تفكيكُ تنظيمِ الإخوان.. قرارُ فرنسا بدايةُ مرحلةٍ أوروبية جديدة (6)

الخميس 29/يناير/2026 - 01:19 ص
طباعة تفكيكُ تنظيمِ الإخوان.. حسام الحداد
 
يُقدم هذا التحليل العميق قراءة كاشفة ومنضبطة لمنهجية "القوى الناعمة" التي يعتمدها تنظيم الإخوان في اختراق المجتمعات الأوروبية، وهنا لا بد من الإشادة بالدور التنويري والبحثي الرائد الذي يضطلع به الدكتور عبد الرحيم علي، الذي كان وما زال صمام أمان فكري في كشف هذه المخططات المعقدة؛ فبفضل رؤيته الاستشرافية وقدرته الفائقة على تتبع خيوط "التنظيم الدولي"، استطاع تسليط الضوء على كيفية تحويل العمل الجمعوي من وسيلة إنسانية إلى أداة لترسيخ "المجتمع الموازي" وعزل الجاليات عن قيم المواطنة، مما يجعل من جهوده الميدانية والبحثية مرجعاً أساسياً لصناع القرار في أوروبا والعالم العربي لفهم آليات التغلغل الإخواني ومواجهتها بأدوات المعرفة والحقيقة.

العمل الاجتماعي والجمعيات… حين يتحوّل “عمل الخير” إلى شبكة نفوذ

العمل الاجتماعي والجمعيات…
بعد أن كشف التقرير كيف جعل الإخوان من التعليم بوابة لتشكيل أجيال جديدة على تصور يبتعد تدريجيًا عن قيم الجمهورية، ينتقل بنا إلى ساحة أخرى لا تقل خطورة، بل قد تكون — عمليًا — الأكثر تأثيرًا في الحياة اليومية: العمل الاجتماعي والجمعيات.
هنا بالضبط يعمل التنظيم بأذكى أدواته:
أداة لا تبدو سياسية في ظاهرها، ولا تحمل عناوين صدامية، ولا ترفع شعارات دينية حادة… لكنها في العمق، تخلق “مجتمعًا” كاملًا داخل المجتمع الفرنسي.
فالجمعية الخيرية، ومركز الدعم المدرسي، وحملة الملابس، وموائد رمضان، وحضانة الأطفال، ودروس اللغة العربية… كلها تتحول — كما يوضح التقرير — إلى “جسور ناعمة” تُعيد تشكيل علاقة المسلم الفرنسي بالدولة، وبالهوية، وبالمواطنة.
1) لماذا يفضّل الإخوان طريق الجمعيات؟
يضع التقرير تفسيرًا شديد الدقة لهذا الاستفسار:
إن الجمعيات تمثل في فرنسا الشكل الأكثر شرعية وانتشارًا داخل المجتمع المدني، وهي تعمل تحت مظلة القانون 1901، وتستفيد من مناخ عام يقوم على حرية التنظيم والعمل التطوعي والتمويل عبر التبرعات.
وهذا المناخ المفتوح — الذي صُمّم أساسًا لخدمة الديمقراطية — تحوّل، في يد الإخوان، إلى فرصة لبناء نفوذ طويل المدى عبر ثلاث ميزات:
 1. الشرعية القانونية: اذ ان الجمعية تبدو “مؤسسة مواطنة” لا علاقة لها بالسياسة.
 2. الغطاء الأخلاقي: اذ ان العمل الخيري يخلق تعاطفًا فوريًا ويصعب مهاجمته.
 3. الامتداد المجتمعي: اذ ان الجمعية تدخل البيوت والمدارس والأحياء بطريقة أسرع من أي خطاب سياسي.
وهكذا يصبح العمل الاجتماعي ليس مجرد مساعدة، بل نظام تجنيد وتأثير.
2) “المجتمع البديل” يبدأ من الخدمة اليومية
ينبّه التقرير إلى أن أخطر ما في العمل الاجتماعي الإخواني أنه لا يعمل كحالة عابرة، بل كـ “نمط حياة”.
فالطفل الذي يلتحق بدروس دعم في جمعية، ثم ينتقل إلى كتاب، ثم ينضم إلى نشاط رياضي تحت نفس الشبكة، ثم يحضر محاضرة دينية، ثم يُوجَّه إلى مؤسسة تعليمية قريبة… يصبح داخل منظومة متكاملة.
وبحسب التقرير، فإن الهدف النهائي لهذه المنظومة هو:
خلق أفراد في حالة انفصال جزئي أو كلي عن المجتمع الفرنسي، وتهيئتهم نفسيًا وفكريًا ليشعروا أن “الجمهورية الفرنسية ليست بيتهم”، وأن الانتماء الأول والأخير يجب أن يكون للجماعة والهوية المغلقة.
وهكذا تتقدم فكرة “المجتمع المضاد” خطوة بعد خطوة.
3) الجمعيات بوصفها سلطة موازية في الأحياء:
يشرح التقرير أن الحركات الإسلامية — وعلى رأسها الإخوان — نجحت في استثمار “فراغ الدولة” في بعض المناطق، خاصة حيث تتراجع الخدمات أو يتراجع الحضور المؤسسي للدولة لأسباب اجتماعية واقتصادية. ( لاحظوا هنا انهم يكررون ما فعلوه في مصر وعدد كبير من الدول العربية بالحرف).
في هذه اللحظة يظهر التنظيم بوصفه “المنقذ”:
يوفر مساعدات غذائية، دعمًا للأسر، توجيهًا إداريًا، أنشطة للشباب، رحلات، دروسًا في اللغة، شبكات تضامن… فيتحول تدريجيًا إلى ما يشبه السلطة الاجتماعية.
ومع الوقت، يصبح للتنظيم دور غير معلن في:
 • تحديد المقبول وغير المقبول اجتماعيًا
 • التأثير على سلوك الشباب
 • رسم حدود العلاقة بين الرجال والنساء
 • إعادة تفسير “الاندماج” باعتباره تنازلًا
 • تحويل قوانين الدولة إلى “خيار ثانوي” أمام “المرجعية الدينية”
هذه ليست دولة داخل الدولة بالمعنى الإداري، لكنها دولة داخل الدولة بالمعنى الاجتماعي.
4) العمل الخيري بوصفه مدخلًا للتمويل والتعبئة:
يشير التقرير إلى نقطة لافتة:
أن العمل الاجتماعي لا يعمل فقط كأداة تأثير، بل كأداة تمويل أيضًا.
فالجمعيات الخيرية بطبيعتها قادرة على جمع التبرعات بصورة منتظمة، خاصة خلال المواسم الدينية، ما يجعلها:
 • مصدرًا للمال
 • مصدرًا للشرعية
 • مصدرًا للحشد
والأخطر — كما يقول التقرير — أن بعض الجمعيات تمزج بين البعد الإنساني والبعد الإيديولوجي عبر خطاب مزدوج:
لغة إنسانية ناعمة في الخارج، ولغة تعبوية في الداخل.
وبهذه الطريقة يصبح العمل الإنساني “غطاء ممتاز” لتوسيع النفوذ.
5) من “الدفاع عن الحقوق” إلى صناعة المظلومية:
يرصد التقرير أن الإخوان لا يكتفون بتقديم الخدمات، بل يضيفون إليها أداة دعائية شديدة التأثير تتمثل في : صناعة المظلومية.
فالخطاب السائد داخل عدد من الجمعيات يدور حول فكرة مركزية:
أن مسلمي فرنسا يتعرضون للتمييز، وأن الدولة “تضطهدهم”، وأن المجتمع “يرفضهم”، وأن أي نقد للإسلام السياسي ليس نقدًا سياسيًا بل “عنصرية”.
هذا الخطاب ينجح لأنه يلتقي مع مشاعر واقعية لدى جزء من الجالية المسلمة:
بطالة، تهميش، مشاكل سكن، صدمات هوية… فيأتي التنظيم ليقدّم تفسيرًا واحدًا لكل شيء:
“أنتم مستهدفون لأنكم مسلمون”.
وهنا يتحول التضامن الاجتماعي إلى منصة لإعادة إنتاج الغضب.
6) الجمعيات كجسر لاختراق السياسة والنقابات:
يؤكد التقرير أن التنظيم لا يتحرك في مسار واحد، بل يشتغل بمنطق الشبكات المتداخلة:
من الجمعية إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى النقابة، ومن النقابة إلى البلدية، ثم إلى التأثير الانتخابي.
فالشخص الذي يبدأ متطوعًا في جمعية اجتماعية قد يصبح لاحقًا:
 • مسؤولًا عن قطاع الشباب
 • ممثلًا في اتحاد طلابي
 • عضوًا في نقابة جامعية أو مهنية
 • ثم واجهة “مدنية” في المجال العام.
وهكذا تتحول الجمعيات إلى مصانع كوادر، وليس مجرد مؤسسات إحسان.
التقرير يلمّح إلى هذا المعنى عندما يربط بين الهيئات الطلابية والعمل الاجتماعي وخطاب “الدفاع عن الحقوق”، باعتباره سُلّمًا تدريجيًا نحو بناء نفوذ سياسي.
7) أين تكمن الخطورة الحقيقية؟
لا يقدّم التقرير الجمعيات باعتبارها “شرًا مطلقًا”، بل يفرّق ضمنيًا بين العمل الخيري الصادق والعمل الخيري المؤدلج.
الخطورة ليست في “تقديم الطعام” أو “مساعدة الفقراء”، بل في:
 • تحويل الخدمة إلى أداة ولاء
 • تسييس الاحتياجات الإنسانية
 • ربط المساعدة بالانتماء
 • عزل المستفيد عن مؤسسات الدولة.
 • خلق شعور أن التنظيم هو الحامي الوحيد له.
بمعنى آخر:
الهدف ليس حل مشكلة الفرد… بل ربط الفرد بالشبكة.
وهذا ما يفسّر كيف يمكن لشبكات قليلة العدد تنظيميًا أن تصبح واسعة التأثير اجتماعيًا.
منطق الإخوان:
يوضح التقرير أن إحدى نقاط قوة الإخوان أنهم يعملون بطريقة تجمع بين:
 • الحضور المحلي داخل المدينة أو الحي.
 • الارتباط الشبكي مع كيانات أخرى
 • التنسيق عبر مظلات أكبر تمثل واجهة “تمثيلية”.
وبالتالي فإن جمعية صغيرة قد تكون جزءًا من سلسلة أكبر، عبر الروابط غير المعلنة، أو عبر الشخصيات نفسها، أو عبر التمويل، أو عبر البرامج الموحدة.
هذه البنية الشبكية هي التي تجعل تفكيك الظاهرة معقدًا، لأنك لا تواجه “تنظيمًا ظاهرًا”، بل تواجه “مجتمعًا منظمات”.
وهنا نرى بوضوح كيف تحول العمل الاجتماعي — الذي يفترض أن يكون رافعة للاندماج — إلى أداة لإنتاج العكس تمامًا:
الانسحاب من المجتمع، وإعادة بناء الهوية داخل قوقعة تنظيمية، ثم تحويل الاحتياج إلى ولاء.
الإخوان في فرنسا، كما يكشف التقرير، لا يقتحمون الدولة بالرصاص… بل يدخلونها عبر:
 • خدمة اجتماعية
 • جمعية “لطيفة”
 • خطاب حقوقي
 • ولغة مظلومية
ثم تتحول هذه العناصر إلى شبكة نفوذ تمتد من الحي إلى الجامعة إلى المجال العام.

شارك