مستقبل مضطرب.. ألغام فى طريق سوريا
الإثنين 30/ديسمبر/2024 - 11:31 م
طباعة

قبل أيام قليلة من نهاية عام ٢٠٢٤، شهدت سوريا حدثًا تاريخيًا غير مجرى الحرب الأهلية المستمرة منذ ١٣ عامًا، حيث سقط نظام الرئيس بشار الأسد إثر استيلاء هيئة تحرير الشام والفصائل السورية المسلحة المعارضة على الحكم فى دمشق.
هذه التطورات تمثل نهاية لعهد طويل بدأ فى عام ١٩٧٠ مع والد بشار الأسد، حافظ الأسد، الذى حكم سوريا بقبضة من حديد، وترك النظام عرضة للانتقادات الدولية بسبب سياساته القمعية.
مغادرة بشار الأسد
بعد سقوط النظام، غادر بشار الأسد دمشق، وتوجّه إلى روسيا التى منحته اللجوء الإنساني، مما يمثل نهاية لحقبة حكم الأسد التى استمرت ٢٤ عامًا. هذا التحول قد أدى إلى انفراج فى معاناة ملايين السوريين الذين اضطروا إلى الفرار من البلاد بسبب الحرب.
مرحلة جديدة
انتصار الفصائل المعارضة يعكس تحولًا تاريخيًا فى سوريا، حيث دعت هيئة تحرير الشام إلى حوار وطنى يشمل جميع مكونات الشعب السوري، بهدف وضع دستور جديد للبلاد. وقد أعلن أحمد الشرع الجولاني، أن الانتخابات الرئاسية ستستغرق أربع سنوات، مشيرًا إلى ضرورة التوصل إلى حلول مشتركة بعد ١٣ عامًا من الانقسام والحروب الأهلية.
الأوضاع الإنسانية
رغم التغييرات السياسية، تبقى الأوضاع الإنسانية فى سوريا كارثية. تشير التقارير إلى أن هناك حوالى ١٦.٧ مليون شخص فى حاجة إلى مساعدات إنسانية، وهو أكبر رقم منذ بداية الحرب فى ٢٠١١. كما أن التضخم الغذائى قد ارتفع بشكل حاد، فى الوقت الذى تستمر فيه أزمة نقص المواد الأساسية مثل الغذاء والوقود، ما يجعل الوضع الاقتصادى أسوأ.
منذ عام ٢٠١١، كانت الحرب سببًا رئيسيًا فى نزوح أكثر من ١٤ مليون سورى إلى خارج البلاد، ليصبحوا أكبر أزمة لاجئين فى العالم. فى حين يعيش حوالى ٥.٥ مليون سورى فى الدول المجاورة، مثل تركيا ولبنان والأردن، فإن أكثر من ٧.٢ مليون آخرين ما زالوا نازحين داخليًا.
القضايا السياسية والعسكرية
رغم سقوط النظام، لا تزال سوريا تعانى من الانقسامات الداخلية الكبيرة. إذ تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التى تضم أغلب عناصرها من الأكراد، على أكثر من ٢٠٪ من الأراضى السورية، ما يخلق تحديات كبيرة للحكومة الجديدة التى ستنظم مستقبل البلاد.
ومن جهة أخرى، ما زالت القوات الروسية موجودة فى المناطق الساحلية، بينما لا تزال إسرائيل تحتفظ بوجود عسكرى فى الجنوب السوري.
كما أن الولايات المتحدة تواصل دعمها لـ قسد فى شمال شرق سوريا، فى وقت أعلنت فيه إسرائيل عن توسيع نشاطاتها العسكرية، ووجهت ضربات لأهداف عسكرية سورية، خاصة فيما يتعلق بالأسلحة الكيميائية.
يعد سقوط بشار الأسد ضربة استراتيجية لـ إيران وحلفائها، مثل حزب الله اللبناني، الذين يعتبرون سقوط النظام فى سوريا خسارة كبيرة لخطوط الإمداد البرية من إيران إلى لبنان.
أما تنظيم داعش، الذى خسر آخر أراضيه فى سوريا فى ٢٠١٩، فقد بدأ فى الإعلان عن زيادة هجماته فى ٢٠٢٤، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع الأمنى فى البلاد.
الوضعان الاقتصادى والمالي
فيما يخص الوضع الاقتصادي، يحتاج الاقتصاد السورى إلى نحو ١٠ سنوات للعودة إلى مستويات ما قبل الحرب، وفقًا لتقارير البنك الدولي. فقد فقدت العملة السورية ٨٥٪ من قيمتها خلال السنوات الماضية، ووصل الناتج المحلى إلى ٩ مليارات دولار فى ٢٠٢٣، مقارنة بـ ٦٧.٥ مليار دولار فى ٢٠١١.
وتواجه الحكومة الانتقالية الجديدة تحديات اقتصادية جسيمة، حيث أشار رئيس الوزراء الجديد، محمد البشير، إلى أن خزائن الدولة لا تحتوى على عملات أجنبية كافية، وأن الوضع المالى للبلاد فى غاية السوء.
من جهة أخرى، يعتبر النفط أحد القطاعات الاقتصادية المهمة فى سوريا، حيث كان يُنتج قبل الحرب ٣٨٥ ألف برميل يوميًا. وفى حال تم ترميم حقول النفط، يمكن أن يساهم هذا القطاع بشكل كبير فى دعم الاقتصاد.
التحديات المستقبلية
مستقبل سوريا يواجه عديدًا من التحديات، خاصة مع الانقسامات العرقية والمذهبية المستمرة فى البلاد. يعتبر الأكراد من أبرز القضايا المعقدة، حيث تسيطر قسد على العديد من المناطق الغنية بالموارد الزراعية، الأمر الذى يثير توترات مع تركيا. بينما تتواصل المفاوضات الدولية مع الأمم المتحدة لبحث استقرار المنطقة وسبل إعادة اللاجئين.
كما أن الاقتصاد السوري، الذى يعانى من أزمات معيشية خانقة، يعانى أيضًا من زيادة معدلات الفقر، حيث يُعتقد أن نحو ٦٩٪ من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وهى نسبة مرشحة للزيادة بسبب الأحداث الأخيرة.
وفى ضوء التغيرات السياسية الكبرى التى تشهدها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، يتضح أن البلاد أمام تحديات كبيرة تتراوح بين الأمل فى التغيير الجذرى وقلق من استمرار الانقسامات والصراعات.
وبينما هناك من يرى الأفق مضيئًا لتأسيس نظام جديد يحقق السلام والاستقرار، هنالك من يرى أن السيناريوهات الأخرى قد تحمل فى طياتها مزيدًا من التشظى والفوضى.
سيناريوهات محتملة
أول السيناريوهات هو سنياريو الدولة الديمقراطية ويعد هذا السيناريو هو الأكثر تفاؤلاً ويعكس الأمل المشترك لدى العديد من السوريين والمجتمع الدولي. ويقوم على تأسيس دولة ديمقراطية حديثة تتسم بالتعددية السياسية والعدالة الاجتماعية، وتراعى حقوق الأقليات والمكونات الاجتماعية. يشمل هذا السيناريو:
دستور جديد يتوافق مع المعايير الديمقراطية، ويكفل حقوق الإنسان.
انتخابات حرة يتم من خلالها انتخاب الرئيس والبرلمان، مع وجود ضمانات للشفافية والنزاهة.
إعادة بناء العلاقات مع الدول العربية والإقليمية والدولية بشكل يسهم فى تعزيز الاستقرار والأمن.
وحدة البلاد بما يحافظ على تماسك المجتمع السورى رغم تنوعه العرقى والديني.
وتحقيق هذا السيناريو يُعد الأصعب فى ظل الانقسامات الداخلية العميقة والمخاوف من تدخلات خارجية. كما أن بناء الثقة بين الأطياف المختلفة يتطلب وقتًا طويلًا، مع احتمال مقاومة بعض القوى التى استفادت من الوضع الراهن.
السيناريو الثانى هو السيناريو الفيدرالي: دولة ذات حكم ذاتى موسع؛ وفى هذا السيناريو، يتم منح حقوق حكم ذاتى موسع للمكونات الرئيسية فى سوريا مثل السُنة والعلويين والمسيحيين والدروز، مع إنشاء دولة فيدرالية تجمع هذه المكونات تحت سقف واحد. يتم تقسيم البلاد إلى مناطق أو فيدراليات على أسس عرقية وطائفية، مع وجود حكومة مركزية تضمن التنسيق بين هذه المناطق.
ومن الممكن أن يؤدى هذا النظام إلى تعزيز الانقسامات الداخلية وتقوية الحساسيات الطائفية، ما يعيق بناء هوية وطنية شاملة.
كما أن وجود مناطق خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية فى الشمال الشرقى قد يزيد من تعقيد فكرة الفيدرالية.
السيناريو الثالث.. دولة سنية
وهو سيناريو مستبعد كل المكونات من المجتمع السوري، وهو سيناريو يشكل نواة للتقسيم واستمرار عدم استقرار سوريا فى ظل التنوع الغنى ورفض السوريين إعادة إنتاج جولة ذات رأس "طائفي" فى الحكم.
وإقامة هذا النوع من الدولة قد يؤدى إلى زيادة الاضطرابات الطائفية فى سوريا، ويعزز من التدخلات العسكرية الإقليمية والدولية، ما قد يفاقم الوضع الأمنى فى المنطقة.
ويوجد السيناريو التقسيمى ويقترح هذا السيناريو تقسيم سوريا إلى دويلات، وهو يشبه فى بعض جوانبه تصورات برنارد لويس ورالف بيترز، اللذين تحدثا عن إعادة هندسة خرائط المشرق العربي. من خلال هذا السيناريو، يتم تقسيم سوريا إلى مناطق حكم ذاتى عرقية وطائفية مثل:
دولة سنية فى الوسط والشمال.
دولة علوية فى الساحل.
دولة كردية فى الشمال الشرقي.
دولة درزية فى الجنوب.
وتقسيم سوريا قد يؤدى إلى نزاعات دائمة بين هذه الدويلات ويصعب الحفاظ على الاستقرار فى المنطقة. كما أن القوى الدولية ستظل تتحكم فى مصير هذه الدويلات، مما يعيق قدرة سوريا على استعادة سيادتها الكاملة.
إن سقوط نظام بشار الأسد فى سوريا يفتح صفحة جديدة فى تاريخ البلاد، لكنه يعكس أيضًا حجم المأساة التى خلفتها الحرب الأهلية. وعلى الرغم من تطلع الكثيرين إلى نهاية حكم الأسد، فإن البلاد لا تزال تواجه العديد من الأزمات السياسية، العسكرية والاقتصادية التى ستحدد مستقبل سوريا لسنوات قادمة.
من المؤكد أن مستقبل سوريا سيظل مرتبطًا بتفاعلات معقدة على المستوى الداخلى والخارجي. بينما تبقى السيناريوهات الإيجابية، مثل الدولة الديمقراطية أو الفيدرالية، أملاً بعيد المنال فى ظل التعقيدات الحالية، فإن التحديات التى قد تطرأ من التقسيم أو التجربة الجهادية تظل ماثلة. تبقى الأيام المقبلة حاسمة فى تحديد أى من هذه السيناريوهات سيكون الأكثر احتمالية.