الإسلام وحرية الرأي والتعبير (8)

الخميس 26/فبراير/2026 - 07:27 م
طباعة الإسلام وحرية الرأي حسام الحداد
 
يصل الدكتور عبد الرحيم علي في هذه الحلقة إلى "الذروة الأخلاقية" في سلسلته التنويرية، حيث يفكك ببراعة فائقة مكمن القوة في النص القرآني بوصفه نصاً حوارياً بامتياز لا يخشى السؤال ولا يضيق بالاعتراض، بل يجعل من "أخلاق الحوار" الإلهي مرجعية عليا لحرية التعبير؛ فالكاتب هنا يضعنا أمام مواجهة شجاعة مع الممارسات التاريخية التي استبدلت الحجة بالقمع، ليؤكد أن تجريم السؤال ليس حماية للدين بل اعتراف بهشاشة الخطاب البشري الموازي له، وهو بهذا الطرح الرصين يعيد الاعتبار للعقل المسلم ويفتح آفاقاً رحبة لفهم الإيمان كفعل وعي وحرية، ممهداً الطريق بذكاء للحلقة القادمة التي تنقلنا من فضاء النص إلى ممارسة الواقع النبوي الشريف.

أخلاق الحوار

بعد أن انتهت الحلقات السابقة إلى تثبيت حقائق كبرى: أن الإيمان في الإسلام فعلٌ حرّ، وأن الاختلاف سنّة مقصودة، وأن القمع ليس من منطق النص بل من منطق السلطة، نصل في هذه الحلقة إلى الذروة الأخلاقية والفكرية في السلسلة كلها: إذا كان الله قد منح الإنسان حرية الإيمان، وقَبِل التعدّد والاختلاف، فكيف تَجَلّى ذلك في أسلوب الخطاب نفسه؟
الإجابة تأتي من قلب النص القرآني: الله يحاور البشر. وهذه الحقيقة وحدها كافية لإعادة النظر جذريًا في كل خطاب ديني يخاف من السؤال، أو يجرّم حرية التعبير.

القرآن… نصٌّ يُحاور لا يُملي
القرآن لا يقدّم نفسه بوصفه بيان أوامر فقط، ولا خطابًا أحادي الاتجاه، بل نصًّا حيًّا يقوم على الحوار. يحاور الإنسان: في شكّه، وفي خوفه، وفي تردّده، وفي اعتراضه. يعرض الحجج، ويفكّك الأسئلة، ويترك للعقل مساحة النظر والاختيار. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: النص الذي اتُّهم طويلًا بأنه يُغلق باب التفكير، هو – في بنيته العميقة – أكثر النصوص انفتاحًا على السؤال.

الله يسمح بالاعتراض… ثم يجيب
القرآن لا يُخفي تساؤلات البشر، ولا يحذف اعتراضاتهم، ولا يُجمّل لحظات القلق الفكري. بل ينقلها كما هي، ويضعها في سياقها، ثم يُجيب عنها بالحجة لا بالقمع.
أسئلة من نوع: لماذا؟ كيف؟ أين العدل؟ أين الحكمة؟ بل إن بعضها يبدو – للوهلة الأولى – جريئًا، أو صادمًا، أو مقلقًا للإيمان السطحي. ومع ذلك، لا يُدان السؤال،
ولا يُجرَّم التعبير عنه، ولا يُتَّهَم صاحبه بالخروج عن الجماعة. وهذا يعني أمرًا بالغ الدلالة: أن السؤال في ذاته ليس جريمة، وأن التعبير عن القلق الفكري ليس نقيض الإيمان، بل قد يكون شرطًا لعمقه.

ماذا نتعلّم من النموذج القرآني؟
نتعلّم أن الحقيقة لا تخاف من النقاش. وأن الإيمان، حين يكون واثقًا من نفسه، لا يحتاج إلى إسكات المختلف، بل إلى محاورته. ونتعلّم أن القمع الفكري ليس علامة قوة،
بل علامة خوف. فالخطاب الذي يمنع السؤال يعترف – ضمنيًا – بهشاشته.

من النص إلى الواقع… أين انكسر النموذج؟
المفارقة المؤلمة أن هذا النموذج القرآني في الحوار لم يُترجم دائمًا في الواقع التاريخي. في كثير من المراحل، ضاق الخطاب الديني بالسؤال، وتحوّل الاختلاف إلى تهديد، وأُغلقت أبواب النقاش باسم: حماية العقيدة، أو صيانة الجماعة، أو سدّ الذرائع. لكن هذا التحوّل لا يُنسب إلى النص، بل إلى القراءة التي خافت من تبعات الحوار، وإلى السلطة التي رأت في السؤال مقدّمة للمساءلة. وهنا يتكرّر النمط ذاته الذي رافق كل محطات القمع في تاريخ الأفكار: الخوف من العقل حين يفكّر خارج الإطار المرسوم له.

حرية التعبير… امتداد للحوار الإلهي
إذا كان الله، في خطابه للبشر، قد فتح باب السؤال، فكيف يُغلق هذا الباب باسم الدين؟ وإذا كان النص قد عرض الاعتراضات ليُناقشها، فكيف يُمنع الإنسان من التعبير عن رأيه بحجة حماية العقيدة؟ هنا تتكشّف المفارقة الكبرى بين روح النص وممارسات بعض المتحدّثين باسمه. فحرية التعبير، في هذا السياق، ليست تنازلًا ثقافيًا، ولا فكرة دخيلة، ولا مطلبًا حداثيًا مستوردًا، بل امتداد منطقي وأخلاقي لبنية الخطاب القرآني نفسه.

ماذا يعني هذا اليوم؟
يعني أن تجريم السؤال لا يحمي الدين، بل يُسيء إليه. ويعني أن الخوف من التعبير لا يصون الإيمان، بل يُفرغه من مضمونه. ويعني أن الإسلام، بوصفه خطابًا موجّهًا للعقل والضمير، لا يمكن أن يُختزل في ثقافة الصمت والطاعة العمياء. بهذه الحلقة، تبلغ سلسلة الإسلام وحرية الرأي والتعبير مرحلة النضج النصّي والفكري: من حرية الإيمان، إلى شرعية الاختلاف، إلى أخلاق الحوار.

في الحلقة القادمة، نغادر مستوى النص، وننزل إلى الواقع النبوي العملي،ونسأل السؤال الحاسم:
كيف تعامل النبي ﷺ مع النقد والمعارضة والاختلاف؟ وهل كان الحوار خيارًا أخلاقيًا… أم ممارسة يومية؟
يتبع…
القاهرة: الخامسة مساءً بتوقيت القاهرة

شارك