المأساة الأندلسية وفلسفة إدارة الاختلاف: قراءة في كتاب "الموريسكيون" لصالح حسب الله

الخميس 22/أكتوبر/2026 - 08:04 ص
طباعة المأساة الأندلسية علي رجب
 
الموريسكيون للكاتب صالح حسب الله 
الكتاب: الموريسكيون
الكاتب: صالح حسب الله 
الناشر: دار مصر

يعد كتاب "الموريسكيون" للكاتب صالح حسب الله والصادر عن دار مصر، عملا توثيقيا وفلسفيا عميقا يغوص في واحدة من أداج التاريخ الإنساني وأكثرها مأساوية؛ وهي مأساة المسلمين الذين بقوا في شبه الجزيرة الأيبيرية بعد سقوط الأندلس، ليواجهوا سياسات التطهير الممنهج، والاضطهاد الديني، والتهجير القسري. لا يقف الكتاب عند حدود سرد الوقائع التاريخية، بل يتجاوزها ليطرح تساؤلات حرجة حول فلسفة الدولة في إدارة الاختلاف، وتداعيات التعصب الديني على الحضارة والإنسان.

مجد الأندلس: أعجوبة العصور الوسطى
يستهل الكاتب عرضه برصد تاريخي، مستعينا برؤية المؤرخ "ستانلي لين بول"، ليذكر بأن المسلمين حكموا ثلثي شبه الجزيرة الأيبيرية وأسسوا فيها مملكة قرطبة التي مثلت أعجوبة العصور الوسطى. لقد حملت الأندلس وحدها في الغرب شعلة الثقافة والمدنية، في وقت كانت فيه أوروبا غارقة في الجهالة والحروب والشقاق. ويشير العرض إلى أن سماحة وحكمة العرب الفاتحين في الإدارة والحكم كانت مفتاح الازدهار؛ فلم يكن اختلاف الدين عائقا في البداية، بل منح المسلمون السكان المحليين الأمن والرغد، بعد أن عانوا طويلا من الفرض القسري للديانات والاضطراب.

ويعود "لين بول" في نهاية الكتاب ليؤكد بأسف أن نصارى الأسبان، بشنهم مذابح وتهجير قسري بعد سقوط غرناطة (آخر معاقل المسلمين)، إنما "قتلوا الإنسانية". فقد تراجعت إسبانيا لتتعثر في الظلام والركود، وتحولت أراضيها المزروعة وجناتها الزاهرة إلى أراض مهجورة قاحلة، مخلفة فرقا شاسعا بين رفعة العهد الإسلامي وانحدار ما بعده.

محاكم التفتيش: منطق القوة والإكراه
يسلط الكتاب الضوء بوحشية واقعية على الدور الدموي الذي لعبته محاكم التفتيش بحق المخالفين. فلم تكن القسوة عابرة، بل تمأسست عبر غرف تعذيب مرعبة تهدف إلى تحطيم الجسد البشري وسحق عظامه تدريجيا لكسر الإرادة وتحويل الهوية بالقوة. وحين فشلت آلات التعذيب والإكراه الديني في طمس الهوية الإسلامية والعربية، لجأت السلطات إلى الحل النهائي متمثلا في قرار الطرد القسري العام سنة 1609م، وهو مرسوم تاريخي موثق في الأرشيف العام لسيمانكاس بإسبانيا.

من هم الموريسكيون؟ ومأساة الاتفاقيات المنسية
الموريسكيون هم ذلك المزيج المتصهر من العروق العربية والأمازيغية والأوروبية، استوطنوا مناطق قشتالة وأراغون وبلنسية وغرناطة. وعندما سلم أبو عبد الله غرناطة للملكة إيزابيلا، وقع اتفاق يضمن للموريسكيين الاحتفاظ بدينهم، وممتلكاتهم، وقضاتهم، وكرامتهم دون تمييز. غير أن التاج الإسباني تراجع سريعا عن العهود، وبدأت حملات التنصير القسري والتضييق الممنهج، وحرم على المسلمين التحدث بالعربية، وارتداء زيهم، وحتى التسمي بأسمائهم، وصولا إلى الاقتلاع الجذري والتهجير.

فلسفة الدولة وغربة الهوية
يؤكد صالح حسب الله أن كتاب "الموريسكيون" ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو فلسفة في إدارة الدولة حين تفشل في استيعاب التنوع. لقد تحولت الأزمة إلى قضية وجودية؛ حيث خاض الموريسكيون صراعا دينا وثقافيا مستمرا ضد الفناء والتغريب.

ويخلص الكاتب إلى مفارقة مؤلمة؛ فقد كان الموريسكيون غرباء في أندلسهم المغلوبة، ولم تنته غربتهم تماما حتى بعد هجرتهم إلى ديار الإسلام، لتغدو "الغربة" حالة وجودية مستمرة وليست مجرد جغرافيا عابرة. ويختتم الكتاب بانعكاسات وتأملات حول واقع الأمة الحالي؛ حيث يبعث على الأسف أن ترى شعوبا تتخلف في مؤخرة الأمم فاعلية وإبداعا، رغم امتلاكها الإمكانات وميراثا حضاريا عظيما كالميراث الأندلسي.

شارك