اليوم الدولي لضحايا العنف الديني.. اليمن نموذج صارخ لانتهاكات الحوثي ضد الحريات والمعتقدات

السبت 23/أغسطس/2025 - 11:22 ص
طباعة اليوم الدولي لضحايا فاطمة عبدالغني
 
في اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا أعمال العنف القائمة على أساس الدين أو المعتقد، كشفت تقارير حقوقية يمنية ودولية صورة قاتمة لحجم الانتهاكات الممنهجة التي ارتكبتها مليشيات الحوثي المدعومة من إيران بحق الأقليات الدينية والمذهبية في اليمن، والتي طالت اليهود والبهائيين والمسيحيين وأتباع المذاهب السنية والجماعات السلفية، وحتى رموز ومرجعيات زيدية مثل العلامة محمد عبد العظيم الحوثي في صعدة والعلامة محمد المؤيدي في عمران.
 هذه الحملات، الممتدة منذ عام 2007، أفضت إلى عمليات تهجير كلي وجزئي، واعتقالات واسعة، وقتل آلاف المدنيين، وتدمير المساجد ودور العبادة وتحويلها إلى مراكز عسكرية وطائفية.
وبحسب تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات ورابطة معونة لحقوق الإنسان والهجرة، بدأت أولى حملات التطهير الديني بتهجير يهود آل سالم في صعدة عام 2007، تبعتها سيطرة الحوثيين عام 2010 على 12 حوزة دينية لأتباع المذهب الجعفري في الجوف، ثم شن الحرب على أتباع العلامة الزيدي محمد عبد العظيم الحوثي في 2012. 
وفي 2013، شهدت منطقة دماج جنوب صعدة واحدة من أضخم عمليات التهجير القسري ذات الطابع الديني، حيث أجبر أكثر من ثلاثة آلاف طالب علم وأسرهم من أتباع الشيخ مقبل الوادعي على النزوح بعد حصار دموي استمر ثلاث سنوات وأسفر عن 1184 انتهاكاً، منها 200 حالة قتل بينهم 29 طفلاً وخمس نساء، كما بلغت الإصابات في صفوف جماعة السلفيين في دماج (600) بينهم 71 طفلاً و10 نساء، و43 حالة إجهاض، فضلاً عن إصابة 113 طفلاً بجفاف وسوء تغذية و67 آخرين بالتهابات رئوية، وتدمير 361 مرفقاً مدنياً بينها ستة مساجد و346 منزلاً وثلاثة مستشفيات وستة آبار مياه.
ومنذ 1 يناير 2015 وحتى 30 يونيو 2025، وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بالتعاون مع رابطة معونة 4,560 واقعة انتهاك طالت المساجد ودور العبادة في 14 محافظة يمنية. 
هذه الانتهاكات تنوعت بين القتل المباشر للأئمة والخطباء والمصلين، وتفجير المساجد ودور القرآن، والاعتداء على المصلين، والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي، وفرض خطباء تابعين للفكر الحوثي، وإغلاق المساجد وتحويلها إلى مراكز تعبئة طائفية وتلقين عقائدي للأطفال. 
وقد سجلت التقارير 277 حالة قتل لخطباء وأئمة، منها 72 نتيجة إطلاق مباشر و19 جراء القصف و28 بسبب الضرب المبرح و19 بالطعن أو السلاح الأبيض، و178 حالة إصابة جسدية، واعتقال أكثر من 1,832 شخصاً من أتباع المذاهب السنية منذ 2014، بينهم 386 إماماً وخطيباً لا يزالون مخفيين قسراً حتى اللحظة، و73 حالة تعذيب منها تسع حتى الموت.

كما وثقت الشبكة 791 انتهاكاً بحق المساجد ودور العبادة السنية بينها 103 حالات تفجير وتفخيخ، و201 حالة قصف، و52 حالة حرق، و341 حالة اقتحام ونهب، و423 مسجداً حُوِّلت إلى ثكنات عسكرية، و219 مركزاً لغسل عقول الأطفال، و61 غرفة عمليات حربية، و394 إغلاقاً كلياً، و1,291 حالة فرض خطباء وأئمة، و467 إغلاق مدارس تحفيظ قرآن.
أما الطائفة البهائية، فقد تعرضت لـ139 انتهاكاً بينها اعتقال 71 شخصاً (بينهم ستة أطفال و20 امرأة)، و25 محاكمة غير عادلة صدرت في بعضها أحكام بالإعدام، وتهجير 25 أسرة ومصادرة 12 منزلاً، وطرد جماعي في 2020 أعقبه حملة اعتقالات في 25 مايو 2023 شملت 17 شخصاً بينهم خمس نساء، أُطلق سراح 12 منهم لاحقاً بعد ضغوط دولية فيما لا يزال خمسة محتجزين بينهم عاملون إنسانيون وناشطون حقوقيون.
اليهود اليمنيون واجهوا بدورهم 63 حالة تهجير قسري واعتقال تسعة أشخاص وإغلاق مدرستين ونهب ممتلكاتهم، والمسيحيون تعرضوا لعشر حالات اعتقال وتعذيب وأربع حالات قتل وحالتي اقتحام كنائس بينها حالة تدمير وحرق، إضافة إلى ملاحقات قضائية بتهمة الردة بحق متحولين للمسيحية.
بالإضافة إلى وسائل أخرى خارج نطاق القضاء مثل التهديدات والاعتداءات، فرضوا قيودًا ذات دوافع أيديولوجية على لباس المرأة، وحرية تنقلها، وحصولها على العمل والتعليم والرعاية الصحية، واشتراط المحرم، الذي يفرض على عاملات الإغاثة أن يرافقهن قريب ذكر، أثر سلبًا على إيصال المساعدات الإنسانية.
‏وأفاد التقرير بأن مناهج وكتب المدارس الابتدائية في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون لا تزال تعكس فهمهم للإسلام فحسب، وتحتوي على شعارات وخطابات معادية للسامية ومعادية لإسرائيل وأمريكا وتنادي بالموت وسفك الدماء والولاء المطلق لزعيم المليشيات الحوثية.
وفي سياق متصل، وثقت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية (YWEF) بين 2014 وأغسطس 2025 ما مجموعه 4,620 انتهاكاً ضد المساجد ودور العبادة والأئمة والخطباء، شملت 311 حالة قتل و231 إصابة، و652 حالة اختطاف بينها 143 حالة تعذيب و13 وفاة تحت التعذيب، وتحويل 491 مسجداً إلى ثكنات، و114 غرفة عمليات، و899 مسجداً لممارسات طائفية دخيلة، و936 فرض خطباء بالقوة، و832 مكتبة مسجدية صودرت واستبدلت بملازم طائفية، و151 مرفقاً وقفياً تم الاستيلاء عليه.
هذه التقارير تكشف أن مليشيات الحوثي لم تكتفِ باستهداف المخالفين دينياً ومذهبياً بالقتل والاعتقال والتهجير، بل سعت إلى تفريغ المناطق التي سيطرت عليها من تنوعها التاريخي، واستبدال هويتها الفكرية والدينية بمشروع طائفي مرتبط بإيران. هذه الممارسات تتعارض بشكل صارخ مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يكفل حرية الدين والمعتقد، والذي صادقت عليه الجمهورية اليمنية عام 1987.
وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني وصف هذه الجرائم بأنها "حملة تطهير ديني ومذهبي مكتملة الأركان"، كما وصف الممارسات الحوثية بحق  الأقليات الدينية بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، واعتداء مباشرا على حرية الدين والمعتقد.
كما لفت الإرياني إلى أن الانتهاكات الحوثية التي وثقتها أرقام التقارير الحقوقية  تكشف بوضوح أن المليشيا الحوثي لم تستهدف فقط الأقليات الدينية، بل شنت حربا مفتوحة على المساجد باعتبارها رمزا لهوية المجتمع اليمني الدينية والحضارية، في محاولة لفرض مشروعها الطائفي المستورد من إيران، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتغيير معتقدات اليمنيين وهويتهم الوسطية المعتدلة
ونبه الوزير اليمني إلى أن هذه الجرائم الممنهجة تكشف الطبيعة العنصرية والإقصائية لمليشيا الحوثي، التي تسعى لفرض فكرها المتطرف على المجتمع اليمني بقوة السلاح والإرهاب، ضاربة عرض الحائط بالقوانين الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والقانون الدولي الإنساني، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
وجدد الإرياني دعوته للمجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان إلى إدانة الجرائم والانتهاكات الحوثية بحق الأقليات الدينية في اليمن، وملاحقة قيادات المليشيا المتورطة في هذه الجرائم، وفي مقدمتهم المدعو عبدالملك الحوثي، باعتباره مسئول مباشر عن انتهاكات ترقى لجرائم ضد الإنسانية، ودعم الحكومة الشرعية لاستعادة الدولة وحماية ما تبقى من الأقليات الدينية في مناطق سيطرة المليشيا، وضمان حقهم في ممارسة معتقداتهم بحرية وأمان.
ويرى المراقبون أن ما يجري في اليمن ليس مجرد انتهاكات فردية، بل هو جزء من مشروع سياسي أوسع تسعى مليشيا الحوثي إلى تنفيذه، يقوم على تغيير الهوية الدينية لليمنيين لصالح عقيدة طائفية مستوردة من إيران.
 هذا المشروع، بحسب الخبراء، يستهدف ضرب التعايش التاريخي الذي حافظ عليه اليمن لعقود، وإدخال البلاد في صراعات مذهبية ممتدة تخدم الأجندة الإيرانية في المنطقة.
وأكد الخبراء أن استمرار صمت المجتمع الدولي ساعد الحوثيين على التمادي في هذه الجرائم، وأن تصريحات وزير الإعلام اليمني تأتي لتدق ناقوس الخطر، مشيرين إلى أن أي تسوية سياسية في اليمن يجب أن تتضمن بنوداً واضحة لحماية حرية الدين والمعتقد، وضمان عودة جميع دور العبادة إلى وضعها الطبيعي، وتعويض الضحايا والمتضررين، كما طالبوا بإنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة لجمع الأدلة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وإدراج حماية الأقليات ضمن أولويات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
ويؤكد هؤلاء المراقبون أن اليوم الدولي لضحايا أعمال العنف القائمة على أساس الدين أو المعتقد يجب أن يشكل فرصة لإعادة تسليط الضوء على هذه الانتهاكات، ووضع حد لسياسة الإفلات من العقاب التي شجعت المليشيا على الاستمرار في جرائمها، وإعادة الاعتبار للتنوع المذهبي والديني الذي يعد جزءاً من الهوية اليمنية الأصيلة.

شارك