بنية القرار في الجماعات الأيديولوجية: دراسة في "البيروقراطية التنظيمية" مقابل "الزخم الثوري"

الخميس 02/أبريل/2026 - 01:34 م
طباعة بنية القرار في الجماعات حسام الحداد
 
تُمثل شهادة الدكتور يحيى سعد الباحث في التربية السياسية والعضو السابق في القسم السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في "بودكاست 28" والمنشورة على اليوتيوب في اخر مارس الماضي، مادةً معرفية دسمة تتجاوز حدود التأريخ الفردي لتشتبك مع الأسئلة الوجودية الكبرى التي واجهت تيار الإسلام السياسي في أوج صعوده وانكساره. تكمن أهمية هذه الحلقة في كونها محاولة استثنائية لـ "تسييل" البنى التنظيمية الصلبة عبر النقد الذاتي، حيث يغادر الضيف مربعات التبرير التقليدية ليقدم رؤية "مجهرية" للعقل السياسي داخل جماعة الإخوان المسلمين. ومن موقع الباحث المتخصص في التربية السياسية، لا يكتفي سعد بسرد الوقائع، بل يُعيد قراءتها في ضوء "فلسفة التنظيم" وعلاقته المتوترة مع مفاهيم الدولة الحديثة والزخم الثوري، مما يجعل من هذه الشهادة مختبراً لتحليل الفجوات المعرفية والإجرائية التي شابت تجربة الحكم وما تلاها.
إن القيمة المضافة لهذا اللقاء تتمثل في تشريح "المناخات النفسية والتاريخية" التي شكلت وعي جيل من الكوادر السياسية داخل الجماعة، وهو الجيل الذي وجد نفسه فجأة أمام تحدي الانتقال من "فقه الاستضعاف" إلى "فقه التمكين" دون امتلاك أدوات "هندسة السلطة" الكافية. سنحاول في هذه القراءة سبر أغوار هذا العقل السياسي عبر محاور تحليلية تربط بين نشأة "التنظيم المحاصر" في كنف دولة يوليو، وبين ارتباك أدواته الشورية أمام تسارع الأحداث الثورية، وصولاً إلى السؤال الجوهري حول مدى نجاعة "التربية السياسية" التقليدية في الصمود أمام تعقيدات الممارسة السياسية الرمادية والواقعية الميكافيلية للدولة الحديثة.

 البيروقراطية التنظيمية في مواجهة الزخم الثوري
تجلت الثغرة الجوهرية التي أشار إليها الدكتور يحيى سعد في عدم مواءمة "السرعة التنظيمية" للجماعة مع "الإيقاع المتسارع" للثورة. فبينما تتطلب اللحظات الثورية قرارات حاسمة ولحظية، كانت الجماعة أسيرة لهيكل بيروقراطي صلب بُني على مدار عقود لمواجهة الاستبداد لا لإدارة التحولات. هذا البطء يعكس أزمة بنيوية؛ حيث تحولت "المحافظة على التنظيم" من وسيلة لحماية الدعوة إلى غاية تسبق في أولويتها إنجاز الاستحقاقات السياسية، مما جعل الجماعة تبدو وكأنها تحاول قيادة قاطرة ثورية سريعة بفرامل إدارية تقليدية، وهو ما أدى في النهاية إلى فجوة بين تطلعات الشارع وحركة القيادة.
كشف التحليل النقدي للضيف أن "آلية الشورى" داخل القسم السياسي لم تُصمم لتكون أداة فعالة لـ "إدارة الأزمات" ، بل استُنزفت في مسارات إجرائية طويلة تفتقر إلى المرونة. في العلوم السياسية، تُفرق النظم بين "الشورى التأسيسية" التي تتطلب وقتاً لبناء توافق، وبين "القرار السياسي التكتيكي" الذي يحتاج إلى مناورة سريعة. الجماعة خلطت بينهما، فغابت "المرونة السياسية" المطلوبة في فترات الانتقال الديمقراطي الحرجة، وتحولت المداولات إلى عائق يمنع اقتناص الفرص التاريخية أو الرد السريع على مناورات الخصوم، مما جعل القرار يخرج غالباً "متأخراً" وبعد فوات أوان التأثير الفعال.
كما يشير تشخيص الدكتور يحيى إلى إشكالية عميقة في "الهوية الوظيفية" للقسم السياسي داخل الجماعة؛ فقد غلب عليه طابع "اللجنة الإدارية" بدلاً من "مطبخ صناعة السياسات". هذا الافتقار للحرفية السياسية جعل من الصعب هندسة قرارات تتسم بالجرأة الثورية، حيث كانت الحسابات التنظيمية الضيقة والمخاوف من المغامرة تطغى على حسابات المصلحة الوطنية الشاملة. إن توصيفه لحالة "التباطؤ" ليس مجرد نقد زمني، بل هو كشف عن عجز النخب التنظيمية عن التحول من عقلية "الجماعة الوظيفية" إلى عقلية "رجل الدولة" الذي يدرك أن إدارة الدولة في زمن الثورات تتطلب جسارة في المبادرة لا تتوفر في كتيبات التربية التنظيمية التقليدية.

 إشكالية "التربية السياسية" والذات الحضارية
يرتكز طرح الدكتور يحيى سعد على نقد حاد للمناهج الأكاديمية السائدة في العلوم السياسية، معتبراً إياها مناهج "منزوعة الروح" لكونها تعتمد كلياً على الفلسفة الغربية الميكافيلية التي تُعلي من شأن المنفعة الصرفة وتفصل القيم الدينية عن ممارسة السلطة. هذا النقد يتجاوز مجرد الرفض الأيديولوجي إلى محاولة البحث عن "أصول تربوية" تستند إلى الهوية الإسلامية، حيث يرى الضيف أن التربية السياسية يجب أن تبدأ من استعادة "الذات الحضارية" واستلهام قيم العدل والشورى من النص القرآني، ليس كمجرد شعارات، بل كقواعد اشتباك أخلاقية تضبط حركة الفرد والدولة في الفضاء العام، وهو ما يتقاطع مع طروحات مدرسة "إسلامية المعرفة".
تحليلياً، تبرز الإشكالية الكبرى في عدم قدرة الجماعة على تحويل هذه "التربية السياسية" من أطر تنظيرية ومثالية إلى "نماذج إجرائية" قابلة للتطبيق في دولة حديثة معقدة التشابكات. فبينما كان العضو يتربى على نصوص شرعية قطعية الدلالة، فإنه حين اصطدم بممارسات الحكم وجد نفسه أمام واقع "رمادي" يفتقر فيه إلى أدوات "هندسة السلطة" الواقعية. هذه الفجوة العميقة بين "النص المتخيل" و"الواقع المعاش" أدت إلى ارتباك شديد في ممارسة السلطة؛ حيث غابت "النظرية السياسية الوسيطة" التي تربط بين المقاصد الشرعية الكلية وبين تعقيدات البيروقراطية، والاقتصاد العالمي، والتعددية السياسية.
نقدياً، يكشف الدكتور يحيى أن الفشل في ردم هذه الفجوة أدى إلى نتائج عكسية؛ فبدلاً من أن تنتج الجماعة "رجل دولة" يحمل قيم الإسلام، أفرزت حالة من "التيه السياسي" لدى القواعد والقيادات على حد سواء. هذا الارتباك لم يضعف الأداء الحكومي فحسب، بل دفع بعض القطاعات الشبابية نحو مسارين متطرفين: إما "التمرد" والذهاب نحو خيارات أكثر راديكالية نتيجة الإحباط من عدم تحقق النموذج المثالي الموعود، أو "الاستلاب" التام أمام المناهج الواقعية الغربية بعد اكتشاف فقر الأدوات الحركية للجماعة. إن شهادة الضيف تشير بوضوح إلى أن استعادة الذات الحضارية لا تتحقق بمجرد الوعظ السياسي، بل بامتلاك "أدوات العصر" وصهرها في قالب الهوية، وهو ما عجزت عنه التجربة العملية للإخوان.

 تقييم فترة الحكم: "قوة مرسي واجتهاد المصلحة"
انطلق الدكتور يحيى سعد في شهادته من تفكيك الصورة الذهنية الشائعة عن الرئيس المعزول محمد مرسي بوصفه "رئيسًا ضعيفًا"، معتبرًا أن الإشكالية لم تكن في سمات الشخصية الفردية، بل في سياق ثوري استثنائي وجد فيه رجل قادم من "حزب الكنبة" أو العمل الحزبي التقليدي نفسه في مواجهة انفجار ثوري هائل. هذا الدفاع يضعنا أمام تحليل سياسي يفرق بين "الكفاءة الفردية" و"القدرة المؤسسية"؛ فالأزمة لم تكن في ضعف الإرادة لدى الرئيس، بل في عدم امتلاك الجماعة لمنظومة ظهير سياسي وإداري قادرة على تحويل قرارات الرئاسة إلى واقع ملموس داخل أروقة الدولة العميقة التي ظلت عصية على الاختراق.
طرح الضيف رؤية أخلاقية وسياسية تفرق بين "المجرم" الذي يتقصد الإضرار وبين "المجتهد" الذي يخطئ في تقدير المصلحة. ومع ذلك، فإن النقد السياسي الصارم يرى أن "حسن النوايا" ليس معيارًا للقيادة؛ ففي العلوم السياسية، تُقاس القرارات بآثارها لا بمقاصدها. إن اعتراف الضيف بوقوع أخطاء في "التأويل والاجتهاد" هو في الحقيقة إقرار بفشل "مطبخ القرار" في قراءة المشهد الكلي. فالاجتهاد الذي يؤدي إلى صدام صفري مع مؤسسات الدولة دون امتلاك أدوات حسم، يُصنف في التفكير الاستراتيجي كـ "مخاطرة غير مدروسة" أدت إلى تقويض التجربة برمتها، بغض النظر عن نزاهة القائمين عليها.
كشفت شهادة الضيف عن اعتراف جوهري بأن الجماعة "تعجلت ولم تتباطأ" في اللحظات التي كان يجب فيها الصبر. هذا التعجل أدى إلى خسارة "المكسب الاستراتيجي" الأهم وهو "الزخم الشعبي" والحاضنة التي صنعتها الثورة. فبدلاً من بناء تحالفات وطنية عريضة تحمي المسار الديمقراطي، اندفعت الجماعة نحو محاولة "التمكين السريع" أو حسم الملفات الكبرى منفردة، مما سهل مهمة "الدولة العميقة" في عزل الرئاسة عن قاعدتها الجماهيرية. إن ضياع الحاضنة الشعبية نتيجة سوء تقدير موازين القوى لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل كان القاتل الصامت للتجربة، حيث جُردت السلطة من شرعيتها الثورية قبل أن تُسلب منها شرعيتها الدستورية.

التكوين التاريخي وتأثير "دولة يوليو"
استعرض الدكتور يحيى سعد محطات تكوينه الأولي في محافظة الفيوم، وهي نشأة تزامنت مع أواخر الحقبة الناصرية وبدايات الانفتاح الساداتي. هذه الفترة لم تكن مجرد تعاقب زمني، بل كانت بيئة مشبعة بـ "حالة التعبئة العامة" وشعارات "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". يوضح التحليل أن هذا المناخ السياسي القائم على الحشد والنمط الواحد صبغ الوعي الجمعي للأجيال الصاعدة حينها؛ فبينما كان المجتمع يحتفل بالانتصارات العسكرية، كانت هناك "وجهة نظر أخرى" غائبة تماماً عن المشهد العام، تتمثل في القمع الشديد والتعذيب الذي تعرضت له الحركات الإسلامية في السجون. هذا التناقض الصارخ بين الرواية الرسمية للدولة والواقع المسكوت عنه في الزنازين، خلق شرخاً في الوعي السياسي لدى المنتمين للحركة، وجعلهم ينظرون للدولة ككيان "متسلط" يجب الحذر منه حتى في لحظات استقراره.
تحليلياً، يفسر الضيف كيف أن البيئة السياسية الخانقة التي نشأت فيها الجماعة جعلت خطابها يتسم بـ "الانغلاق الدفاعي". فلكي ينجو التنظيم من آلة القمع الأمنية، طور آليات عمل سرية وثقافة تعتمد على "الثقة المطلقة في الصف" والتشكيك في "الآخر" السياسي. الإشكالية الكبرى -كما يظهر من سياق الحلقة- هي أن هذا التكوين النفسي والتنظيمي "المحاصر" لم يتم تفكيكه بعد الثورة؛ بل انتقلت الجماعة إلى سدة الحكم وهي لا تزال تحمل "جينات الدفاع"، فتعاملت مع مؤسسات الدولة الحديثة والمعارضة بعقلية "التنظيم السري" الذي يخشى الاختراق، بدلاً من عقلية "الدولة المفتوحة" التي تستوعب الجميع. هذا الإرث التاريخي حول العلاقة بين الجماعة والدولة من علاقة "إدارة وتطوير" إلى "صراع وجودي" محتدم.
يرى الباحث في العلوم السياسية أن الصدام الذي حدث لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة حتمية لتعارض "هوية التنظيم" مع "طبيعة الدولة". فالدولة المصرية منذ 1952 تأسست كدولة مركزية صلبة تعتمد على "الولاء للمؤسسة"، بينما كان التنظيم يعتمد على "الولاء للفكرة والقيادة". عندما حاولت الجماعة ممارسة السلطة، اصطدمت ببيروقراطية الدولة التي رأت في التنظيم "جسماً غريباً" يحاول اختطاف المجال العام. فشلت الجماعة في التحرر من نموذج "الجماعة المدافعة" لتصبح "حزباً سياسياً" بالمعنى الحديث، وظلت أسيرة لإرث المواجهة مع دولة يوليو، مما أدى في النهاية إلى انفجار التناقضات بين شرعية التنظيم التاريخية وبين متطلبات الدولة القومية الحديثة التي لا تقبل شريكاً في السيادة.

خاتمة:
في الختام، تظل شهادة الدكتور يحيى سعد بمثابة "مرآة كاشفة" لأزمة البنية الوظيفية في حركات الإسلام السياسي، حيث أثبتت التجربة أن الحصانة الأيديولوجية والتماسك التنظيمي ليسا بديلين عن "الحرفية السياسية" و"الخيال الاستراتيجي". لقد كشفت الحلقة أن الجرح الغائر لم يكن نتاج ضغوط خارجية فحسب، بل كان نتيجة حتمية لتعثر الجماعة في عبور الجسر الفاصل بين "النص المثالي" و"الواقع المعقد"، وعجزها عن التحرر من جينات "التنظيم المدافع" لتصبح "فاعلاً سياسياً" قادراً على استيعاب الدولة لا الاصطدام بها. إن هذا النقد الهادئ من الداخل يضعنا أمام حقيقة أن أي مشروع مستقبلي يستلهم المرجعية الحضارية، لا بد أن يبدأ من ردم الفجوة بين "الوعظ السياسي" و"علم الإدارة"، وإعادة تعريف العلاقة مع الدولة والمجتمع بعيداً عن هواجس الانغلاق وإرث المواجهات التاريخية.

شارك