حسام الحداد يكتب: تأثير الإخوان المسلمين على القاعدة وداعش وإيران (3-3)
الإثنين 08/يونيو/2026 - 11:59 ص
طباعة
حسام الحداد
ما هي أوجه التعاون والخلاف بين الإخوان وإيران رغم التباين الطائفي؟
تأتي دراسة العلاقات الجدلية بين جماعة الإخوان المسلمين والجمهورية الإسلامية الإيرانية كحلقة مكملة ولا غنى عنها في فهم خريطة "الإسلام السياسي العابر للحدود". فبعد أن تتبعنا في المحورين السابقين كيف شكلت أدبيات الإخوان المسلمين وجهازهم التنظيمي الحاضنة الفكرية الأولى والهيكل التأسيسي الذي انبثقت منه جماعات العنف السني الراديكالي مثل "تنظيم القاعدة" و"تنظيم داعش"، يضعنا هذا المحور أمام نمط مختلف تمامًا من التأثير والتأثر. إنه نمط يتجاوز حدود الصراع الداخلي في الفضاء السني، ليتشابك مع دولة إقليمية كبرى قائمة على الأيديولوجيا الشيعية الثورية، مما يبرهن على أن ديناميكيات "الإسلام الحركي" تمتلك مرونة فائقة تتخطى التمترس المذهبي التقليدي عندما تتقاطع الغايات السياسية الكبرى.
وتكشف القراءة المعمقة للمصادر التاريخية والسياسية أن التميز الفكري والتنظيمي للإخوان (الذي استعرضنا تداعياته سابقًا في صناعة الفكر المتطرف) حظي بصدى واسع وجاذبية خاصة لدى النخبة الشيعية الثورية في طهران حتى قبل عام 1979، مما أنتج علاقة مركبة ومليئة بالتعقيدات. فبينما اتسمت علاقة الإخوان بالتنظيمات الجهادية (القاعدة وداعش) بالانشطار والتصادم على مشروعية القيادة وأساليب العمل رغم وحدة المنبت السني، اتخذت علاقتهم بإيران مسارًا براغماتيًا يتأرجح باستمرار بين "التعاون العملياتي" لمواجهة خصوم مشتركين، و"الخلاف الهيكلي" المرتكز على أبعاد عقائدية ومنهجية وسياسية تشكل خطوطًا حمراء لكلا الطرفين؛ وهو ما نفصله في هذا المحور عبر تبيان أوجه التقارب ونقاط التباين.
أولًا: أوجه التعاون والتقارب (المشتركات الجيوسياسية والأيديولوجية)
تُثبت القراءة الفاحصة للتاريخ السياسي الحديث أن الجدار الطائفي السميك بين السنة والشيعة لم يكن مانعًا مطلقًا أمام نشوء مساحات تقاطع واسعة بين جماعة الإخوان المسلمين والجمهورية الإسلامية الإيرانية. فقد تأسست العلاقة بين الطرفين على قاعدة "التقاء الغايات الحركية"، حيث رأت طهران في الجماعة ذراعًا سنيّة قادرة على كسر عزلتها الإقليمية ونشر نفوذها، بينما وجد الإخوان في الصعود الإيراني نموذجًا ملهمًا لكسر هيمنة النظم العلمانية وإمكانية تجسيد "الدولة الإسلامية" على أرض الواقع، مما جعل البراغماتية السياسية تتفوق في محطات كثيرة على الخلافات المذهبية.
تجلت هذه العلاقة التشاركية في أبعاد متعددة تراوحت بين التأثر الفكري المتبادل، والدعم السياسي والإعلامي المتبادل في لحظات التحول الكبرى، وصولًا إلى التنسيق العملياتي والعسكري المباشر في مواجهة الخصوم المشتركين. ويمثل هذا التقارب نموذجًا حيًا لـ "الإسلام السياسي العابر للحدود والمذاهب"، حيث تم تجميد الخلافات الفقهية العميقة لصالح التمكين السياسي وبناء جبهات موحدة، وهو ما يمكن تفصيله من خلال النقاط الخمس التالية:
التأثير الفكري المشترك (مدرسة سيد قطب)
شكلت أدبيات المنظر الإخواني سيد قطب، لاسيما أفكاره حول "الحاكمية" و"جاهلية المجتمع" وعالمية الرسالة الإسلامية، جسرًا فكريًا عبر المذاهب ووجد صدى عميقًا لدى النخبة الشيعية الثورية في إيران قبل عام 1979. لقد تقدمت هذه الأفكار كدليل عملي لتبرير الخروج على الأنظمة القائمة وصياغة خطاب إسلامي حركي راديكالي. ويتجلى هذا التأثر بوضوح في قيام المرشد الأعلى الحالي لجمهورية إيران، علي خامنئي، بترجمة كتابين مركزيين لسيد قطب إلى اللغة الفارسية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهما "المستقبل لهذا الدين" و"خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"، واصفًا قطب في مقدمته بأنه "المفكر المجاهد"
لم يقتصر هذا التأثر على البعد النظري فحسب، بل امتد ليشمل البناء الهيكلي والتنظيمي للمجموعات الإيرانية المسلحة؛ إذ استلهمت حركة "فدائيان إسلام" الشيعية الإيرانية بقيادة نواب صفوي نموذجها التنظيمي والعملياتي من "الجهاز الخاص" (التنظيم السري) لجماعة الإخوان المسلمين في مصر. وكان صفوي قد زار القاهرة في خمسينيات القرن الماضي والتقى بقادة الإخوان، مما عمّق الروابط الروحية والحركية التي جعلت الثورة الإيرانية لاحقًا تتبنى الكثير من الأدبيات التنظيمية للإخوان في كيفية حشد الجماهير وإدارة التنظيمات السرية لمواجهة السلطة.
دعم الثورة الإيرانية ومباركتها
مثّل نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 تحت قيادة آية الله الخميني نقطة تحول استراتيجية لجماعة الإخوان المسلمين، التي اعتبرت هذا الحدث انتصارًا تاريخيًا وتجسيدًا عمليًا لهدفها الأسمى المتمثل في "إقامة الدولة الإسلامية" وتطبيق الشريعة. ورأت الجماعة في سقوط شاه إيران (الذي كان حليفًا وثيقًا للغرب) إثباتًا لـ "صلاحية الحل الإسلامي" وقدرته الإطاحة بأعتى الأنظمة العلمانية، مما دفع التنظيم الدولي للإخوان إلى تجميد أي تحفظات مذهبية والتعامل مع الثورة كإنجاز تاريخي يخص الأمة الإسلامية بأسرها دون تمييز مذهبي.
وترجمةً لهذا الدعم، سارعت جماعة الإخوان المسلمين إلى إرسال وفود دولية رفيعة المستوى لزيارة الخميني في مقر إقامته بباريس (نوفل لوشاتو) لتهنئته وتنسيق المواقف معه قبل عودته الظافرة إلى طهران. وعقب انتصار الثورة، توالت المواقف الرسمية المؤيدة؛ حيث صرح قادة ومراجع الجماعة في مصر، وعلى رأسهم المرشد الثالث عمر التلمساني والمرشد الأسبق محمد مهدي عاكف، بتقديم كامل الدعم السياسي والإعلامي للنظام الإيراني الجديد. واعتبرت الجماعة في أدبياتها حينها أن أي هجوم على الثورة الإيرانية هو استهداف للمشروع الإسلامي ككل.
دعم حركة حماس (الرابط العملياتي الأكبر)
يمثل الدعم الإيراني المستمر لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) - باعتبارها فرعًا جغرافيًا وتنظيميًا لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين - أكبر وأخطر رابط عملياتي وتنفيذي يجمع بين طهران والإخوان. في هذا الملف تحديدًا، نجحت البراغماتية السياسية في القفز تمامًا فوق الانقسام الطائفي التاريخي؛ إذ وجدت إيران في تبني القضية الفلسطينية ودعم حماس بوابتها الذهبية لاكتساب "مشروعية شعبية" جارفة في الشارع السني العربي، بينما وجدت حماس في طهران شريكًا وممولًا وحيدًا مستعدًا لتجاوز الخطوط الحمراء الدولية وتقديم الدعم العسكري غير المحدود
تطور هذا التنسيق العملياتي من مجرد تعاطف سياسي إلى شراكة استراتيجية صلبة شملت تزويد الحركة بالأسلحة النوعية، نقل تكنولوجيا الصواريخ، والتدريب العسكري المتقدم لعناصرها في معسكرات تابعة للحرس الثوري. فضلًا عن ذلك، وفّرت إيران شبكة أمان مالي ضخمة لحماس؛ حيث تشير المصادر والتقارير إلى أن الدعم المالي الإيراني المباشر وصل في بعض الفترات إلى حوالي 23 مليون دولار شهريًا. هذا الضخ المستمر مكّن الحركة من الصمود الطويل وتطوير قدراتها العسكرية لمواجهة العدو المشترك (إسرائيل)، مما جعل حماس حجر الزاوية في "محور المقاومة" الإقليمي الذي تقوده طهران.
التقارب الدبلوماسي (حقبة الصعود السياسي للإخوان)
شكلت حقبة "الربيع العربي" وصعود جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في مصر (2012-2013) فرصة تاريخية غير مسبوقة لطهران لكسر الجمود الدبلوماسي الذي طبع العلاقات المصرية الإيرانية منذ عام 1979. فقد نظرت إيران بابتهاج إلى وصول الرئيس الإخواني محمد مرسي إلى السلطة، واعتبرته امتدادًا طبيعيًا لـ "الصحوة الإسلامية" في المنطقة. وشهدت هذه الفترة القصيرة تسارعًا لافتًا في وتيرة التقارب الرسمي، حيث سعى الطرفان لفتح قنوات اتصال مباشرة لإعادة صياغة التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
تجسد هذا التقارب في خطوات بروتوكولية وسياسية بالغة الدلالة؛ حيث قام الرئيس محمد مرسي بزيارة تاريخية إلى طهران للمشاركة في قمة حركة عدم الانحياز، ليصبح بذلك أول زعيم مصري تطأ قدماه الأراضي الإيرانية منذ اندلاع ثورة الخميني وقطع العلاقات. وفي المقابل، قام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بزيارة رسمية إلى القاهرة في أوائل عام 2013 حظيت بتغطية إعلامية واسعة، والتقى خلالها بمرسي وبشيخ الأزهر. ورغم بقاء بعض التحفظات الأمنية لدى مؤسسات الدولة المصرية، إلا أن هذه اللقاءات عكست رغبة متبادلة واضحة لبناء نظام إقليمي جديد يتجاوز المحاور التقليدية.
محاولات التحالف ضد خصوم مشتركين
لم تتوقف مساعي التقارب والتحالف بين الجماعة وإيران حتى بعد سقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013 ودخول الجماعة في أزمة وجودية؛ بل دفعت هذه الظروف الجديدة الطرفين إلى البحث عن صيغ تنسيقية تحت الطاولة لمواجهة القوى الإقليمية التي ناصبت الإخوان العداء. وفي هذا السياق، كشفت تقارير استخباراتية ومصادر موثقة عن عقد اجتماع سري رفيع المستوى في عام 2014 بتركيا، جمع بين ممثلين بارزين عن قيادة جماعة الإخوان المسلمين وقيادات من "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني (الذراع الخارجية لطهران)، وذلك لاستكشاف إمكانية صياغة تحالف استراتيجي جديد.
تركزت مناقشات اجتماع تركيا حول إمكانية بناء جبهة موحدة أو تنسيق الأدوار لمواجهة الخصم المشترك المتمثل في المملكة العربية السعودية، لاسيما مع تصاعد وتيرة الصراع وتغيّر موازين القوى في اليمن بعد التمدد الحوثي. وحاولت جماعة الإخوان الاستفادة من النفوذ والقدرات الإيرانية للضغط على خصومها في الخليج رغبة في تحقيق مكاسب سياسية أو فرض شروط للمصالحة. ورغم أن هذه المحادثات انتهت بالفشل ولم تفضِ إلى حلف رسمي مستدام نظرًا لتضارب الأجندات وتوجس الإخوان من التمدد الشيعي، إلا أنها قدمت دليلًا قاطعًا على براغماتية الطرفين وقدرتهما على الجلوس معًا لتنسيق خطواتهما الإقليمية عند مواجهة الأزمات.
ثانيًا: أوجه الخلاف والتباين (الخطوط الحمراء والحدود الهيكلية)
رغم متانة الروابط البراغماتية والمصالح المؤقتة التي جمعت بين جماعة الإخوان المسلمين وإيران في محطات تاريخية معينة، إلا أن العلاقة بينهما بقيت محكومة بسقف لا يمكن تجاوزه، ومثقلة بتناقضات بنيوية عميقة تمنع تحول هذا التقارب إلى تحالف استراتيجي مستدام. فالجذور العقائدية والتاريخية لكلا الطرفين تحمل في طياتها عوامل تنافر ذاتي؛ إذ ينتمي كل منهما إلى فضاء مذهبي وثقافي يرى في نفسه الممثل الشرعي والأصيل للإسلام الحركي، مما يجعل التوجس المتبادل والشكوك حول النوايا حاضرة دائمًا خلف كواليس اللقاءات الدبلوماسية.
تتجلى خطوط التباين الحادة بين الطرفين في أبعاد عقائدية، ومنهجية، وسياسية واضحة؛ حيث يتقاطع المشروعان في الغايات الكبرى المتمثلة في تطبيق الشريعة، لكنهما يفترقان بشكل راديكالي عند الدخول في تفاصيل الهوية المذهبية للدولة، وآليات التغيير، وحدود الصلاحيات الممنوحة لرجال الدين. هذا التناقض البنيوي جعل العلاقة تتأرجح دائمًا بين مدّ التقارب البراغماتي وجزر التنافس الجيوسياسي، وهو ما يمكن تشريحه بالتفصيل عبر النقاط التالية:
الانقسام الطائفي والجدار العقائدي
يظل الانقسام الديني والمذهبي بين أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية عائقًا بنيويًا وتاريخيًا يحول دون صياغة أي تحالف رسمي طويل الأمد بين الإخوان وإيران. فهذا التباين ليس مجرد خلاف فقهي بسيط، بل هو جدار سميك من التراكمات التاريخية، والعقائدية، والهوياتية التي تشكل الوعي الجمعي لقواعد الطرفين. فالجماعة، باعتبارها كبرى الحركات السنيّة، تجد صعوبة بالغة في تسويق تحالف كامل مع دولة شيعية تتبنى مشروعًا "تَبشيريًا" للمذهب، لما يسببه ذلك من خسارة لشرعيتها ومصداقيتها داخل الشارع السني المحافظ الذي يرى في التمدد الإيراني تهديدًا لهويته
وفي المقابل، تنظر الدوائر الأيديولوجية الحاكمة في طهران بريبة إلى الجذور السلفية لبعض تيارات الإخوان، وتتخوف من أن يؤدي تمكين الجماعة إلى صعود حركات سنيّة قد تتحول مستقبلًا إلى خصم عنيد للمشروع الشيعي. هذا التوجس العقائدي المتبادل يجعل أي تقارب بينهما محصورًا في غرف القيادات العليا والمكاتب السياسية المغلقة، بينما تظل القواعد الشعبية والتنظيمية على الجانبين في حالة شحن وتعبئة طائفية مستمرة، مما يؤدي سريعًا إلى انهيار التفاهمات السياسية عند أي احتكاك مذهبي على الأرض، كما حدث بشكل صارخ في ملفات إقليمية معقدة.
منهجية التغيير وآلية الوصول إلى السلطة
يبرز خلاف جوهري بين الطرفين في "فلسفة التغيير" والآلية المتبعة للوصول إلى الحكم وإعادة صياغة المجتمع. وتلتزم جماعة الإخوان المسلمين تاريخيًا بمنهج "التدرجية" (Gradualism)، وهو النهج الذي يقوم على تغيير المجتمعات من الداخل وعبر أسفل الهرم الاجتماعي (تربية الفرد، ثم الأسرة، ثم المجتمع، وصولًا للحكومة). ودخلت الجماعة في عقودها الأخيرة في اللعبة السياسية الرسمية عبر المشاركة في الانتخابات البرلمانية، والنقابية، وصناديق الاقتراع، والقبول النسبي بآليات الديمقراطية كأداة للوصول السلمي والسلس إلى السلطة دون تصادم صفري مع مؤسسات الدولة
على النقيض تمامًا، تبنى آية الله الخميني ونظامه نهج "الثورة الراديكالية والمواجهة الحاسمة" لقلب نظام الحكم القائم جذريًا ومن الأعلى إلى الأسفل. فلم تؤمن الأدبيات الثورية الإيرانية بالعمل التدريجي في ظل النظم التي تراها "طاغوتية"، بل آمنت بضرورة تقويض أركان الدولة القائمة عبر الثورة الشعبية العارمة والمواجهة الصفرية، ثم إعادة بناء الدولة ومؤسساتها من نقطة الصفر وفق رؤية ثيوقراطية صارمة. هذا الاختلاف المنهجي جعل طهران تنظر أحيانًا للإخوان كحركة "مساومة" أو "مهادنة" للنظم العلمانية، بينما يرى الإخوان في الأسلوب الإيراني مغامرة راديكالية قد تؤدي إلى تدمير البنى المجتمعية.
مفهوم "ولاية الفقيه" وشكل الدولة
يصطدم التصور الإيراني للهيكل الدستوري والسياسي للدولة مع الرؤية السياسية والبرنامج الحزبي لجماعة الإخوان المسلمين عند مناقشة مفهوم "ولاية الفقيه". وتمثل ولاية الفقيه الفلسفة العقائدية والسياسية التي تمنح الفرد (الفقيه الجامع للشروط) سلطة مطلقة، ومقدسة، ونهائية على كافة سلطات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية، باعتباره نائبًا عن الإمام المعصوم الغائب وفق المذهب الشيعي الجعفري. وتجعل هذه الفلسفة من رجال الدين طبقة حاكمة مهيمنة تمتلك الحق الإلهي في النقض والتوجيه، وهو ما يتناقض مع فكرة تداول السلطة.
في المقابل، ورغم اتفاق جماعة الإخوان مع طهران على ضرورة وجود رقابة دينية مرجعية على السياسة والقوانين (حاكمية الشريعة)، إلا أن رؤيتهم المكتوبة والمُعلنة تميل إلى مفهوم "الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية". ولا يؤمن الإخوان بوجود طبقة إكليريكية (رجال دين) تحكم بالحق الإلهي، بل يرون أن الحاكم هو وكيل عن الأمة تختارُه عبر بيعة أو صناديق اقتراع، ويمكن عزله ومحاسبته عبر مؤسسات دستورية ومدنية. هذا الاختلاف حول "مصدر الشرعية" - هل هو الفقيه المسدد إلهيًا أم الأمة وممثلوها - يخلق فجوة فكرية وسياسية عميقة بين نموذج الدولة الإخواني ونموذج الجمهورية الإسلامية.
التوترات السياسية المباشرة وتقلب المواقف
عكست الديناميكيات السياسية على أرض الواقع هشاشة التقارب الدبلوماسي بين الطرفين، لاسيما بعد وصول الإخوان للسلطة في مصر؛ حيث اتسم الموقف الإيراني تجاه تجربة الرئيس محمد مرسي بالبراغماتية المفرطة والتقلب السريع. فرغم ترحيب طهران المبدئي بصعوده، إلا أن الغرف السياسية الإيرانية شعرت بخيبة أمل جراء التزام مرسي بالاتفاقيات الدولية والحفاظ على العلاقات الاستراتيجية لمصر مع القوى الغربية، ومحاولته طمأنة المحيط العربي الخليجي، وهي خطوات اعتبرتها طهران مؤشرًا على عدم رغبة الإخوان في الانضمام الكامل للمحور الإيراني.
وتعمق هذا الشرخ السياسي عقب الإطاحة بالرئيس مرسي عام 2013؛ إذ تحول الخطاب الرسمي والإعلامي في إيران بشكل حاد من الدعم والمباركة إلى الانتقاد المباشر والمراجعة الفوقية. ووجّه القادة في طهران انتقادات لاذعة لتجربة مرسي، واتهموه علنًا بالخضوع للإرادة الأمريكية، والوقوع في فخ المهادنة مع إسرائيل، وسوء إدارة ملفات المنطقة (خاصة الملف السوري). هذا التحول السريع في المواقف كشف للإخوان أن طهران لا تتعامل معهم كحلفاء عقائديين تجب نصرتهم في الأزمات، بل كأوراق سياسية تخضع لحسابات الربح والخسارة الجيوسياسية لطهران.
فشل التنسيق الاستراتيجي وتضارب الأجندات
تبرهن الوقائع التاريخية على أن محاولات بناء تحالفات استراتيجية صلبة بين الجماعة وإيران غالبًا ما تنتهي بالفشل والانهيار عند الانتقال من مرحلة الشعارات العامة إلى التكتيكات العالمية والاستراتيجيات المتبعة على الأرض. ويعد اجتماع تركيا السري عام 2014 نموذجًا حيًا على هذا الإخفاق؛ فبمجرد اصطدام النقاشات بالتفاصيل العملياتية والأهداف الحقيقية لكل طرف، برزت الخلافات العميقة حول من يقود المشهد ومن يحدد بوصلة الصراع، مما حال دون ترجمة اللقاءات إلى اتفاق ميداني مستدام في الساحات المشتعلة كاليمن وسوريا.
يعود هذا الفشل البنيوي في التنسيق إلى تضارب المصالح الجيوسياسية؛ فإيران تعطي الأولوية القصوى لتمكين وتمدد "محور المقاومة" الخاص بها والذي يخضع لسيطرة مباشرة من الحرس الثوري الإيراني، وترى في المجموعات الأخرى مجرد أدوات لخدمة الأمن القومي الإيراني. بينما تسعى جماعة الإخوان المسلمين، كتنظيم دولي، إلى استعادة نفوذها السياسي المفقود والحفاظ على كياناتها التنظيمية في الدول العربية، وتتوجس من أن يؤدي الانخراط الكامل تحت المظلة الإيرانية إلى ذوبان هويتها السنيّة وتحويلها إلى مجرد تابع يدور في الفلك الإيراني.
خلاصة القول:
في المحصلة النهائية، توضح المصادر والمراجعات التحليلية بدقة أن العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وإيران لا يمكن تصنيفها كتحالف استراتيجي صلب، ولا كعداء مطلق ومستمر، بل هي علاقة بين "منافسين اسميين وأيديولوجيين" ، فالطرفان يلتقيان تحت مظلة فكرية أساسية واحدة تؤمن بـ "سيادة الإسلام الحركي، وضرورة إقامة الدولة الثيوقراطية (الدينية)، ومواجهة الهيمنة الغربية وإسرائيل". هذه المساحة المشتركة تجعل التعاون غير الرسمي والبراغماتي ممكنًا دائمًا ومرنًا، لاسيما عندما يواجه الطرفان تهديدات وجودية مشتركة تتطلب تجميد الخلافات مؤقتًا.
ومع ذلك، يظل هذا التعاون محكومًا بـ "سياسة القطع والوصل"؛ حيث يدرك كلا الطرفين تمامًا أن نقاط الاختلاف العقائدية ومنهجيات التغيير وتضارب الأجندات الإقليمية تمثل خطوطًا حمراء وجدارًا من المستحيل تجاوزه لاندماج حقيقي. إنها علاقة "زواج مصلحة" سياسي تحكمه موازين القوى والظروف الجيوسياسية المحيطة؛ حيث تستثمر إيران في فروع الإخوان (كحركة حماس) لمد نفوذها في العالم العربي، بينما يستغل الإخوان الدعم الإيراني كورقة ضغط ومصدر للموارد، مع بقاء كل طرف على حذره وتوجسه المستمر من مشروع الآخر.
