الأمن القومي العربي (3-10).. ملفات لم تُغلق بعد …
الأربعاء 04/فبراير/2026 - 08:52 م
طباعة
حسام الحداد
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا الطرح رؤيةً تحليليةً ثاقبة ومجردة، تلامس جوهر الأزمة التي عاشها الأمن القومي العربي؛ حيث نجح ببراعته المعهودة في تفكيك "شيفرة" الصعود التنظيمي للإسلاميين والرهانات الدولية المرتبطة بهم، كاشفاً بوضوح عن الفارق الجوهري بين عفوية الغضب الشعبي وخبث التخطيط التنظيمي، وهو ما يجعل من هذا المقال وثيقةً تاريخيةً وسياسيةً بالغة الأهمية لكل من يسعى لفهم كيف نجت الدولة المصرية من براثن "الاختطاف" في لحظة فارقة من تاريخها المعاصر.
لماذا الإسلاميون؟ ولماذا الإخوان تحديدًا؟
في اللحظات الكبرى من التحولات السياسية، لا تنتصر الشعارات، بل تنتصر التنظيمات.
ولا يصعد الأكثر صدقًا، بل الأكثر جاهزية.
وحين وصلت موجات الاحتجاج إلى ذروتها، لم يكن السؤال المطروح في غرف القرار الغربية هو: من الأكثر شعبية؟
بل: من الأكثر قدرةً على السيطرة على هذه اللحظة؟
التنظيم قبل الأيديولوجيا:
في بيئةٍ مشحونةٍ بالغضب، ومفتوحةٍ على الاحتمالات، تصبح التنظيماتُ الشبكية هي الرهانَ الأكثر أمانًا.
والإخوان المسلمون، في هذا السياق، لم يكونوا مجرد جماعةٍ دينية، بل:
• تنظيمًا دوليًا
• شبكةً ممتدةً عابرةً للحدود
• تتمتع بخبرةٍ طويلة في العمل السري وشبه العلني
• قادرةً على التكيّف مع المتغيرات دون أن تفقد بنيتها
ولم يكن الرهان على خطابهم،
بقدر ما كان رهانًا على قدرتهم التنظيمية، والقابلية للتفاهم.
فعلى عكس الصورة التي رُوّج لها الغرب إعلاميًا، لم يكن الإسلاميون – وفي مقدمتهم الإخوان – خارج الحسابات الغربية يومًا.
التجربة التاريخية تقول بعكس ذلك:
فمنذ عقود، كانت هناك قنواتُ اتصالٍ مفتوحة لم تنقطع يومًا:
• مع البريطانيين في البدايات
• ثم مع الأمريكيين لاحقًا
• وفي لحظاتٍ كثيرة، كان الإسلاميون يُنظر إليهم باعتبارهم بديلًا محتملًا للأنظمة القائمة
السبب بسيط:
• فهم يتمتعون ببراجماتيةٍ سياسيةٍ عالية
• واستعدادٍ لتقديم تنازلاتٍ تحت لافتاتٍ دينية
• وقابليةٍ للتماهي مع شروط اللعبة الدولية متى اقتضت المصلحة
ولم يكن العداءُ لإسرائيل، في هذا السياق، عائقًا حقيقيًا،
بل ورقةً تفاوضيةً قابلةً للإدارة.
الإسلاميون “المعتدلون”… اختراع وظيفي:
في العقد الأول من الألفية، ظهر مصطلحُ “الإسلاميين المعتدلين” بقوةٍ في التقارير الغربية.
لم يكن توصيفًا علميًا دقيقًا،
بل تصنيفًا وظيفيًا.
الإسلامي المقبول هو:
• من يقبل بقواعد اللعب
• ويحترم الاتفاقات الدولية
• ولا يضع الصراع مع إسرائيل في صدارة مشروعه
• ويمكن احتواؤه أو الضغط عليه عند الحاجة
نماذج تركيا والمغرب قُدّمت باعتبارها أدلةَ نجاح، وتم التغاضي عن الفوارق العميقة بين هذه السياقات ومصر.
الإخوان واللحظة المصرية:
في مصر، كان الإخوان أكثر من مجرد فصيلٍ سياسي.
كانوا:
• التنظيم الأكثر انضباطًا
• الأكثر انتشارًا
• والأسرع قدرةً على ملء الفراغ
بينما انشغل الشارع بالاحتجاج،
وانشغلت النخب بالشعارات،
كان الإخوان يعيدون ترتيب صفوفهم،
ويستعدون للانتقال من الهامش إلى المركز.
لم يصنعوا الثورة،
لكنهم كانوا الأكثر استعدادًا لخطفها.
الخطأ القاتل في الحسابات:
ما لم تدركه مراكزُ القرار التي راهنت على هذا الخيار، أن الإخوان – بحكم طبيعة تنظيمهم – لا يصلحون لأن يكونوا مجرد أداةٍ مؤقتة.
التنظيم الذي يقوم على:
• السمع والطاعة
• احتكار الحقيقة
• وإقصاء المختلف
لا يمكن أن يكون شريكًا في دولةٍ حديثةٍ متعددة.
هنا، بدأ الصدام مبكرًا:
• مع مؤسسات الدولة
• مع المجتمع
• ومع فكرة الوطنية ذاتها
وهو تصادمٌ لم يكن في مصلحة أحد،
لكنه كشف عن حدود هذا الرهان.
من الرهان إلى الأزمة:
مع وصول الإخوان إلى الحكم، تحولت الفوضى المُدارة إلى فوضى مكشوفة.
لم يعد بالإمكان:
• إدارة التناقضات
• أو ضبط الإيقاع
• أو الحفاظ على التوازن الهش
وسرعان ما اكتشفت القوى التي راهنت على هذا الخيار، أنها أطلقت قوةً لا يمكن السيطرة عليها بسهولة، ولا يمكن التراجع عنها دون كلفة.
وهنا، دخلت مصر مرحلةً جديدة،
لم تعد فيها المشكلة هي إسقاط النظام،
نظام المرشد، بل إنقاذ الدولة.
25 يناير .. اللحظة المصرية:
لم تكن لحظةُ 25 يناير في مصر اختراعًا خارجيًا، ولا مؤامرةً خالصة، كما حاول البعض تبسيطها لاحقًا.
كانت، في أصلها، تعبيرًا حقيقيًا عن غضبٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ تراكم على مدار سنوات.
لكن الخطأ القاتل لم يكن في الغضب ذاته،
بل في الفراغ الذي أعقبه،
والطريقة التي جرى بها استثمارُ هذا الغضب، وتحويله من طاقةِ احتجاجٍ إلى أداةِ صراعٍ على الدولة.
لماذا؟
لأن الغضب لا يعدو أن يكون ظرفًا موضوعيًا يؤدي للاحتجاج والمطالبة بالتغيير، ولكن الثورة تحتاج إلى نموِّ ظرفٍ ذاتيٍّ عاقلٍ ومتجذّر، يعرف حاجيات المجتمع وأولوياته، بالإضافة إلى كونه منظمًا وقادرًا على القيادة في لحظات الحسم، والأهم يمتلك القدرة على بناء دولةٍ حديثة، لا رفع شعاراتٍ زائفة.
وللأسف، القوى السياسية التي كانت جاهزة كانت أهدافُها واستراتيجيتُها ضد كل ذلك، فاختطفت الثورة إلى حيث لم يرد الجميع، بما فيهم الشعب بفئاته الاجتماعية المختلفة والمتباينة والواسعة.
وهنا كانت نقطةُ الفراق بين الناس والفعل الثوري على الأرض؛ ذلك الفراق الذي تطوّر إلى رفضٍ صامت، ثم معبّر، ثم نزولٍ إلى الشارع في 30 يونيو 2013 لتصحيح المسار.
الغضب… حين يكون بلا قيادة:
خرج المصريون إلى الشارع مدفوعين بإحساسٍ واسعٍ بانسداد الأفق:
• انسدادٍ سياسي
• اختلالٍ اقتصادي
• وتآكلٍ في الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم
لم يكن هناك برنامجٌ موحّد،
ولا قيادةٌ مركزية،
ولا تصوّرٌ واضح لليوم التالي.
وهنا، تصبح الثورة – أي ثورة – قابلةً للاختطاف.
من الشارع إلى المنصة:
بينما كان الشارع يعبّر عن نفسه بعفوية،
كانت قوى منظمة تتحرك بهدوء.
قوى:
• تعرف متى تتقدّم
• ومتى تتراجع
• وكيف تفاوض
• وكيف تقفز من الهتاف إلى المنصة
لم يكن المشهد في ميدان التحرير وحده هو الساحة، بل كانت هناك ساحاتٌ أخرى:
• غرف تفاوض
• قنوات اتصال
• ومراكز ضغط داخلية وخارجية
وهكذا، بدأ التحوّل التدريجي:
من حركةِ احتجاجٍ واسعة،
إلى معركةٍ سياسيةٍ ضيقةٍ على السلطة.
إسقاط النظام… ثم ماذا؟
حين سقط رأسُ النظام، سقط معه السؤالُ الأخطر بلا إجابة:
من يحكم؟ وكيف؟ وبأي تصوّرٍ للدولة؟
هنا، لم تعد الشعارات كافية،
ولا الهتافات قادرةً على إدارة دولةٍ بحجم مصر.
الفراغُ السياسي تمدّد بسرعة،
ومع كل يومٍ يمر، كانت كلفةُ الانتظار ترتفع.
وفي هذا الفراغ، تقدّم الأكثر تنظيمًا،
لا الأكثر تمثيلًا.
الاختطاف الناعم:
لم يكن الاختطاف فجًّا أو صداميًا في بدايته.
بل جرى تحت عناوين:
• الشرعية
• الصندوق
• احترام الإرادة الشعبية
لكن الديمقراطية، حين تُختزل في لحظةٍ انتخابيةٍ دون توافقٍ وطني،
تتحول إلى أداةِ إقصاءٍ لا إلى وسيلةِ بناء.
وللأسف، شارك في ذلك الفعل الجميع؛ ناصريين وليبراليين واشتراكيين، جميعهم كانت عينهم على صفقةٍ مع الإخوان تضعهم في صلب معادلة الحكم، ولكن في الخفاء كان الإخوان يعدّون المصيدة للجميع.
لن نرشّح أحدًا على منصب الرئيس:
تحت ذلك الشعار خدع الإخوان الجميع، فظنوا أنهم بتقديم القرابين يصبحون الأقرب إلى المنصب الحلم، وفجأة رشّحت الجماعة أحد قياداتها، فانهار الجميع، لكنهم لم يكن أمامهم خيار؛ فقد غاصوا في الوحل، ولا مناص سوى أن يُكملوا.
هكذا، بدأ مشروع:
• احتكار الدولة
• أخونة المؤسسات
• إعادة تشكيل الهوية السياسية وفق منطق الجماعة
ولم يعد الصراع سياسيًا فقط،
بل وجوديًا.
انكسار التوافق:
سرعان ما اصطدمت هذه المحاولة بواقعٍ أكثر صلابة.
المجتمعُ المصري، بتكوينه وتاريخه، لم يقبل:
• اختزال الدولة في جماعة
• ولا احتكار الوطن باسم الدين
• ولا تحويل الثورة إلى غنيمة
بدأت ملامحُ الانقسام الحاد تظهر:
• في الشارع
• في الإعلام
• في مؤسسات الدولة
ومع كل خطوةِ إقصاء،
كانت مساحةُ التوافق تضيق.
لحظة الحقيقة:
حين وصلت الأمور إلى حافةِ الانفجار،
لم يعد الصراع على من يحكم،
بل على بقاء الدولة أم سقوطها؟
وهنا، عادت المؤسسة التي حاول كثيرون تحييدها أو كسرها إلى الواجهة:
الجيش المصري.
لم يعد تدخّله خيارًا سياسيًا،
بل ضرورةً وجودية.
ليس دفاعًا عن سلطة،
بل حمايةً لدولةٍ كانت على وشك الانزلاق إلى سيناريوهاتٍ عرفتها المنطقة من قبل.
ما الذي تغيّر؟
في تلك اللحظة، انقلب المشهد:
• انتهى رهان الخارج
• وسقط وهم الاختطاف الكامل
• وبدأ مسار استعادة الدولة
لكن السؤال الذي يظل مطروحًا حتى اليوم:
لماذا نجحت مصر في الإفلات، بينما انهارت دولٌ أخرى؟
الإجابة ليست بسيطة،
ولا تختزل في عاملٍ واحد.
وهو ما نناقشه في الجزء الرابع.
يتبع،
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.
