استراتيجية داعش لترميم الصفوف بعد فقدان السيطرة على السجون
الأحد 25/يناير/2026 - 06:39 م
طباعة
حسام الحداد
تتناول هذه القراءة التحليلية افتتاحية صحيفة "النبأ" التابعة لتنظيم داعش، والتي صدرت في 22 يناير 2026 للتعليق على التغيرات الميدانية في سوريا، خاصة سيطرة "هيئة تحرير الشام" على سجون ومخيمات كانت تحت إدارة "قسد". يسعى التنظيم من خلال هذا الخطاب إلى ترميم الروح المعنوية لقواعده عبر تصوير التحولات السياسية كـ "مؤامرة دولية" تهدف لاستبدال سجان بآخر، مع نزع الشرعية عن الجولاني بوصفه "طاغوتاً جديداً" ووكلاء للغرب. يعتمد النص على استراتيجية أيديولوجية توظف النصوص الدينية لإحداث عزل شعوري بين أتباعه والواقع الجديد، محولاً الهزائم الميدانية إلى "ابتلاءات إيمانية" تمهيداً لنصر غيبي موعود. كما تسلط القراءة الضوء على المسكوت عنه في خطاب التنظيم، مثل عجزه العسكري وتجاهله للمعاناة الإنسانية للمحتجزين، محذرة من خطورة هذا التحريض في إذكاء الصراعات البينية. وتختتم المصادر بتقديم رؤية لمواجهة هذا الفكر عبر تفكيك السرديات الدينية المتطرفة ومعالجة الأزمات الإنسانية والسياسية التي يستغلها التنظيم للبقاء.
تعد افتتاحية العدد (531) من صحيفة "النبأ"، الصادرة عن "ديوان الإعلام المركزي" التابع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وثيقة سياسية وأيديولوجية بالغة الأهمية؛ فهي لا تصدر كمنصة إخبارية فحسب، بل كلسان حال رسمي يحدد الموقف "العقدي" للتنظيم من المتغيرات المتسارعة. صدور هذا العدد في 22 يناير 2026 يحمل دلالة زمنية فارقة، إذ يأتي في أعقاب انهيارات ميدانية وإعادة تشكيل للخارطة السورية، مما استدعى من التنظيم تدخلاً خطابياً سريعاً لترميم الروح المعنوية لقواعده وتفسير الأحداث وفق منظوره الخاص.
من الناحية السياسية، تزامنت الافتتاحية مع "تفاهمات دولية ومحلية" أدت إلى بسط "هيئة تحرير الشام" (بزعامة أبو محمد الجولاني) سيطرتها على مناطق نفوذ سابقة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد). هذا الانتقال في السيطرة شمل ملفات بالغة الحساسية مثل مخيمي "الهول" و"الروجب" وسجني "غويران" و"الشدادي"، وهي المواقع التي تضم آلاف المحتجزين من عوائل وعناصر التنظيم. بالنسبة لـ "النبأ"، فإن هذا التحول ليس مجرد تغيير عسكري، بل هو "تسليم وتسلم" برعاية دولية يهدف إلى استبدال وكيل محلي بآخر تحت مسمى "الإدارة الانتقالية".
تكمن دلالة موعد النشر في محاولة التنظيم "استباق" أي شعور بالارتياح قد يتسرب إلى حاضنته أو إلى السجناء وعوائلهم حيال تغير السجان. فبينما يرى البعض في سيطرة الجولاني "انفراجة" محتملة، تسعى الافتتاحية إلى قطع الطريق على هذا التفاؤل عبر تصوير الجولاني كـ "طاغوت" أكثر خطورة وتبعية للغرب من سابقيه. إن توقيت النشر يهدف إلى "تأطير" الحدث كجزء من مؤامرة صليبية كبرى، وتحويل مشهد "التحرير" المزعوم إلى مشهد "استبدال سجان بسجان"، لضمان بقاء الولاء التنظيمي بعيداً عن أي كيانات منافسة.
علاوة على ذلك، يكشف السياق العام للافتتاحية عن حالة من "الحنق السياسي" تجاه التصريحات الأمريكية (ترامب وتوم باراك) التي ألمحت إلى انتهاء صلاحية "قسد" كقوة قتالية. يستغل ناشر "النبأ" هذه التصريحات ليؤكد سرديته القديمة بأن الفصائل المعارضة ليست سوى أدوات في يد القوى الدولية. وبذلك، تصبح الافتتاحية بمثابة "بيان مفاصلة" يسعى من خلاله التنظيم إلى تثبيت قواعده في بيئة سياسية متغيرة، معتبراً أن كل من دخل في "اللعبة السياسية" أو "المرحلة الانتقالية" قد خرج من دائرة "الجهاد" ودخل في دائرة "العمالة".
الاستراتيجية الخطابية:
تعتمد الافتتاحية استراتيجية "النزع المطلق للشرعية" عبر صياغة مصطلح "الطاغوت الجديد" وإسقاطه على شخص الجولاني. هذه التسمية في قاموس التنظيم ليست مجرد شتيمة سياسية، بل هي حكم "رداة" يهدف إلى إخراج الخصم من الدائرة الإسلامية بالكلية ومساواته بالأنظمة التي قامت الثورة ضدها. من خلال هذا التوصيف، يسعى كاتب المقال إلى بناء حاجز نفسي وعقدي صلب بين قواعد التنظيم وبين أي مشروع يقوده الجولاني، مصوراً إياه بأنه الوجه الآخر لخصومهم التقليديين، ولكن بعباءة "إسلامية" مخادعة يراها التنظيم أخطر من العلمانية الصريحة.في سياق المقارنة التاريخية والسياسية، يتعمد المقال ربط الجولاني بأسماء وقادة يعتبرهم التنظيم رؤوساً "للكفر والتبعية" في المنطقة، مثل السيسي وابن سلمان وابن زايد. هذا الربط يهدف إلى إقناع القارئ بأن الصراع في سوريا لم يعد صراعاً بين ثورة ونظام، بل هو صراع بين "منهاج النبوة" (الذي يدعي التنظيم تمثيله) وبين "المنهاج الفرعوني" الذي يمثله الجولاني ومن خلفه القوى الدولية. عبر استدعاء قصة فرعون وقومه في قوله تعالى "فَاستَخَفَّ قَومَهُ فَأَطاعوهُ"، يضع المقال مؤيدي الجولاني في خانة "العبيد" الفاقدين للبصيرة، محاولاً تجريد المشهد من أي أبعاد ثورية أو وطنية.أما في ملف "التبعية والعمالة"، فقد استخدمت الافتتاحية تصريحات المسؤولين الأمريكيين (دونالد ترامب وتوم باراك) كأدلة "إدانة" قطعية. يوظف التنظيم حديث ترامب عن الرغبة في إدارة سورية تعمل لأجله أكثر من "قسد" ليثبت سرديته بأن الجولاني هو "الخيار الأمريكي الجديد". هذا الاستشهاد بالخصم (أمريكا) ضد الخصم (الجولاني) هو تكتيك دعائي ذكي يهدف إلى إظهار الجولاني بمظهر "الوكيل الأوفى" الذي ارتضاه الغرب الصليبي لتنفيذ مهام عجزت عنها القوى الكردية، خاصة في ضبط "قنبلة" السجون والمخيمات.أخيراً، تعمل هذه الاستراتيجية الخطابية على تحويل الصراع من صراع على السلطة أو النفوذ إلى "صراع وجودي عقدي". فبتركيزه على أن التغيير الحاصل ليس "تحريراً" بل هو "تبديل أدوار"، يحاول التنظيم إحباط أي حالة استبشار شعبية بسيطرة الفصائل على مناطق "قسد". المقال يصرّ على أن ما حدث هو مجرد انتقال من "تبعية شيوعية" (قسد) إلى "تبعية ديمقراطية متسربلة بالدين" (الجولاني)، مؤكداً أن الهدف النهائي لهذا التحالف الدولي-المحلي هو القضاء على "المجاهدين" وتحويل فريضة الجهاد إلى ممارسة تابعة للإرادة الدولية، أو كما أسماها المقال "جهاد على منهاج توم باراك".
البعد الأمني والسياسي:
تبرز الافتتاحية حالة من الاستنفار الأمني الممزوج بمرارة سياسية تجاه انتقال ملف الأسرى من قبضة "قوات سوريا الديمقراطية" إلى قبضة "هيئة تحرير الشام". يدرك التنظيم أن ملف سجون الهول والشدادي وغويران يمثل ثقلاً استراتيجياً ورمزياً فائقاً، لذا فهو ينظر إلى سيطرة الجولاني عليها ليس كعملية "تحرير" للأسرى كما يروج أنصار الهيئة، بل كعملية "نقل ملكية أمنية" بإشراف دولي. هذا القلق ينبع من خشية التنظيم أن ينجح الخصم الجديد في تفكيك خلاياه داخل هذه السجون أو استمالة عناصره عبر سياسات ناعمة، وهو ما يعتبره التنظيم تهديداً وجودياً لبنيته التنظيمية.
يستخدم المقال مصطلح "القنبلة الموقوتة" لوصف ملف الأسرى، وهو اعتراف ضمني بخطورة هذا الملف وحساسيته البالغة لدى جميع الأطراف الدولية. يحاول كاتب الافتتاحية "تأميم" تضحيات المعتقلين بوصفهم هدف العملية العسكرية الحقيقي، معتبراً أن التحركات الأخيرة لم تكن تهدف لقتال "قسد" بقدر ما كانت تهدف لإحكام القبضة على هؤلاء الأسرى الذين يصفهم بـ**"مَعلم الصبر والثبات"**. هذا التوصيف يهدف إلى رفع الروح المعنوية للمحجزين، وإرسال رسالة لهم بأنهم لا يزالون في قلب الصراع، وأن تغيير "السجان" من كردي إلى فصائلي لا يغير من واقع كونهم "أسرى حرب" في مواجهة منظومة عالمية.
وفيما يخص الموقف من "الحاضنة الشعبية"، تشن الافتتاحية هجوماً لاذعاً وصادماً على الجماهير التي احتفت بسيطرة الهيئة على مناطق الشمال والشرق السوري. يصف المقال هؤلاء بـ**"الغثاء"**، مستخدماً لغة استعلائية ترى في الفرح الشعبي مظهراً من مظاهر "التربية الفرعونية" التي تستخف بالعقول. يرفض التنظيم بشدة الرواية التي تقول بأن الجولاني "حرر النساء والأطفال"، بل يعتبر أن الجماهير تعيش في "هول كبير" تحت حكم الطواغيت، وأن المدن التي يسيطر عليها الجولاني ليست سوى مخيمات أكبر يُفرض فيها على الناس معتقدات وولاءات منحرفة، حسب زعم المقال.
أخيراً، يحاول التنظيم من خلال هذا المنظور الأمني والسياسي خلق "حالة عزل شعوري" بين أتباعه وبين الواقع الجديد. فهو يسعى لترسيخ فكرة أن الفرق بين "قسد" و"الجولاني" هو فرق في القناع لا في الجوهر، متهماً أنصار الهيئة بالتطاول على "فريضة الجهاد" عبر استبدال شريعة الله بـ"منهاج توم باراك" والديمقراطية. هذا الربط يهدف إلى إقناع القواعد بأن الصمود داخل السجون أو في مناطق الصراع هو "ضريبة التوحيد"، بينما الانخراط في المشروع الجديد هو "ضريبة العبودية والذل"، وهو انقسام حاد يحاول التنظيم من خلاله منع أي ذوبان لعناصره في الهياكل الإدارية أو العسكرية الجديدة.
التوظيف الأيديولوجي والنصوص الشرعية
يستعرض المقال براعة فائقة في "الأدلجة النصية"، حيث لا يكتفي بسرد الأحداث سياسياً، بل يُعيد صياغتها كملحمة قرآنية مستمرة. يعمد الكاتب إلى استخدام "الإسقاط القرآني المكثف" لانتزاع صفة "الإسلامية" عن خصومه ومنحها حصرياً للتنظيم. من خلال توظيف آيات مثل "فَاستَخَفَّ قَومَهُ فَأَطاعوهُ"، يسعى المقال إلى خلق تشابه ذهني كامل بين "الجولاني" و"فرعون"، وبين مؤيديه و"قوم فرعون" الذين ضلوا السبيل. هذا التوظيف يهدف إلى رفع الصراع من مستوى التنافس الفصائلي إلى مستوى "الصراع بين الحق والباطل المطلق"، مما يجعل أي تعاطف مع التحولات الجديدة بمثابة خروج عن مقتضيات العقيدة.وفيما يخص "وسم الخصوم بالنفاق والجاهلية"، استدعى المقال أوصافاً قرآنية حادة مثل "صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ"، وهي نصوص نزلت أصلاً في الكفار والمنافقين الصرحاء. الغرض من هذا الاستدعاء هو "تنميط" الخصم وتجريده من إنسانيته وقدرته على الإدراك؛ فأنصار الجولاني في نظر الافتتاحية "لا يفقهون" و"لا يعقلون" لأن الله طبع على قلوبهم. هذا الأسلوب يخدم استراتيجية "العزل الذهني"، حيث يُفهم الأتباع بأن الحقيقة لا تُدرك بالحواس أو المعطيات الميدانية، بل بما يمليه "المنهاج" الذي تضعه قيادة التنظيم، مما يحصن القواعد ضد أي دعاية إعلامية من الأطراف الأخرى.أما الانتقالة البراعية في المقال، فتمثلت في بناء "سردية المظلومية والابتلاء"، حيث تحول الخطاب من الهجوم العنيف إلى "الهمسة الإيمانية" الدافئة. عبر استحضار قوله تعالى: "وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّكَ يَضيقُ صَدرُكَ بِما يَقولونَ"، يحاول الكاتب إحداث حالة من "التماهي الوجداني" بين معاناة عناصر التنظيم اليوم وبين معاناة النبي ﷺ وصحابته في مكة ومعركة الأحزاب. هذا الربط يمنح الأتباع شعوراً بالاصطفاء، ويحول شعور الهزيمة أو التراجع الميداني إلى "ابتلاء رباني" ضروري يسبق النصر، مما يفرغ الانتصارات العسكرية لخصومهم من قيمتها ويجعلها مجرد "فتنة" لتمحيص الصفوف.ختاماً، ينتهي التوظيف الأيديولوجي بربط المشهد الراهن بـ "الملاحم والفتن" وأحداث آخر الزمان، واصفاً الاحتفاء الشعبي بالجولاني كـ "عينة مصغرة" لفتنة الدجال. هذا الإسقاط "الميتافيزيقي" يهدف إلى زرع اليقين في قلوب الأتباع بأن كل ما يحدث قد كُتب سلفاً في "الزُبر"، وأن نهاية هؤلاء الخصوم ستكون "مقاربة لمصارع القوم" الغابرين. إنها محاولة لتعويض العجز الميداني بانتصار "يقيني" مؤجل، يتم فيه استبدال الواقع السياسي بوعود غيبية بالفتح، مما يُبقي الفرد التنظيمي في حالة انتظار وترقب دائم، رافضاً للاعتراف بالواقع الجديد مهما كانت شواهده.
السمات الأسلوبية (اللغة والنبرة)الحدية والمفاصلة:
تتسم افتتاحية "النبأ" بلغة تقوم على "المفاصلة الحادة"، حيث يعمد الكاتب إلى إلغاء أي "منطقة رمادية" في توصيف الصراع. يعتمد الأسلوب على نظام الثنائيات المتضادة التي لا تقبل القسمة على اثنين؛ فإما أن يكون المرء على "منهاج النبوة" (الذي يحتكره التنظيم لنفسه) أو على "منهاج توم باراك" والديمقراطية. هذا التقسيم القاطع يهدف إلى وضع القارئ أمام خيارين أحلاهما مرّ بالنسبة للمنتمي للتيار "الجهادي"، مما يمنع أي محاولة للتفكير في حلول وسطى أو قبول بالأمر الواقع الجديد، ويحول المتغيرات السياسية المعقدة إلى معركة وجودية بين "حق مطلق" و"باطل صراح".
تتجلى في النص نبرة "استعلائية وسخرية لاذعة" تجاه المخالفين، حيث لا يكتفي المقال بنقدهم، بل يسعى إلى "تحقيرهم" اجتماعياً ونفسياً. استخدام مصطلحات مثل "الغثاء"، "العبيد"، و"القعود" في وصف عموم الناس والفصائل المنافسة، يقابله إسباغ صفات "الأحرار" و"الطهر" و"الثبات" على أتباع التنظيم وحدهم. هذه السمة الأسلوبية تعكس رغبة في خلق "جدار نفسي" يحمي أفراد التنظيم من التأثر بالمحيط الشعبي، من خلال إيهامهم بأنهم "قلة مؤمنة" تترفع عن غوغائية الجماهير التي رضخت لتربية "الفراعنة الجدد".
من الناحية البلاغية، يبرز استخدام "اللغة العاطفية المحفزة" التي تدمج بين الوعيد والوعد؛ فبينما يصف المقال خصومه بـ "كلاب السيّد" الذين يتم تبديلهم، يستخدم لغة رصينة وجزلة في مخاطبة "أبطال الهول وغويران". هذا التباين في النبرة يخدم غرضاً مزدوجاً: تحطيم معنويات الخصم عبر "التبخيس" من قيمته السياسية، وفي المقابل "تقديس" المعاناة التي يعيشها أتباعه في السجون والمخيمات، وتصويرها كضريبة ضرورية للعزة والتوحيد، مما يحول الانكسار الميداني إلى فخر أخلاقي.
أخيراً، يختتم المقال بـ "النبرة النبوئية" التي تُعد علامة مسجلة في أدبيات التنظيم؛ حيث يتم الهروب من الواقع المأزوم نحو "اليقين الغيبي". الوعود بفتح "مكة وروما وبيت المقدس" في نهاية الافتتاحية ليست مجرد شعارات، بل هي أداة أسلوبية لامتصاص الصدمات الميدانية وإعادة توجيه أنظار الأتباع نحو أهداف كونية بعيدة المدى. هذه اللغة الاستشرافية تعمل كـ "مسكن أيديولوجي" يربط المصير الفردي بعمر الزمان، ويقنع العنصر بأن الهزيمة الحالية ما هي إلا محطة عابرة في طريق "الفتح العظيم" الذي تكفل الله به، حسب زعمهم.
المسكوت عنه في الافتتاحية
هناك قضايا تجنب الكاتب الخوض فيها لأنها تكشف مواطن ضعف التنظيم:
العجز العسكري الميداني: المقال يفيض بالوعيد والخطاب العقدي، لكنه يصمت تماماً عن عجز التنظيم عن "تحرير" أسراه عسكرياً كما كان يفعل سابقاً (عمليات كسر الجدران). هذا الصمت يداريه التنظيم عبر تحويل القضية إلى "ابتلاء رباني" للتغطية على الفشل العملياتي.
التفكك الداخلي: يهاجم المقال "الجولاني" بضراوة ليس فقط لأنه خصم، بل لأن نموذج الجولاني (التحول من التشدد إلى البرغماتية) يغري بعض عناصر التنظيم المنكفئين. المسكوت عنه هنا هو الخوف من "الردة التنظيمية" نحو فصائل أكثر استقراراً أو قبولاً محلياً.
مصير المدنيين في المخيمات: يتحدث التنظيم عن "المؤمنات القانتات" كرموز، لكنه يسكت عن المعاناة الإنسانية الحقيقية التي تسبب فيها بوضعهن في هذا المأزق، متبنياً استراتيجية "المتاجرة بالألم" بدلاً من إيجاد حلول واقعية.
أثر الافتتاحية وخطورتها
إن خطورة هذا الخطاب تكمن في قدرته على "تثوير" الخلايا النائمة وإعادة تدوير العنف:
محلياً (تأجيج الصراع البيني): الخطاب يدفع نحو "الحرب الأهلية الجهادية". بوصمه لأنصار الهيئة بـ"العبيد" و"المرتدين"، فإنه يشرعن لعمليات الاغتيال والتفجيرات الانتحارية داخل المناطق المحررة، مما يزعزع الاستقرار النسبي.
إقليمياً (إعادة إحياء "الذئاب المنفردة"): استخدام لغة "المظلومية" في مخيمات الهول يستنهض عواطف المتطرفين في الدول المجاورة، مما قد يؤدي إلى موجة جديدة من الهجمات "انتقاماً للأسرى".
دولياً (تعقيد ملف العائدين): هذا الخطاب يعزز مخاوف الدول الغربية من استعادة مواطنيها من المخيمات، حيث يصورهم التنظيم كـ"قنابل موقوتة" متمسكة بالمنهج، مما يعرقل جهود التفكيك السلمي لهذا الملف الإنساني.
كيفية مواجهة هذا النوع من الخطاب
لمواجهة خطاب "النبأ"، لا يكفي الحظر الأمني، بل يجب العمل على مسارات متعددة:
تفكيك السردية الدينية (المضاد العقدي): يجب على العلماء والمفكرين كشف "انتقائية" التنظيم في استخدام النصوص.
توضيح أن "التمكين" في الإسلام ليس مجرد شعارات، بل هو رعاية لمصالح الناس وأمنهم، وهو ما فشل فيه التنظيم كلياً.
المواجهة الإعلامية "بالحقائق لا بالشعارات": كشف التناقض بين وعود التنظيم بالفتح وبين الواقع المزري الذي يعيشه أتباعه.
تسليط الضوء على قصص المنشقين الذين اكتشفوا زيف هذه السرديات.
سحب الذرائع (المسار السياسي والإنساني): إنهاء ملف المخيمات والسجون عبر محاكمات عادلة وبرامج إعادة تأهيل حقيقية يفرغ خطاب التنظيم من محتواه (المظلومية).
تحسين الظروف المعيشية في المناطق "المحررة" ليكون الفرق ملموساً بين نموذج "الدولة الفاشلة" ونموذج "الإدارة المستقرة".
التحصين الرقمي: تطوير خوارزميات ذكاء اصطناعي لا تكتفي بحذف المحتوى، بل تقترح "محتوى بديلاً" يفند ادعاءات التنظيم في نفس اللحظة التي يقرأ فيها المستخدم المنشور المتطرف.
الخلاصة
تعكس هذه الافتتاحية حالة من الاستنفار الأيديولوجي لدى تنظيم داعش. فهو يشعر بالخطر من "شرعنة" خصمه (الجولاني) دولياً أو محلياً كبديل مقبول. المقال ليس مجرد نقل أخبار، بل هو محاولة لضبط البوصلة العقدية لأتباعه، وتحذيرهم من الانخداع بالتحولات السياسية، مع الإصرار على أن الصراع سيبقى مستمراً حتى "تتحقق النبوءات"، مما يشير إلى تمسك التنظيم برؤيته الصفرية للواقع السوري.
