سافوا: إلغاءُ مدارسٍ لرحلاتِ الثلج لأن الجدلَ حول الطعام “تفاقم وخرج عن السيطرة”.
وهنا تتجلى نقطةٌ في غايةِ الخطورة:
أن “الحلال” لم يعد اختيارًا شخصيًا، بل معيارَ ولاءٍ وضبطٍ اجتماعيٍّ داخل المدرسة.
ثالثًا: بناءُ “جماعةٍ منفصلة” داخل المدرسة
تشيرُ المذكرةُ إلى حالاتٍ يقومُ فيها بعضُ الطلابِ المسلمين خلال الرحلاتِ المدرسية بعدة تصرفاتٍ منها:
 • تناولُ الغداء بعيدًا عن بقيةِ الطلاب،
بما يعكس نزعةَ الانعزال وخلقَ مجموعةٍ داخل المجموعة.
وفي منطقةِ ليل الجنوبية (حيث يوجد مسجدُ اتحادِ المنظماتِ الإسلاميةِ في فرنسا)، فوجئ الجميعُ بقيامِ أمهاتِ الطلاب بتوزيعِ منشوراتٍ أمام مدرسةٍ ابتدائية تطالبُ بفصلِ الصبيان عن البنات داخل المدرسة، وذلك “باسم الشريعة”.
وتعتبرُ هذه الواقعة — وفق القراءةِ السياسية — نقطةَ انتقالٍ من “مظاهرَ فردية” إلى ضغطٍ جماعيٍّ منظَّمٍ تقودُه الأسرة، وهو ما يكشفُ عن أن المدرسةَ ليست وحدها أمام الطالب، بل أمام “منظومةٍ اجتماعية” تعملُ على نقلِ الصراع إلى قلبِ المؤسسةِ التعليمية.
رابعًا: الدولةُ ترد…
تكشفُ المذكرةُ أيضًا أن وزارةَ التعليمِ الوطني أنشأت موقعًا رسميًا يسمحُ للمدرسين بالتواصل وطرحِ الأسئلةِ المتعلقةِ بالدين، على أن يحصلوا على دعمٍ خلال 24 ساعة.
ووفق إعلانِ الوزارة:
سُجلت قرابةُ 30 حالةٍ يوميًا.
وهذا الرقمُ يحملُ دلالةً واضحة:
أن المسألةَ لم تعد “استثناءات”، بل تحولت إلى تكرارٍ يوميٍّ يستدعي منصةَ دعمٍ عاجلة.
خامسًا: شهاداتُ مدرسين: “التطرفُ في المدارس ليس جديدًا”
تنقلُ المذكرةُ أن كثيرًا من المعنيين بالتعليم لا يعتبرونها مفاجأة، بل هي ممارساتٌ قديمةٌ ومستمرة، فقط تم تسجيلُها في مذكرةٍ رسمية.
ومن أبرزِ الشهادات ما قاله مدرسُ التاريخِ والجغرافيا يانيس رودير:
إن المذكرةَ “لا تقدم شيئًا جديدًا”، لأن الوقائعَ تتكررُ سنويًا مع ملاحظةِ علاماتِ “تطرفٍ في الممارساتِ الدينية”، خاصة:
 • رفضُ الموسيقى في رمضان.
 • تصاعدُ الجدلِ حول الحلال.
 • تحوُّلُ بعضِ المظاهر إلى نمطٍ متكرر.
كما عبّر مدرسون وخبراءُ متقاعدون عن واقعٍ صار مقلقًا على مستوى الأمنِ الشخصي، إذ تحدث أحدُهم عن تداولِ مفرداتٍ داخل المدرسة مثل:
“الكفار” و“أهل البدعة”، واتهاماتِ الطوائف الأخرى بالكفر، بما يعكس انتقالَ خطابٍ دينيٍّ متطرفٍ إلى بيئةِ المدرسة.
سادسًا: جذورٌ أقدم: تقريرُ أوبين 2004 يؤكدُ المسارَ نفسه
تُظهرُ المذكرةُ أن ما يحدثُ في 2018 امتدادٌ لمسارٍ سابقٍ وثقته الدولةُ نفسها، وتحديدًا تقريرُ التفتيشِ العام لوزارةِ التعليمِ الوطني عام 2004 (جان بيير أوبين) بعد تحقيقاتٍ في 61 مدرسة.
وسجل التقريرُ حينها مؤشراتٍ طائفيةً مثل:
 • ضغطُ “الإخوةِ الكبار” على الفتيات (الملابس/المكياج/السلوك).
 • رفضُ الاختلاط وفرضُ معاييرَ أخلاقيةٍ قسرية.
 • بدايةُ الاشتراطاتِ الغذائية مبكرًا حتى من الحضانة.
 • حالاتٌ صادمةٌ من الفرزِ الرمزي: تقسيمُ حنفياتِ الماء إلى حنفياتٍ “للفرنسيين” وحنفياتٍ “للمسلمين” بحجةِ ان الفرنسيين بهم “نجاسةُ الكفار”.
 • رفضُ الآلاتِ الموسيقية.
 • تدخلُ أولياءِ الأمور للدفاعِ عن مطالبَ طائفية.
(لاحظ أنَّهم يعيشون في الدولةِ الفرنسية ويتعلمون بالمجان في مدارسها وأسرُهم يتقاضون إعاناتِ بطالةٍ من الدولة).
كما أشار التقريرُ إلى وجودِ مراقبين داخل المؤسساتِ التعليمية مرتبطين بتياراتٍ إسلامية، يقومون بأدوارٍ تشبه “شرطةَ الآداب”، وتوزيعِ منشوراتٍ لجماعةِ الإخوان وجماعاتٍ أخرى مثل التبليغ والدعوة.
سابعًا: أطفالُ اليهود ضحايا…
تؤكدُ المذكرةُ وما استندت إليه من تقاريرَ وشهاداتٍ أن من نتائجِ هذا المناخ:
 • تعرضُ أطفالِ اليهود لاعتداءاتٍ وضغوطٍ داخل المدارس، ما أدى إلى مغادرتهم مدارسَ حكوميةً في ضواحي باريس، بما يعني أن المدرسةَ لم تعد ساحةً تعليميةً محايدة، بل أصبحت ساحةَ صراعٍ هوياتي.
الخلاصةُ السياسية: كيف يخدمُ هذا مشروعَ الإخوان؟
يمكن تلخيصُ دلالةِ المذكرة في فكرةٍ واحدة:
الإخوانُ لا يخترقون التعليم عبر السيطرةِ المباشرة على المناهج، بل عبر تغييرِ المزاجِ اليومي داخل المدرسة وصولًا إلى:
 1. فرضُ “خصوصيةٍ دينية” تتحول إلى قانونٍ غير مكتوب.
 2. خلقُ مجموعةٍ منضبطةٍ تضغط على الآخرين داخل المدرسة.
 3. تحويلُ الإدارةِ والمعلمين إلى طرفٍ “متردد” خوفًا من التصعيد.
 4. نقلُ معركةِ “الهوية” إلى قلبِ الجمهورية: الفصل حسب الهويةِ الدينية والجنسية، الطعام، الاختلاط، الموسيقى، الرحلات.
 5. تأسيسُ جيلٍ يتربى على منطقِ “نحن/وهم”، لا على منطقِ “المواطن/القانون”.
وبذلك تتحولُ المدرسةُ إلى المختبرِ الأكثرِ فاعليةً لصناعةِ “مجتمعٍ موازيًا لقيمِ الجمهورية.

شارك