الأرشمندريت كيرلس ستافروس: لماذا لم تُحرم الكنيسة القبطية الأب متى المسكين رغم خلافاته مع ثلاثة بطاركة
الإثنين 08/يونيو/2026 - 11:14 ص
طباعة
روبير الفارس
أعاد مقال للأرشمندريت كيرلس ستافروس، راعي كنيسة القديس يوسف للروم الكاثوليك، الجدل حول شخصية الأب متى المسكين، أحد أبرز الرهبان والمفكرين في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المعاصر، متسائلًا عن أسباب عدم صدور أي حكم كنسي بحرمانه رغم الخلافات التي جمعته بثلاثة بطاركة متعاقبين.
ويرى الأرشمندريت كيرلس أن كثيرًا من الأحكام المتداولة بشأن الأب متى المسكين تقوم على خلط بين الخلافات الفكرية والإدارية من جهة، والقضايا العقائدية من جهة أخرى، مؤكدًا أن الرجل لم يُحرم كنسيًا ولم يُجرَّد من رهبنته بصورة نهائية، بل توفي راهبًا وقمصًا أرثوذكسيًا محتفظًا بمكانته الكهنوتية.
خلافات متعددة.. وسياقات مختلفة
ويستعرض كيرلس ستافروس مسيرة الأب متى المسكين مع ثلاثة بطاركة، معتبرًا أن هذه الخلافات لم تكن ذات طبيعة عقائدية في جوهرها.
ففي عهد البابا يوساب الثاني، ارتبط اسم الراهب متى المقاري بالحركة الإصلاحية التي شهدتها الكنيسة في خمسينيات القرن الماضي، حيث دعا إلى إصلاحات روحية وإدارية ورهبانية في فترة اتسمت باضطرابات داخلية وانتقادات واسعة لأوضاع الإدارة الكنسية آنذاك.
أما في عهد البابا كيرلس السادس، فقد برز الخلاف حول نمط الحياة الرهبانية وإدارة الأديرة، بعدما اتجه الأب متى المسكين وعدد من الرهبان إلى حياة نسكية صارمة في وادي الريان. وأشار الكاتب إلى أن القرارات التي اتخذت بحقه في تلك الفترة كانت ذات طابع تأديبي وإداري مرتبط بمسألة الطاعة والنظام الكنسي، وليست أحكامًا عقائدية. كما لفت إلى أن البابا كيرلس السادس عاد لاحقًا وكلف الأب متى المسكين بإحياء دير الأنبا مقار عام 1969، وهو ما اعتبره إنهاءً عمليًا للخلاف السابق.
الصدام الأشهر مع البابا شنودة الثالث
ويخصص الأرشمندريت كيرلس مساحة واسعة للحديث عن العلاقة المعقدة بين الأب متى المسكين والبابا شنودة الثالث، واصفًا إياها بأنها كانت مزيجًا من الخلاف الفكري والظروف السياسية.
فمن الناحية الفكرية، يرى الكاتب أن الخلاف دار بين مدرستين داخل الكنيسة: الأولى تمثلها كتابات الأب متى المسكين ذات الطابع الآبائي والروحي العميق، والثانية تمثل المدرسة التعليمية والوعظية التي ارتبطت بشخص البابا شنودة الثالث.
أما سياسيًا، فيشير المقال إلى تداعيات أزمة سبتمبر 1981 بين الرئيس الراحل أنور السادات والبابا شنودة الثالث، وما رافقها من جدل حول إدارة شؤون الكنيسة خلال فترة تحديد إقامة البابا في دير الأنبا بيشوي.
لماذا لم يصدر حكم بالحرمان؟
ويؤكد الأرشمندريت كيرلس أن النقطة الجوهرية في القضية تكمن في عدم صدور أي قرار رسمي من المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يقضي بحرمان الأب متى المسكين أو اعتباره خارجًا عن الإيمان الأرثوذكسي.
ويشير إلى أن الحرمان الكنسي يُعد من أخطر العقوبات الكنسية، ولا يصدر إلا في حالات الانحراف العقائدي الواضح وبعد إجراءات ومحاكمات كنسية محددة. ويرى أن عدم اتخاذ مثل هذا القرار بحق الأب متى المسكين يعكس إدراكًا كنسيًا بأن الخلافات معه لم تصل إلى مستوى الإدانة العقائدية الرسمية.
كما يعتبر أن الانتقادات التي وُجهت إلى بعض كتاباته عبر العقود كانت جزءًا من سجال فكري ولاهوتي طويل، أكثر منها أحكامًا كنسية ملزمة.
إرث مستمر بعد الرحيل
ويختتم الأرشمندريت كيرلس ستافروس مقاله بالتأكيد على أن الأب متى المسكين ظل حتى وفاته شخصية مؤثرة في الفكر المسيحي المعاصر، وأن الجدل الدائر حوله لم ينجح في إقصاء حضوره الفكري أو الحد من انتشار مؤلفاته، التي ما زالت محل دراسة ونقاش داخل أوساط كنسية وأكاديمية متعددة.
ويرى أن استمرار الاهتمام بتراث الأب متى المسكين بعد أكثر من عقدين على رحيله يعكس المكانة التي يحتلها في تاريخ الفكر الكنسي الحديث، بغض النظر عن المواقف المتباينة تجاه بعض آرائه أو اجتهاداته اللاهوتية.
نص المقال
كتب الارشمندريت كيرلس يقولبين الخلاف الفكري والحرمان الكنسي: لماذا لم يُحرم أبونا متى المسكين رغم اختلافه مع ثلاثة بطاركة؟
دايماً لما ييجي سيرة أبونا متى المسكين، تلاقي اللي يقولك: "ده الراجل ده اختلف مع ثلاثة بطاركة ورا بعض!". والجملة دي بتتقال أوقات وكأنها إدانة، أو كأنها دليل على إنه كان "مشاغب الكنيسة". لكن لما تدرس تاريخ لاهوتي وكنسي صح، وتدور ورا الحقيقة، هتكتشف إن الكلام ده وراه خلط كبير بين "الخلاف الفكري والإداري" وبين "الموقف العقيدي".
والسؤال الحقيقي اللي لازم نجاوب عليه بكل شجاعة: هل أبونا متى المسكين اتـشـلح أو اتـحـرم؟ الإجابة القاطعة هي: لا. الراجل مات وهو راهب قمص أرثوذكسي، لابس إسكيمه، ومستور بالكهنوت بتاعه. وطالما مفيش "حرم" رسمي، يبقى كل الهجوم ده كان مجرد زوبعة في فنجان السياسة الكنسية. تعالوا نفهم الحكاية مشيت إزاي مع الثلاث بطاركة.
أولاً: حكاية أبونا متى مع البطاركة الثلاثة.. إيه اللي حصل؟
أبونا متى مكنش داخل "خناقة" مع أشخاص، هو كان صاحب مدرسة إصلاحية وتجديدية في وقت الكنيسة كانت بتمر فيه بمراحل انتقالية صعبة جداً:
1. مع البابا يوساب الثاني (أزمة جماعة الأمة القبطية):
في الخمسينات، الكنيسة كانت بتعاني من ضعف إداري كبير، وظهرت حركات شبابية ثائرة عايزة الإصلاح (زي جماعة الأمة القبطية اللي خطفت البابا يوساب لإجباره على الإصلاح). أبونا متى (وكان وقتها اسمه الراهب متى المقاري) كان بينادي بالإصلاح الروحي والرهباني والمالي، وكتب كتابه الشهير "المرأة.. حقوقها وواجباتها" وحاجات تانية هزت المياة الراكدة. الخلاف هنا مكنش عقيدي، كان خلاف بين "شباب غيور عايز يصلح" وبين "إدارة كنسية قديمة وتقليدية".
2. مع البابا كيرلس السادس (خلاف الرهبنة والإدارة):
لما جه البابا كيرلس السادس (القديس العظيم)، حصل صدام في وجهات النظر حولين "إدارة الرهبنة". أبونا متى ومجموعته (اللي كان من ضمنهم نظير جيد قبل ما يبقى البابا شنودة) راحوا صحراء وادي الريان وعاشوا رهبنة توحدية تقشفية صارمة جداً برة إشراف البطريركية المباشر. البابا كيرلس اعتبر ده خروج عن الطاعة والنظام الكنسي، وأصدر قرار بـ "تجريد" أبونا متى ومجموعته سنة 1960.
ولكن! هل ده كان حرمان عقيدي؟ لأ، ده كان قرار تأديبي إداري بسبب "الطاعة". والدليل إن البابا كيرلس نفسه، لما لقى غيرة الراجل وعمق رهبنته، استدعاه سنة 1969 وسلمه دير الأنبا مقار المتهدم وقاله: "روح عمره يا متى". وبكده انتهى الخلاف ورجع أبونا متى بكامل رتبته الكهنوتية وبعمامة دير الأنبا مقار.
3. مع البابا شنودة الثالث (الصراع الفكري الأكبر):
ده بقى الخلاف الأطول والأشهر، وده اللي اتعلمنا منه في دراستنا للاهوت. الخلاف هنا كان على جبهتين:
جبهة فكرية: صراع بين مدرسة "الإحياء الآبائي والعمق الروحي" (أبونا متى) ومدرسة "التعليم الوعظي والدفاع العقيدي والتبسيط" (البابا شنودة).
جبهة سياسية: لما حصل الصدام بين البابا شنودة والرئيس أنور السادات سنة 1981، والسادات حدد إقامة البابا في الدير، لجأ السادات لأبونا متى المسكين كشخصية حكيمة ومحايدة لإدارة الأزمة. أبونا متى رفض تماماً إنه يقعد على الكرسي البطريركي (زي ما السادات كان عايز)، لكنه وافق يقود "لجنة إدارة الكنيسة" عشان يحمي الشعب والكنيسة من بطش الدولة. الخطوة دي اتفسرت من محبي البابا شنودة على إنها "خيانة"، واتنقل الخلاف من سياسي لـ لاهوتي، وبدأت حملة شرسة لتفنيد كتب أبونا متى ومنعها.
ثانياً: طالما لم يُحرم.. فلماذا كل هذا الخوف والمنع؟
هنا المربط الفرس؛ في القوانين الكنسية، "الحرمان" (Anathema) مبيطلعش إلا في حالة واحدة بس: الانحراف العقيدي الواضح (الهرطقة) بعد محاكمة كنسية عادلة ومواجهة بـ نصوص صريحة.
الكنيسة القبطية عبر المجمع المقدس لم تجرؤ يوماً على إصدار حكم "حرم" ضد أبونا متى المسكين. ليه؟
لأنهم عارفين كويس جداً إن الراجل مش هرتوقي، ده راجل شارب لاهوت الآباء (أثناسيوس وكيرلس وباسيليوس) عن ظهر قلب. كتاباته صعبة على الودن اللي اتعودت على التبسيط، ومصطلحاته لاهوتية تقيلة (زي الاتحاد بالطبيعة الإلهية، واللاهوت الكياني)، لكنها أرثوذكسية وآبائية 100%.
بما إن المجمع مقدرش يحرمه لاهوتياً، لجأوا للحصار الإداري والتخويف:
ممنوع كتبه تنزل مكتبات الكنائس.
تخويف خدام مدارس الأحد من القراءة له.
إشاعة إن فكره "غير أرثوذكسي" بدون محاكمة رسمية.
الختام: التاريخ لا يرحم الشكليات.. وينصف الروح
النهاردة، إحنا ككاثوليك، وبالمشاركة مع كل دارس لاهوت حقيقي في العالم وفي مصر، بنبص للواقع وبنضحك؛ لأن المنع الإداري فشل. أبونا متى المسكين عاش راهب، ومات راهب، واندفن في مغارة في ديره بكامل كرامته الكهنوتية، ومحدش قدر ينزع منه نعمته.
الخلاف مع ثلاثة بطاركة مكنش دليل عيب في أبونا متى، بل كان دليل على إن الراجل ده كان "سابق عصره"، وكان بيمثل صوت صارخ في البرية بيطالب بالعمق والإصلاح في زمن كانت الغلبة فيه للصراعات الإدارية والسياسية والوعظ السطحي. طالما لم يحرم، فكتاباته ستظل منارة صالحة لكل طائفة وكل مسيحي عايز يعرف يعني إيه "حياة مع المسيح".
بين الخلاف الفكري والحرمان الكنسي: لماذا لم يُحرم أبونا متى المسكين رغم اختلافه مع ثلاثة بطاركة؟
دايماً لما ييجي سيرة أبونا متى المسكين، تلاقي اللي يقولك: "ده الراجل ده اختلف مع ثلاثة بطاركة ورا بعض!". والجملة دي بتتقال أوقات وكأنها إدانة، أو كأنها دليل على إنه كان "مشاغب الكنيسة". لكن لما تدرس تاريخ لاهوتي وكنسي صح، وتدور ورا الحقيقة، هتكتشف إن الكلام ده وراه خلط كبير بين "الخلاف الفكري والإداري" وبين "الموقف العقيدي".
والسؤال الحقيقي اللي لازم نجاوب عليه بكل شجاعة: هل أبونا متى المسكين اتـشـلح أو اتـحـرم؟ الإجابة القاطعة هي: لا. الراجل مات وهو راهب قمص أرثوذكسي، لابس إسكيمه، ومستور بالكهنوت بتاعه. وطالما مفيش "حرم" رسمي، يبقى كل الهجوم ده كان مجرد زوبعة في فنجان السياسة الكنسية. تعالوا نفهم الحكاية مشيت إزاي مع الثلاث بطاركة.
أولاً: حكاية أبونا متى مع البطاركة الثلاثة.. إيه اللي حصل؟
أبونا متى مكنش داخل "خناقة" مع أشخاص، هو كان صاحب مدرسة إصلاحية وتجديدية في وقت الكنيسة كانت بتمر فيه بمراحل انتقالية صعبة جداً:
ثانياً: طالما لم يُحرم.. فلماذا كل هذا الخوف والمنع؟
هنا المربط الفرس؛ في القوانين الكنسية، "الحرمان" (Anathema) مبيطلعش إلا في حالة واحدة بس: الانحراف العقيدي الواضح (الهرطقة) بعد محاكمة كنسية عادلة ومواجهة بـ نصوص صريحة.
الكنيسة القبطية عبر المجمع المقدس لم تجرؤ يوماً على إصدار حكم "حرم" ضد أبونا متى المسكين. ليه؟
لأنهم عارفين كويس جداً إن الراجل مش هرتوقي، ده راجل شارب لاهوت الآباء (أثناسيوس وكيرلس وباسيليوس) عن ظهر قلب. كتاباته صعبة على الودن اللي اتعودت على التبسيط، ومصطلحاته لاهوتية تقيلة (زي الاتحاد بالطبيعة الإلهية، واللاهوت الكياني)، لكنها أرثوذكسية وآبائية 100%.
بما إن المجمع مقدرش يحرمه لاهوتياً، لجأوا للحصار الإداري والتخويف:
ممنوع كتبه تنزل مكتبات الكنائس.
تخويف خدام مدارس الأحد من القراءة له.
إشاعة إن فكره "غير أرثوذكسي" بدون محاكمة رسمية.
الختام: التاريخ لا يرحم الشكليات.. وينصف الروح
النهاردة، إحنا ككاثوليك، وبالمشاركة مع كل دارس لاهوت حقيقي في العالم وفي مصر، بنبص للواقع وبنضحك؛ لأن المنع الإداري فشل. أبونا متى المسكين عاش راهب، ومات راهب، واندفن في مغارة في ديره بكامل كرامته الكهنوتية، ومحدش قدر ينزع منه نعمته.
الخلاف مع ثلاثة بطاركة مكنش دليل عيب في أبونا متى، بل كان دليل على إن الراجل ده كان "سابق عصره"، وكان بيمثل صوت صارخ في البرية بيطالب بالعمق والإصلاح في زمن كانت الغلبة فيه للصراعات الإدارية والسياسية والوعظ السطحي. طالما لم يحرم، فكتاباته ستظل منارة صالحة لكل طائفة وكل مسيحي عايز يعرف يعني إيه "حياة مع المسيح".
