نقل معتقلي داعش من سوريا إلى العراق… خطوة حاسمة أم مخاطرة أمنية؟
الأربعاء 21/يناير/2026 - 07:31 م
طباعة
علي رجب
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الأربعاء 21 يناير 2026، إطلاق مهمة استراتيجية جديدة لنقل آلاف المعتقلين من تنظيم «داعش» الإرهابي من مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا إلى سجون خاضعة لسيطرة الحكومة العراقية، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها حاسمة لمنع أي محاولات هروب وضمان الهزيمة النهائية للتنظيم.
وبحسب بيان رسمي صادر عن سنتكوم من مقرها في تامبا، بدأت العملية بنجاح اليوم عبر نقل 150 مقاتلاً من داعش كانوا محتجزين في محافظة الحسكة السورية شرقي نهر الفرات، إلى موقع آمن داخل الأراضي العراقية، وذلك في إطار تنسيق وثيق مع الحكومة العراقية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد». وأكد قائد سنتكوم، الأدميرال براد كوبر، أن عملية النقل تتم بشكل منظم وآمن، مشددًا على أن بقاء عناصر داعش في مراكز احتجاز غير مستقرة يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تدهور الأوضاع الأمنية في شمال شرق سوريا، حيث تدير «قسد» أكثر من 20 مركز احتجاز تضم نحو 9 آلاف مقاتل من داعش، إضافة إلى معسكرات كبيرة مثل الهول والروج التي تؤوي عشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم. وشهدت المنطقة خلال السنوات الماضية حوادث خطيرة، أبرزها هجوم داعش على سجن الحسكة عام 2022، الذي أدى إلى هروب مئات العناصر واندلاع اشتباكات استمرت عشرة أيام وأسفرت عن مقتل المئات، ما عزز المخاوف من تحول هذه المراكز إلى بؤر لإعادة إنتاج التطرف.
وأكد كوبر أن النقل سيتم على مراحل، مع إعطاء أولوية للمقاتلين الأجانب الذين يُنظر إليهم باعتبارهم الأكثر خطورة، مشيرًا إلى أن القوات الأمريكية اعتقلت أكثر من 300 عنصر من داعش في سوريا خلال عام 2025، وقتلت نحو 20 آخرين في عمليات عسكرية دقيقة. واعتبرت سنتكوم أن العراق يمثل وجهة أكثر أمانًا لاحتجاز هؤلاء، في ظل امتلاكه منظومة سجون أكثر إحكامًا وخبرة طويلة في التعامل مع ملف التنظيم، فضلًا عن سيطرته الحدودية التي تقلل فرص الهروب أو التواصل مع خلايا نائمة.
المرحلة الأولى من العملية نُفذت بدعم لوجستي وأمني مكثف، شمل استخدام طائرات هليكوبتر ومرافقة مدرعة مع غطاء جوي مستمر، وسط إشادة أمريكية بالدور الذي لعبته بغداد و«قسد» في إنجاح العملية. وفي تصريحات إعلامية، اعتبر مسؤولون أكراد أن نقل المعتقلين يخفف عبئًا أمنيًا كبيرًا عن قواتهم في ظل تصاعد التهديدات والهجمات.
ورغم الترحيب الرسمي العراقي بالمهمة، أثارت العملية نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والحقوقية، إذ حذر بعض الخبراء من أن نقل آلاف المعتقلين قد يشكل ضغطًا إضافيًا على العراق، خاصة في ظل مطالب داخلية سابقة بالإفراج عن بعض المحتجزين تحت ضمانات. كما دعت منظمات حقوقية دولية إلى ضمان محاكمات عادلة وسريعة، محذرة من مخاطر انتشار التطرف داخل السجون إذا طال أمد الاحتجاز دون إجراءات قضائية واضحة.
وتندرج هذه المهمة ضمن استراتيجية أمريكية أوسع، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية، تهدف إلى تقليص عدد محتجزي داعش في سوريا إلى الحد الأدنى، بما يسمح بالتركيز على ملاحقة الخلايا النائمة ومواجهة التجنيد عبر الإنترنت. ويقدّر مسؤولون أمريكيون أن التنظيم ما زال يمتلك نحو 10 آلاف مقاتل على مستوى العالم، ما يجعل ملف المعتقلين أحد أخطر التحديات الأمنية. ووصف كوبر هؤلاء المحتجزين بأنهم «جيش كامن»، محذرًا من أن أي إخفاق في إدارتهم قد يؤدي إلى عودة التنظيم بقوة.
إقليميًا، رحبت بغداد بالمهمة باعتبارها امتدادًا لشراكتها مع واشنطن في مكافحة داعش منذ هزيمته الإقليمية عام 2019، فيما سارعت الولايات المتحدة إلى تسريع النقل بعد إعلان «قسد» تقليص وجودها في بعض المعسكرات نتيجة التهديدات ونقص الدعم الدولي. في المقابل، انتقدت روسيا والنظام السوري العملية، واعتبراها مبررًا لاستمرار الوجود الأمريكي في سوريا، بينما أبدت دول خليجية دعمًا ضمنيًا للمساعي الرامية إلى منع عودة داعش إلى العراق واليمن ومناطق أخرى.
وتواجه المهمة تحديات كبيرة في المرحلة المقبلة، تشمل تعقيدات النقل عبر مناطق متنازع عليها، واحتمال استهداف القوافل أو السجون بهجمات إرهابية، فضلًا عن التوترات مع ميليشيات مسلحة في العراق. ومع ذلك، ترى واشنطن أن نجاح هذه العملية سيكون خطوة مفصلية نحو إغلاق أحد أخطر ملفات ما بعد «الخلافة»، خاصة مع تقليص عدد القوات الأمريكية في سوريا إلى أقل من ألف جندي.
وفي المحصلة، تمثل عملية نقل معتقلي داعش تحولًا استراتيجيًا في إدارة ملف التنظيم، وتعكس رهانًا أمريكيًا على الشراكة الإقليمية لضمان هزيمته الدائمة، وسط إدراك واسع بأن نجاح المهمة لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على الاستمرارية السياسية والأمنية والتنسيق الدولي طويل الأمد.
