حرية التعبير وتنامي التطرف في أوروبا: قراءة في مقتل سلوان موميكا
الأحد 02/فبراير/2025 - 12:26 ص
طباعة

أعلنت الشرطة السويدية العثور على اللاجئ العراقي سلوان موميكا، الذي أثار جدلًا عالميًا في عام 2023 بعد إقدامه على حرق المصحف، مقتولًا بالرصاص داخل شقة جنوب العاصمة ستوكهولم.
ووفقًا لما نقلته الإذاعة السويدية، فقد تلقت الشرطة بلاغًا مساء الأربعاء يفيد بسماع دوي إطلاق نار في منطقة هوفخو بسودرتاليا. وعند وصولها إلى الموقع، عثرت على رجل مصاب بالرصاص تم نقله إلى المستشفى، قبل أن يُعلن لاحقًا عن وفاته، مما دفع السلطات إلى فتح تحقيق في جريمة قتل.
وفي سياق متصل، أعلنت الشرطة توقيف خمسة مشتبه بهم على خلفية الحادث، فيما أشارت وسائل إعلام محلية إلى أن موميكا كان نشطًا على مواقع التواصل الاجتماعي لحظة وقوع الجريمة، وأن عملية إطلاق النار قد تم تصويرها.
وكان موميكا، البالغ من العمر 38 عامًا، قد أثار غضبًا واسعًا خلال عام 2023 بعد قيامه بحرق المصحف خلال عدة مظاهرات، مما أدى إلى توترات دبلوماسية بين السويد وعدد من الدول العربية والإسلامية. وقد تم استدعاء السفراء السويديين في عدة دول، بينما شهدت العاصمة العراقية بغداد احتجاجات عنيفة، شملت اقتحام السفارة السويدية مرتين وإضرام النار فيها في يوليو 2023.
على الصعيد القانوني، كانت محكمة سويدية تنظر في قضية مرفوعة ضد موميكا بتهمة "التحريض على الكراهية"، وكان من المفترض أن تصدر حكمها يوم الخميس، إلا أنها أجلت القرار بسبب وفاته.
يُذكر أن محكمة الهجرة السويدية كانت قد أصدرت قرارًا بترحيل موميكا في فبراير 2024، وهو ما دفعه إلى مغادرة السويد والتوجه إلى النرويج طلبًا للجوء.
وفي ظل تصاعد التوترات بعد حوادث حرق المصحف، رفعت السلطات السويدية في أغسطس 2024 مستوى التأهب الأمني ضد الإرهاب إلى ثاني أعلى درجة، محذرة من تزايد التهديدات ضد مواطنيها داخل البلاد وخارجها.
يمثل مقتل الناشط العراقي سلوان موميكا في السويد لحظة فارقة في الجدل المتصاعد حول حرية التعبير وتنامي التطرف في أوروبا. فقد أصبح التجديف، الذي يفترض أن يكون حقًا مكفولًا في المجتمعات الديمقراطية، مثار خلاف يهدد قيم الليبرالية نفسها. فبينما تؤكد الحكومات الغربية على التزامها بحرية التعبير، نجدها في الوقت ذاته تتراجع تحت وطأة الضغوط السياسية والدبلوماسية، ما يفتح الباب أمام تنامي التيارات المتشددة من مختلف الأطياف.
حرية التعبير بين المبادئ والضغوط السياسية
لطالما اعتُبرت حرية التعبير حجر الأساس للديمقراطية الليبرالية، حيث تشمل الحق في انتقاد الأديان والمعتقدات دون خوف من العقاب. ومع ذلك، فإن تعامل الدول الأوروبية مع قضايا مثل قضية سلمان رشدي في الثمانينيات أو الرسوم الكاريكاتورية لمجلة شارلي إبدو أو حتى احتجاجات موميكا الأخيرة، يعكس تناقضًا واضحًا بين المبادئ المعلنة والواقع السياسي. ففي حين يُنظر إلى التجديف كحق فردي في المجتمعات الحرة، فإن استجابة بعض الحكومات الغربية لهذه القضايا تُظهر استعدادها للتضحية بهذا المبدأ في سبيل استرضاء الجماعات الدينية المتشددة أو تجنب الأزمات الدبلوماسية مع دول ذات نفوذ.
إن محاكمة موميكا بتهمة "التحريض ضد مجموعة عرقية أو دينية" لم تكن مجرد إجراء قانوني، بل عكست نزعة أوروبية متزايدة نحو فرض قيود على حرية التعبير بحجة التعددية الثقافية. وهذا النهج، الذي يبدو في ظاهره محاولة لحماية الأقليات الدينية، قد أدى في الواقع إلى تعزيز التطرف من جميع الأطراف. فمن ناحية، تشعر الجماعات الإسلامية بأن لديها سلطة للضغط من أجل فرض قيود على النقد الديني، ومن ناحية أخرى، يستغل اليمين المتطرف هذه السياسات لتبرير دعاواه بأن الحكومات الغربية تتخلى عن هويتها وقيمها لصالح الأقليات المسلمة.
كيف يُسهم قمع حرية التعبير في تنامي التطرف؟
إن التردد في الدفاع عن حرية التعبير بشكل واضح لا يؤدي إلا إلى تصاعد الاستقطاب السياسي وتفاقم التطرف على الجانبين. فمن جهة، يؤدي الشعور بأن الحكومات الغربية تتبنى سياسات تقييدية لصالح الإسلام إلى تغذية مشاعر الغضب في صفوف اليمين المتطرف، مما يعزز الخطابات الشعبوية التي تصور أوروبا على أنها تفقد هويتها الثقافية لصالح "الأسلمة". وقد رأينا كيف أن سياسات مماثلة في دول مثل فرنسا وألمانيا قد ساهمت في صعود أحزاب يمينية متطرفة مثل البديل من أجل ألمانيا، الذي يروج لخطاب معادٍ للمهاجرين والمسلمين على حد سواء.
ومن الجهة الأخرى، فإن استجابة بعض الحكومات الغربية لضغوط الجماعات الدينية تعزز الشعور لدى المتطرفين الإسلاميين بأن استخدام العنف أو التهديد به يمكن أن يحقق نتائج سياسية. ففي كل مرة يتم فيها التراجع عن دعم حق فردي في انتقاد الدين بسبب مخاوف من ردود فعل عنيفة، تزداد قناعة الجماعات المتشددة بأن القوة والإرهاب أدوات فعالة لفرض أجندتها. وهذا ما يجعلنا أمام حلقة مفرغة: كلما زاد التسامح مع التهديدات المتطرفة، زادت قوة الجماعات التي تسعى لفرض قيود دينية على المجتمعات العلمانية.
تأثير هذا التوجه على أوروبا ومستقبلها
لا يمكن إنكار أن هذه السياسات تساهم بشكل مباشر في خلق بيئة غير مستقرة داخل المجتمعات الأوروبية. فبدلًا من تعزيز التعايش والاندماج، تؤدي القيود المفروضة على حرية التعبير إلى تعميق الانقسامات وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة. وعندما يشعر المواطنون بأن حكوماتهم غير قادرة على الدفاع عن حقوقهم الأساسية خوفًا من ردود الفعل العنيفة، فإنهم قد يلجؤون إلى دعم تيارات سياسية أكثر تطرفًا تعِد بمواجهة هذه "الاستسلامات".
في المقابل، يؤدي تنامي اليمين المتطرف إلى تغذية خطاب الضحية في أوساط المسلمين، مما قد يدفع بعض الأفراد إلى الانضمام إلى حركات متشددة تعتقد أن أوروبا تخوض حربًا ضد الإسلام. وبهذا نجد أنفسنا أمام تصاعد متوازٍ لتيارين متعارضين، كلاهما يستخدم الآخر كذريعة لتبرير وجوده وتوسيع نفوذه.
ما الحل؟
إن مواجهة هذا الاتجاه الخطير تتطلب موقفًا حاسمًا من الحكومات الأوروبية، يقوم على التمسك الصارم بقيم حرية التعبير دون استثناءات. فلا ينبغي أن يكون هناك تنازل أمام التهديدات الدينية، ولا مجال للسماح للأيديولوجيات المتطرفة، سواء الإسلامية أو اليمينية، بالهيمنة على المجال العام.
يجب على الحكومات أن تؤكد أن نقد الأديان ليس جريمة كراهية، بل هو جزء من حرية الفكر والتعبير التي تكفلها القوانين الديمقراطية. كما ينبغي أن يُنظر إلى التجديف باعتباره رأيًا فرديًا لا يُلزم المجتمع بأسره، وليس مبررًا لأي شكل من أشكال العنف أو الإرهاب.
أما على المستوى المجتمعي، فمن الضروري تعزيز ثقافة الحوار والانفتاح بدلاً من السياسات القائمة على القمع أو الاسترضاء. فبدلاً من فرض قيود قانونية على النقد الديني، يجب أن يكون هناك نقاش عام حول حدود حرية التعبير وكيفية التعايش مع الاختلافات الثقافية والدينية دون اللجوء إلى العنف أو التهديدات.
الخاتمة
إن مقتل سلوان موميكا ليس مجرد حادثة فردية، بل هو إنذار جديد للمجتمعات الغربية بشأن المخاطر التي تواجهها إذا استمرت في التردد في الدفاع عن قيمها الأساسية. فحرية التعبير لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يمكن التضحية بها على مذبح الاستقرار السياسي المؤقت. إن الاستسلام للضغوط المتطرفة، سواء من قبل الجماعات الدينية أو الأحزاب الشعبوية، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوترات والانقسامات داخل أوروبا، مما يجعل مستقبلها أكثر اضطرابًا وأقل أمانًا.
إذا أرادت أوروبا أن تبقى وفية لقيمها، فعليها أن تتخذ موقفًا واضحًا: لا تراجع عن حرية التعبير، ولا مجال للتطرف بأي شكل من الأشكال.