التهديد الخفي.. كيف توظف إيران شبكات إجرامية دولية لتصدير إرهابها إلى الغرب؟

السبت 02/أغسطس/2025 - 11:03 ص
طباعة التهديد الخفي.. كيف أميرة الشريف
 
في تطور جديد يعكس تصاعد حدة المواجهة بين الدول الغربية والنظام الإيراني، أطلق تحالف غربي يضم الولايات المتحدة وثلاث عشرة دولة أخرى، من بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا، تحذيرًا شديد اللهجة بشأن ما وصفوه بـ"التهديد الأمني الإيراني العابر للحدود"، والذي تجاوز حدود التجسس والتدخل السياسي ليأخذ طابعًا أكثر خطورة وترويعًا، إذ يتهم البيان طهران بالتورط في أعمال إرهابية موجهة ضد معارضين وصحفيين ونشطاء، بل وحتى مواطنين عاديين في أوروبا وأمريكا الشمالية.
تحذير غربي مشترك
التحذير، الذي جاء عبر بيان مشترك نُشر هذا الأسبوع، اتهم الاستخبارات الإيرانية مباشرة بتنفيذ أو تدبير مؤامرات اغتيال واختطاف ومضايقات ممنهجة ضد من تعتبرهم طهران أعداءً أو خصومًا لها في الخارج.
 ووفقًا لموقع "المونيتور"، فإن هذه الأنشطة لم تعد مجرد أعمال فردية أو حالات شاذة، بل باتت تُنفذ ضمن خطط منسقة ومتكررة، وبالتحالف مع شبكات إجرامية دولية تتولى التنفيذ مقابل المال، ما يضع هذه التحركات في إطار "الإرهاب المعولم".
وفيما وصفه مراقبون بأنه أحد أكثر ردود الفعل الغربية شمولًا وتنسيقًا تجاه أنشطة طهران السرية، لم تتأخر إيران في الرد، إذ سارعت وزارة خارجيتها إلى إصدار بيان رفضت فيه الاتهامات ووصفتها بـ"الادعاءات السخيفة والخالية من الأدلة"، بل وزادت على ذلك باتهام الدول الغربية بـ"الدعم الصريح للإرهاب" عبر توفير الملاذات الآمنة لمن تعتبرهم طهران "إرهابيين معادين للدولة".
لكن الواقع الأمني على الأرض يتحدث بلغة مختلفة. فالتقارير الاستخباراتية الغربية، بما فيها ما صدر مؤخرًا عن لجنة الأمن والاستخبارات البريطانية، تشير إلى أن إيران قد تورطت في ما لا يقل عن 15 محاولة لاغتيال أو اختطاف شخصيات معارضة داخل الأراضي البريطانية فقط منذ عام 2022. 
وتم تنفيذ عدد من هذه المحاولات من خلال وسطاء إجراميين، وهي استراتيجية تعتمدها إيران على نحو متزايد، بحسب نائب وزير الداخلية البريطاني، دان جارفيس، الذي أشار في كلمة أمام البرلمان إلى أن طهران تحاول "إخفاء بصماتها" عبر تسليم المهام التنفيذية إلى جماعات منظمة لها سوابق في تجارة المخدرات أو السلاح.
وفي مثال بارز على هذا النمط من العمليات، كشفت أجهزة الأمن الهولندية في بداية عام 2024 عن إحباطها لمحاولة اغتيال إيراني معارض يقيم في البلاد، كانت مخططة بعناية وممولة من أطراف ذات صلة بأجهزة الاستخبارات الإيرانية.
 وفي الولايات المتحدة، وُجهت في عام 2023 تهم إلى ثلاثة أعضاء في عصابة إجرامية أوروبية لتورطهم في مخطط لاغتيال الصحفية والناشطة الإيرانية-الأمريكية مسيح علي نجاد، وهي من أبرز الأصوات المعارضة للنظام الإيراني.
مؤامرات واغتيالات
الخطير في هذه القضية لا يتمثل فقط في الخطر الذي يتعرض له الأفراد المستهدفون، بل في الأثر الواسع لهذه السياسات على النظام الدولي ككل.
 فقيام دولة ذات سيادة بإرسال أو تمويل جماعات إجرامية لتنفيذ اغتيالات على أراضٍ أجنبية يُعد انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية، ويقوض الأعراف التي تحكم العلاقات بين الدول، خاصة في ظل غياب أي محاسبة حقيقية أو عواقب مباشرة على النظام الإيراني.
هنا تتقاطع هذه التحركات مع التعريف الواسع للإرهاب، إذ لم تعد هذه الأفعال مجرد أدوات للترهيب أو تصفية حسابات سياسية، بل جزء من استراتيجية منظمة تمزج بين العمل الاستخباراتي والإجرام العابر للحدود، مما يضعها ضمن إطار "الإرهاب الذي ترعاه الدولة".
 والأسوأ من ذلك، أن هذا الإرهاب الجديد لا يستهدف فقط المعارضين، بل يشمل تهديدات ضد صحفيين مستقلين ومواطنين يهود وحتى مسؤولين غربيين حاليين وسابقين.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل هذا التصعيد عن السياق السياسي الإقليمي والدولي الذي تعيشه إيران. فمع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، خاصة بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، وجدت طهران نفسها في موقع دفاعي، سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً. 
ووفقًا لمحللين في "المونيتور"، فإن الضغوط الغربية المتزايدة، إلى جانب خسائرها النوعية في الصراع غير المعلن مع إسرائيل، دفعت إيران إلى تفعيل أدواتها السرية بشكل غير مسبوق، في محاولة للرد على ما تعتبره "تطويقًا استراتيجياً" يهدد وجودها.
إرهاب ترعاه دولة
ويبدو أن البرنامج النووي الإيراني أيضًا قد تلقى ضربة قاسية خلال الشهور الماضية، كما أشار وزير الخارجية الإيراني السابق عباس عراقجي. 
وقد يرى النظام في العمل السري، سواء عبر أذرعه الخارجية مثل "فيلق القدس" أو عبر التعاون مع شبكات الجريمة، وسيلة "منخفضة الكلفة" لاستعادة زمام المبادرة أو على الأقل لتصدير أزماته الداخلية للخارج.
الرد الإيراني الذي اتهم الغرب بـ"النفاق" وبـ"الصمت أمام الإبادة الجماعية في غزة" يعكس محاولة واضحة لتحويل الأنظار عن الاتهامات الموجهة إليه.
 لكن هذا الأسلوب بات مستهلكًا بالنسبة للدول الغربية، التي ترى أن طهران تحاول تبرير أنشطتها غير القانونية بادعاءات سياسية وأخلاقية، دون أن تقدم أي أدلة على زعمها بأن معارضيها في الخارج هم "إرهابيون" بالفعل.
التحالف الأمني بين إيران والعصابات الدولية لا يعكس فقط خطرًا على المعارضين الإيرانيين، بل يمثل تهديدًا حقيقيًا للبنية الأمنية في الغرب.
 فدمج أجهزة الاستخبارات بقدرات المافيا والجريمة المنظمة يخلق شبكات معقدة من التهديدات يصعب رصدها وإيقافها. 
وهذا يفرض تحديات أمنية جديدة، تتطلب من الدول الغربية تطوير استراتيجيات أكثر مرونة، وتعزيز التعاون الاستخباراتي وتحديث القوانين الجنائية التي تتعامل مع هذا النوع من "الإرهاب الهجين".
ويري مراقبون أن ما تواجهه أوروبا وأمريكا الشمالية ليس مجرد خصومة سياسية مع طهران، بل تحدٍ من نوع جديد، حيث تستخدم دولة عضو في الأمم المتحدة أدوات الإرهاب والجريمة المنظمة كوسائل ضغط وسيطرة،  وإن لم يتم التصدي له بحزم، فقد نكون أمام واقع دولي أكثر فوضوية، حيث يصبح العنف العابر للحدود أداة مشروعة لتصفية الحسابات في غياب الردع الدولي.

شارك