إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية: بين التصعيد الأميركي والانعكاسات الإقليمية
الخميس 23/يناير/2025 - 06:09 ص
طباعة

في خطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، أعلنت الولايات المتحدة إعادة إدراج جماعة الحوثي اليمنية (أنصار الله) على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهو ما يعكس تحولًا جديدًا في السياسة الأميركية تجاه الصراع في اليمن. القرار يأتي بعد فترة من التذبذب، حيث سبق لإدارة الرئيس جو بايدن أن ألغت هذا التصنيف في 2021 بدعوى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وتشجيع الحلول الدبلوماسية، لكنها عادت الآن لتشديد موقفها في ظل تصاعد التهديدات الحوثية، خاصة في البحر الأحمر، وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية لاحتواء نفوذ الجماعة المدعومة من إيران.
هذا التحول الأميركي يطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية وراء إعادة التصنيف، ومدى فعاليته في كبح جماح الحوثيين، خصوصًا مع تعقيدات المشهد اليمني وتشابك المصالح الإقليمية والدولية. فبينما يرى البعض أن القرار سيزيد من عزلة الجماعة ويحد من قدرتها على التمويل والتحرك، يحذر آخرون من تداعياته على جهود السلام والوضع الإنساني في اليمن، فضلاً عن احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة. فكيف يمكن فهم هذا التحول في السياسة الأميركية؟ وما انعكاساته على التوازنات الإقليمية ومستقبل الصراع اليمني؟
أولًا: دوافع إعادة التصنيف
1- التصعيد الحوثي والتهديدات البحرية
شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا في الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي ضد السفن التجارية في البحر الأحمر، وهو ما أثار قلقًا دوليًا واسعًا نظرًا لأهمية هذا الممر المائي في التجارة العالمية. البحر الأحمر يعد شريانًا حيويًا لحركة الملاحة الدولية، حيث تمر من خلاله نسبة كبيرة من التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي تهديد لأمنه يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي. وقد استخدم الحوثيون طائرات مسيّرة وزوارق مفخخة وصواريخ لضرب السفن التجارية والعسكرية، في تصعيد وصفته واشنطن بأنه خطر مباشر على الاستقرار الإقليمي.
تبرر إدارة بايدن إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية بالقول إن "أنشطة الحوثيين تهدد أمن المدنيين والموظفين الأميركيين في الشرق الأوسط، وسلامة أقرب شركاء واشنطن، واستقرار التجارة البحرية العالمية". هذا القرار يعكس قلقًا أميركيًا متزايدًا من توسع نطاق عمليات الجماعة وقدرتها على تعطيل خطوط الشحن الدولية. كما يشير إلى تحول في أولويات واشنطن، التي كانت قد رفعت التصنيف سابقًا بدعوى دعم الجهود الإنسانية، لكنها اليوم ترى في الهجمات البحرية تهديدًا استراتيجيًا يستدعي ردًا حاسمًا.
2- الضغط على إيران
يأتي قرار إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية في إطار الاستراتيجية الأميركية الأوسع لاحتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة بعد تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران. إيران تُعتبر الداعم الأساسي لجماعة الحوثي، حيث توفر لها الأسلحة والتكنولوجيا المتطورة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية التي استخدمتها الجماعة في هجماتها على السعودية والإمارات، بالإضافة إلى استهداف السفن في البحر الأحمر. ومن خلال فرض عقوبات إضافية على الحوثيين، تسعى واشنطن إلى خنق مصادر تمويل الجماعة وقطع قنوات الدعم الإيراني، في محاولة لإضعاف نفوذ طهران في اليمن والمنطقة.
إعادة التصنيف تأتي أيضًا في سياق سياسة أميركية أوسع لممارسة ضغوط متزايدة على إيران، خاصة بعد تعثر مفاوضات إحياء الاتفاق النووي وتصاعد المواجهات بين وكلاء طهران والقوات الأميركية في الشرق الأوسط. فمن خلال تصعيد الضغط على الحوثيين، تأمل واشنطن في تقليص قدرة إيران على استخدامهم كورقة تفاوضية أو أداة لتهديد المصالح الأميركية والغربية. لكن هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد العسكري، خاصة إذا قررت إيران مضاعفة دعمها للجماعة كرد فعل على العقوبات الجديدة.
3- استجابة للمطالب الإقليمية
لطالما دعت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، إلى إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية، معتبرة ذلك خطوة ضرورية لكبح نفوذ الجماعة ومنعها من الحصول على تمويل ودعم خارجي. فمنذ بدء الصراع في اليمن، شكّلت الهجمات الحوثية تهديدًا مباشرًا لأمن السعودية، حيث استهدفت الجماعة بصواريخها الباليستية ومسيّراتها منشآت حيوية، بما في ذلك المطارات والمنشآت النفطية. إعادة التصنيف الأميركي يمنح هذه الدول دعمًا إضافيًا في جهودها لمواجهة الحوثيين، ويعزز موقفها في الضغط من أجل فرض مزيد من العقوبات الدولية على الجماعة.
إلى جانب البعد الأمني، يمكن النظر إلى القرار الأميركي على أنه جزء من التوازنات الإقليمية المتغيرة، خاصة بعد اتفاقات التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، وزيادة التنسيق الأمني مع واشنطن في مواجهة التهديدات الإيرانية. فالولايات المتحدة، التي تسعى للحفاظ على تحالفاتها في المنطقة، قد وجدت في التصنيف وسيلة لطمأنة حلفائها الخليجيين، وإظهار التزامها بمواجهة التهديدات الأمنية التي تواجههم. ومع ذلك، فإن هذا التحرك قد يؤدي أيضًا إلى رد فعل عنيف من الحوثيين، مما يعقّد فرص التوصل إلى تسوية سلمية للصراع اليمني.
ثانيًا: التداعيات المحتملة
1- تعقيد المسار الدبلوماسي
رغم تأكيد إدارة بايدن على التزامها بالحل السياسي في اليمن، فإن إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية تثير تساؤلات حول تأثيرها على جهود الوساطة. الحوثيون يسيطرون على أجزاء واسعة من شمال اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء، ويمثلون طرفًا رئيسيًا في أي مفاوضات مستقبلية لإنهاء الحرب. ومع هذا التصنيف، قد تتعقد محاولات الوساطة، حيث قد يرفض الحوثيون الانخراط في أي حوار مع الولايات المتحدة أو حلفائها الإقليميين، معتبرين القرار دليلًا على عدم جدية واشنطن في دعم الحلول السلمية. كما أن الدول والمنظمات التي تسعى للعب دور الوسيط قد تجد صعوبة في التعامل مع جماعة مصنفة إرهابيًا، مما يضعف فرص إحراز تقدم في المسار التفاوضي.
علاوة على ذلك، قد يؤدي القرار إلى مزيد من التشدد في مواقف الحوثيين، حيث قد يرون في التصنيف محاولة لخنقهم اقتصاديًا وسياسيًا، مما يدفعهم إلى تبني نهج أكثر تصلبًا في أي محادثات مستقبلية. ومن جهة أخرى، قد تجد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والتحالف العربي أنفسهم في موقف أكثر تعقيدًا، حيث إن أي مفاوضات مستقبلية قد تتطلب تنازلات من الحوثيين، وهو أمر قد يكون مستبعدًا بعد هذا التصنيف. وفي ظل غياب أي آلية واضحة للتعامل مع هذا الواقع الجديد، قد يواجه المسار الدبلوماسي عثرات كبيرة تجعل فرص التوصل إلى حل سياسي شامل أكثر صعوبة.
2- تأثير القرار على المساعدات الإنسانية
إحدى المخاوف الرئيسية المرتبطة بإعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية هي تأثيره المحتمل على تدفق المساعدات الإنسانية إلى اليمن، الذي يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. في السابق، عندما تم تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية خلال إدارة ترامب، واجهت المنظمات الإنسانية صعوبات كبيرة في توصيل المساعدات، بسبب القيود المفروضة على التعامل مع أي جهة مصنفة إرهابيًا. هذا الوضع دفع إدارة بايدن إلى إلغاء التصنيف سريعًا بعد توليه الرئاسة في 2021، وذلك لتجنب تفاقم الأزمة الإنسانية. واليوم، مع إعادة التصنيف، يثور التساؤل حول مدى استعداد واشنطن لضمان استثناءات إنسانية فعالة تمنع تكرار السيناريو السابق.
إذا لم يتم وضع آليات واضحة تضمن استمرار وصول المساعدات، فقد يؤدي القرار إلى تفاقم الأوضاع المعيشية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث يعتمد ملايين اليمنيين على المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة. كما أن المنظمات الإغاثية قد تواجه عراقيل قانونية جديدة تعيق عملها، خاصة إذا تم فرض عقوبات على المؤسسات المالية التي تتعامل مع مناطق الحوثيين. وفي ظل هشاشة الوضع الإنساني في اليمن، فإن أي تعطيل إضافي لتدفق المساعدات قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، مما يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ كبير في الموازنة بين الاعتبارات السياسية والاحتياجات الإنسانية.
3- تصعيد عسكري محتمل
قرار إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية قد يؤدي إلى تصعيد عسكري في اليمن والمنطقة، حيث من المرجح أن ترد الجماعة بتكثيف عملياتها العسكرية. الحوثيون قد يرون في القرار مبررًا لزيادة هجماتهم ضد القوات الحكومية اليمنية وضد أهداف سعودية وإماراتية، في محاولة لإثبات أنهم غير متأثرين بالتصنيف الأميركي. كما أن الجماعة قد تلجأ إلى توسيع نطاق عملياتها في البحر الأحمر، حيث سبق أن استهدفت سفنًا تجارية وعسكرية، مما قد يؤدي إلى مواجهة بحرية مباشرة مع القوات الأميركية أو البريطانية المنتشرة في المنطقة.
على الجانب الآخر، قد يؤدي القرار إلى تصعيد في الضربات الجوية التي يشنها التحالف العربي بقيادة السعودية ضد مواقع الحوثيين، في محاولة لإضعافهم عسكريًا واقتصاديًا. وإذا تصاعدت العمليات القتالية، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للتدخل بشكل مباشر، سواء عبر ضربات جوية أو عبر دعم أوسع لشركائها في المنطقة. هذا السيناريو قد يعقد المشهد اليمني بشكل أكبر، حيث إن أي تصعيد عسكري جديد سيزيد من معاناة المدنيين، ويجعل فرص التهدئة أقل احتمالية، مما يعزز استمرار الحرب لفترة أطول بدلًا من دفع الأطراف نحو حل سياسي.
الحسابات الأميركية والمخاطر المحتملة
1- ازدواجية المعايير في السياسة الأميركية
تعكس التغيرات المتكررة في تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية التخبط في السياسة الأميركية تجاه اليمن، حيث يتأرجح الموقف بين الضغط العسكري والاقتصادي ومحاولات الانخراط الدبلوماسي. ففي عام 2021، ألغت إدارة بايدن تصنيف الحوثيين كإرهابيين بهدف تسهيل المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف للحوار السياسي، لكنها عادت اليوم لإعادة التصنيف في ظل تصاعد الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية. هذا التحول السريع يكشف عن عدم وجود استراتيجية أميركية واضحة ومستدامة للتعامل مع الملف اليمني، مما يجعل من الصعب تحقيق استقرار طويل الأمد أو دفع الأطراف المتصارعة نحو حل سياسي شامل.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا التذبذب يضعف مصداقية واشنطن كوسيط محايد، خاصة عندما تتناقض سياساتها تجاه الجماعات المسلحة في المنطقة. ففي الوقت الذي تصنّف فيه الحوثيين كمنظمة إرهابية، تبدي مرونة أكبر في التعامل مع فصائل أخرى، مثل الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، والتي استهدفت القوات الأميركية مرارًا. هذا النهج المزدوج قد يعزز من قناعة الحوثيين بأن واشنطن لا تسعى لحل الأزمة اليمنية بقدر ما تستخدم التصنيف كأداة ضغط سياسي وفقًا لمصالحها المتغيرة. وهذا بدوره قد يدفع الجماعة إلى مزيد من التشدد، مما يزيد من تعقيد الصراع ويجعل أي مبادرات سلام أكثر صعوبة.
2- هل ستنجح العقوبات في إضعاف الحوثيين؟
رغم أن إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية ستفرض مزيدًا من القيود على تمويلهم وتحركاتهم الدولية، إلا أن فعاليتها في إضعاف الجماعة عسكريًا تظل موضع شك. فالحوثيون يعتمدون بشكل أساسي على الدعم الإيراني، سواء من خلال إمدادات الأسلحة أو التدريب العسكري، بالإضافة إلى الموارد المحلية التي يتحكمون بها في مناطق سيطرتهم، مثل الضرائب والجبايات المفروضة على الشركات والمواطنين. وهذا يعني أن قدرتهم على مواصلة القتال قد لا تتأثر بشكل كبير، حتى مع تشديد العقوبات الأميركية والدولية عليهم.
علاوة على ذلك، أثبت الحوثيون قدرتهم على التكيف مع الضغوط الدولية، سواء عبر تطوير قدراتهم العسكرية محليًا أو عبر استخدام قنوات تهريب بديلة للحصول على الدعم. تجربة العقوبات المفروضة سابقًا على إيران وحزب الله اللبناني توضح أن الجماعات المدعومة من طهران قادرة على إيجاد طرق للالتفاف على العقوبات، مما يجعل من غير المؤكد أن يؤدي التصنيف الجديد إلى إضعاف الحوثيين فعليًا. بل على العكس، قد يدفعهم القرار إلى تصعيد عملياتهم العسكرية كمحاولة لإظهار عدم تأثرهم، مما قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار بدلاً من تحقيق النتائج التي تسعى إليها واشنطن.
خاتمة: خطوة محفوفة بالمخاطر
إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية تعكس تحولًا واضحًا في السياسة الأميركية تجاه الجماعة، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول مدى فعاليتها في تحقيق الأهداف المرجوة. فبينما تراهن واشنطن على أن التصنيف سيؤدي إلى زيادة الضغط على الحوثيين وتقليص قدرتهم على تهديد الملاحة الدولية واستهداف الحلفاء الإقليميين، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه الإجراءات لم تكن كافية لإحداث تغيير جذري في سلوك الجماعة. بل على العكس، قد يدفع القرار الحوثيين إلى مزيد من التشدد، سواء في مواقفهم التفاوضية أو في تصعيد عملياتهم العسكرية، مما يزيد من تعقيد الأزمة اليمنية بدلًا من حلها.
علاوة على ذلك، فإن التأثيرات غير المباشرة لهذا القرار قد تكون أكثر خطورة، لا سيما فيما يتعلق بالوضع الإنساني في اليمن. فمع فرض مزيد من القيود على التعاملات المالية والاقتصادية، قد تتضرر المنظمات الإنسانية التي تعتمد على قنوات التمويل الدولية لتوفير الإغاثة لملايين اليمنيين. وإذا لم تتخذ واشنطن إجراءات استثنائية لضمان استمرار تدفق المساعدات، فقد يؤدي القرار إلى تفاقم المعاناة الإنسانية، مما يضع المجتمع الدولي أمام مأزق أخلاقي وسياسي معقد. كما أن هذا التحول في السياسة الأميركية قد يؤثر على جهود الوساطة، حيث ستجد الأطراف الفاعلة صعوبة في دفع الحوثيين إلى طاولة المفاوضات في ظل تصعيد الضغوط عليهم.
يبقى التحدي الأساسي أمام الإدارة الأميركية هو كيفية إيجاد توازن بين ممارسة الضغط على الحوثيين لمنع تهديداتهم، وبين الحفاظ على فرص الحل السياسي. فمن دون استراتيجية متكاملة تشمل تحركات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية منسقة، قد يصبح القرار مجرد خطوة رمزية لا تؤدي إلى النتائج المرجوة. المطلوب اليوم هو مقاربة أكثر شمولية تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات المشهد اليمني، وتعمل على معالجة جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإجراءات عقابية قد تزيد الوضع تعقيدًا دون أن تحقق اختراقًا حقيقيًا في مسار السلام.