حسام الحداد يكتب: استراتيجية التسلل الناعم: كيف مهد الهضيبي الطريق لهيمنة الجماعة على مفاصل الدولة؟ (2_2)

الإثنين 01/يونيو/2026 - 01:20 م
طباعة حسام الحداد يكتب:
 
تأتي هذه الورقة البحثية استكمالاً للسلسلة التحليلية "استراتيجية التسلل الناعم: كيف مهد الهضيبي الطريق لهيمنة الجماعة على مفاصل الدولة؟ (1_2)"، حيث تُعد تجربة المستشار حسن إسماعيل الهضيبي بمثابة "حجر الزاوية" في فهم العلاقة الإشكالية والمعقدة بين السلطة القضائية والعمل السياسي الأيديولوجي في مصر. إن تأثير هذه التجربة لم يتوقف عند عصره، بل امتد ليغرس بذوراً أحدثت انقسامات معرفية ومهنية ممتدة لعقود في عقلية القاضي المصري؛ إذ تحول مساره من منصة القضاء إلى مقعد المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين إلى "نموذج مرجعي" أثار جدلاً حول جوهر وظيفة القاضي، وما إذا كان ينبغي عليه التزام الحياد أو الانخراط في توجيه المجتمع، مما جعل تجربته نقطة تحول محورية في فهم تحديات استقلال القضاء أمام الضغوط الأيديولوجية.
إن التداعيات التاريخية لهذه التجربة أفرزت حالة من التجاذب الدائم داخل المؤسسة القضائية، حيث أدى الانتقال من "حكم" مستقل يطبق القانون إلى "لاعب" سياسي إلى وضع القضاة في مواجهة خيارات قسرية بين الانغماس في السياسة الأيديولوجية أو التحصن خلف صرامة القانون الوضعي. هذا الانقسام الذي أرسى قواعده الهضيبي لم يؤثر فقط على السلوك الفردي للقضاة وتصاعد "النزعة الاستقلالية المتشددة" في فترات لاحقة، بل أدى أيضاً إلى تنامي توجس السلطة التنفيذية من أي تجمع قضائي، مما مهد الطريق لتدخلات الدولة في التعيينات والتحصينات لضمان منع تكرار سيناريو اختراق مفاصل الدولة من الداخل، وهو ما يفسر التوترات والانقسامات الحادة التي شهدها نادي القضاة في العقدين الأخيرين.
أسطورة الاستقلال" مقابل "التسييس الأيديولوجي
لقد أحدثت تجربة المستشار حسن الهضيبي انقساماً معرفياً ومهنياً عميقاً في عقلية القاضي المصري، ممتدة آثارُه عبر عقود، حيث أثارت جدلاً حول جوهر وظيفة القاضي ودوره في الفضاء العام. ولم تكن هذه التجربة مجرد واقعة تاريخية، بل تحولت إلى "نموذج مرجعي" انقسم حوله القضاة، مما أعاد تشكيل الرؤية لمفهوم "استقلال القضاء" في مواجهة الضغوط الأيديولوجية المتلاحقة.
على جانب، ترسخت لدى أجيال لاحقة من القضاة -لاسيما خلال فترتي السبعينيات والثمانينيات- قناعة بأن القاضي ليس مجرد موظف يطبق نصوص القانون بشكل آلي، بل هو "نخبوي سياسي" يمتلك بالضرورة دوراً في توجيه المجتمع وحماية مكتسباته. وقد استلهم هذا التيار النموذج الهضيبي الذي جمع ببراعة بين اعتلاء "المنصة" وممارسة "التأثير السياسي"، معتقدين أن الانخراط في الشأن العام هو جزء لا يتجزأ من رسالة القاضي في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى.
في المقابل، ولد هذا التوجه رد فعل عكسي حاد من تيار آخر داخل المؤسسة القضائية، رأى في تجربة الهضيبي خطراً وجودياً يهدد "عقيدة الاستقلال" التي ينبغي أن يتحلى بها القاضي. فقد اعتبر هذا التيار أن أي دمج بين الصفة القضائية والعمل السياسي، مهما كانت مبرراته، يؤدي بالضرورة إلى انحيازات مسبقة تفرغ "العدالة" من معناها وتجعلها أسيرة لأجندات معينة، مما يتناقض مع جوهر وظيفة القاضي كحكم محايد.
نتيجة لذلك، تصاعدت "نزعة استقلالية متشددة" داخل أروقة القضاء خلال فترتي السبعينيات والثمانينيات، حيث سعت هذه النزعة إلى تحصين القضاء ضد أي "أدلجة" محتملة، سواء كانت ذات مرجعية إخوانية أو ناصرية. وقد عمل هذا التيار على إرساء تقاليد صارمة ترفض أي انخراط سياسي علني، معتبرين أن استقلال القضاء الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال "التحصن القانوني" والابتعاد التام عن الاصطفافات السياسية لضمان نزاهة الأحكام وثقة الجمهور.

نشوء "تيار الاستقلال القضائي" كاستجابة غير مباشرة
يمكن قراءة حركة "استقلال القضاء" التي تصاعدت وتيرتها في حقبة التسعينيات وبداية الألفية، باعتبارها استجابة تاريخية تراكمية لإرث التسييس الذي بدأ منذ أربعينيات القرن الماضي. فلم تكن هذه الحركة مجرد مطالبة حقوقية عابرة، بل كانت نتيجة لوعي متزايد بمخاطر التداخل بين منصة القضاء والعمل السياسي، وهي محاولة واعية لتصحيح المسار بعد عقود من الاضطرابات التي مست هيبة المؤسسة القضائية.
لقد اكتسب الجيل الذي تلا المستشار الهضيبي خبرة مريرة من استقراء التاريخ، حيث ترسخ لديهم الدرس بأن أي اختراق أيديولوجي لمفاصل القضاء يمنح السلطة التنفيذية المسوغ الأخلاقي والقانوني للتدخل في شؤون المؤسسة تحت ذريعة "تطهير القضاء". ونتيجة لذلك، اتجه هذا الجيل إلى تبني خطاب قانوني صرف يتسم بالتحفظ الشديد، مبتعداً عن التسييس الصريح، وذلك كآلية دفاعية للتحصن من تكرار تجارب "تأميم القضاء" وما تبعها من تصفيات مهنية قاسية.
على الرغم من هذا التحصن المهني الظاهري، ظل "نموذج الهضيبي" حاضراً في أشكال أكثر دقة وغموضاً؛ إذ انتقلت تكتيكات التغلغل من الصدام السياسي المعلن إلى ما يعرف بـ "الحرب القانونية" (Lawfare). وفي هذا الإطار، استُخدمت الأحكام القضائية كأداة ذكية لخدمة أجندات تيار الإسلام السياسي، ليس من خلال الشعارات السياسية المباشرة، بل عبر تبني "تفسيرات توسعية" للنصوص القانونية تخدم التوجهات الأيديولوجية للتيار.
بهذا الشكل، أصبحت النصوص القانونية تُطوع بمهارة لتمرير رؤى محددة، مما جعل من التغلغل الأيديولوجي عملية مستترة وأكثر تعقيداً من ذي قبل. وهكذا، أفرز الصراع بين النزعة الاستقلالية والتكتيكات التسللية حالة من التجاذب داخل القضاء، حيث ظل الطموح نحو استقلال حقيقي ومجرد من الأيديولوجيا في مواجهة مستمرة مع الموروث الذي يرى في المنصة القضائية وسيلة لتحقيق أهداف سياسية وتنظيمية بعيدة المدى.
الصراع بين "القانون الوضعي" و"الشريعة" داخل المنصة
لقد أحدثت تجربة المستشار حسن الهضيبي تحولاً جذرياً في طبيعة الجدل الدائر حول "مرجعية القانون" داخل أروقة القضاء المصري، حيث أسس الهضيبي -بفضل خبرته القانونية العميقة- لمفهوم جديد يمنح القاضي دوراً يتجاوز التفسير الحرفي للنصوص الوضعية. لقد شرعن الهضيبي فكرة أن القاضي المسلم لا ينبغي أن يكون مجرد أداة لتطبيق القانون الوضعي فحسب، بل يجب عليه استحضار مرجعيته الشرعية وقيمه الدينية أثناء ممارسة مهامه القضائية، وهو ما وضع بذوراً فكرية أثرت بعمق في أجيال متعاقبة من القضاة.
وبحلول فترتي الثمانينيات والتسعينيات، بدأت آثار هذا التوجه تظهر بوضوح في الممارسات القضائية؛ حيث ساد بين قطاع عريض من القضاة اتجاه نحو ما يمكن تسميته بـ "أدلجة الأحكام" تحت غطاء "مقاصد الشريعة". لقد أصبح التذرع بالمقاصد الشرعية وسيلةً لتكييف النصوص القانونية وتوجيهها، مما منح الأحكام صبغة أيديولوجية واضحة، وأخرجها من دائرة التجريد القانوني البحت إلى فضاء التفسيرات القائمة على الرؤى الأيديولوجية والشرعية الخاصة بكل قاضٍ.
هذا التحول الفكري أدى بدوره إلى "تآكل مؤسسي" داخل القضاء، حيث لم تعد المؤسسة القضائية تعمل ككيان موحد يطبق القانون الوضعي كمرجعية وحيدة وناجزة، بل تحولت في نظر الكثيرين إلى ساحة للاشتباك الفكري والحقوقي. فقد برز صراع محتدم بين اتجاهين متناقضين: تيار يتبنى المدارس القانونية الكلاسيكية المتأثرة بالأنظمة اللاتينية أو ما يوصف بـ "التغريب"، وتيار "أصولي" يسعى لفرض مرجعيته الخاصة، مما خلق حالة من التباين والاضطراب في الرؤى القانونية.
إن هذه الازدواجية في المرجعيات ساهمت بشكل مباشر في إضعاف "توحيد الاجتهاد القضائي" في مصر؛ إذ أصبحت الأحكام القضائية تعكس في جوهرها انتماءات القاضي الفكرية أكثر من انعكاسها لنصوص قانونية مستقرة ومتفق على تفسيرها. وبذلك، تحول القضاء من مؤسسة تضمن الأمن القانوني من خلال وحدة المبادئ، إلى مؤسسة تثير في كثير من الأحيان جدلاً مجتمعياً وقانونياً واسعاً حول مرجعية القرار القضائي، وهو ما ألقى بظلاله الثقيلة على مفهوم سيادة القانون في الدولة الوطنية.
"عقدة الولاء": المهنة أم التنظيم؟
لقد خلّفت تجربة المستشار حسن الهضيبي إرثاً معقداً تمثل في "عقدة الولاء" التي ظلت تلاحق الأجيال اللاحقة من القضاة المتعاطفين مع الجماعة، حيث وضعتهم أمام اختبار بنيوي حاد بين مقتضيات الوظيفة القضائية وواجبات البيعة التنظيمية. لقد عاش هؤلاء القضاة في جوهر الصراع الذي خاضه الهضيبي، محاولين الموازنة بين "قسم القاضي" الذي يوجب التجرد والعدل المطلق، وبين "قسم البيعة" الذي يفرض على العضو الانصياع التام لتراتبية التنظيم وأوامره.
تكمن "المسكوت عنه" في هذه المعضلة في كيفية التوفيق بين صفة القاضي كحارس للقانون، وبين كونه عضواً في "تنظيم سري" يفرض مبدأ السمع والطاعة، خاصة عندما يتطلب الموقف القضائي الفصل في قضايا تمس أمن الدولة أو تتقاطع مع مصالح التنظيم ذاته. هذا التناقض لم يكن مجرد صراع نظري، بل أضحى تحدياً أخلاقياً ومهنياً يواجهه القاضي في غرف المداولة، حيث تصبح الضمائر والأحكام في مواجهة مباشرة مع الأيديولوجيا، مما يطرح تساؤلات جوهرية عن إمكانية تحقق حياد القاضي في ظل هذه الازدواجية في الولاء.
استجابة لهذه التحديات، أفرزت التجربة التاريخية نمطاً جديداً من القضاة "المحترفين" الذين طوروا تكتيكات "الاستتار"، حيث اتجهوا لممارسة نفوذهم وتغلغلهم في صمت بعيداً عن المناصب القيادية أو الواجهات الرسمية البراقة. لقد أدرك هؤلاء القضاة أن الصخب السياسي المكشوف يجلب الرقابة الأمنية، ففضلوا العمل من خلال "القواعد" والدرجات الوظيفية الوسطى بدلاً من محاولة الوصول إلى "القمم" أو رئاسة المحاكم، مما جعل تأثيرهم أكثر خفاءً وأقل عرضة للمساءلة.
ويُعد هذا الأسلوب أكثر فعالية بكثير في عرقلة القرارات الحكومية أو تمرير تفسيرات قانونية تخدم الأهداف الأيديولوجية للتنظيم دون إثارة انتباه السلطة التنفيذية أو إحداث رد فعل مؤسسي مضاد. ومن خلال هذه التكتيكات المتوارية، استطاع هذا التيار أن يخلق تأثيراً تراكمياً داخل مفاصل القضاء، حيث تُستخدم الأدوات القانونية المتاحة لتكييف الأحكام بما يتوافق مع الرؤية التنظيمية، مما حول عملية "التسلل" إلى ممارسة يومية روتينية تهدف إلى تحقيق التمكين الأيديولوجي في الدولة من الداخل بأقل قدر من المواجهة الظاهرة.

النتيجة التاريخية: 
تغلغل نموذج "الهضيبي" في وعي النخب الحاكمة أدى في النهاية إلى "توجس" دائم لدى السلطة التنفيذية من أي تجمع قضائي. هذا التوجس هو الذي مهد الطريق لاحقاً لتحكم السلطة التنفيذية في مفاصل القضاء (تعيينات، انتدابات، تحصينات) لضمان عدم تكرار "نموذج الهضيبي" الذي كان يهدد بقلب الطاولة على النظام من داخل مؤسساته.
وأخيرا لقد حوّل الهضيبي القضاء من "حكم" إلى "لاعب". هذا التحول جعل الجيل الذي تلاه يواجه خيارين قسريين: إما الانغماس في السياسة الأيديولوجية (وبالتالي فقدان استقلال القاضي)، أو التحصن وراء "القانون الوضعي الجاف" (وبالتالي فقدان القاضي لدوره المجتمعي). هذا الانقسام هو الذي يفسر الانقسامات الحادة التي شهدها نادي القضاة في العقدين الأخيرين.

شارك