بين الدولة والكهنوت.. لماذا يخشى "الإخوان" حرية الاعتقاد التي أقرها السيسي؟
الجمعة 30/يناير/2026 - 04:40 ص
طباعة
يثير الخطاب الفكري الذي يتبناه الإعلامي محمد ناصر والشيخ عصام تليمة عبر منصاتهم تساؤلات جوهرية حول قدرة تيار "الإسلام السياسي" على استيعاب مفهوم الدولة الوطنية الحديثة. فبينما يطرح الرئيس عبد الفتاح السيسي رؤية تقوم على حرية الاعتقاد المطلقة كحق إنساني وأصيل، يصر هذا التيار على قولبة هذه الرؤية في إطار "المؤامرة" أو "المناورة السياسية"، محاولين حبس الدين في قفص الوصاية المؤسسية أو الحزبية.
حرية الاعتقاد: حق إلهي قبل أن يكون سياسياً
إن محاولة الإعلامي محمد ناصر تصوير تصريحات الرئيس السيسي حول "حرية عدم الاعتقاد" كنوع من التناقض السياسي هي محاولة قاصرة تفتقر للعمق الفلسفي والديني؛ فالدولة المصرية في رؤيتها الجديدة لا تبتدع نصاً مستحدثاً، بل تعيد تفعيل القيمة القرآنية المركزية $فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ$. هذه الرؤية تنطلق من إيمان عميق بأن العقيدة التي تُفرض بالإكراه أو تحت ضغط الخوف المجتمعي هي عقيدة فاقدة لجوهرها الروحي، بينما الإيمان القائم على الاختيار الحر هو وحده الذي يصنع إنساناً سوياً. إن الرئيس هنا لا يمنح "رخصة" للإلحاد كما يروج البعض، بل يضع الدولة في موضعها الصحيح كحارس للحريات، معترفاً بأن ضمير الإنسان هو منطقة سيادة إلهية لا تملك السلطة الأرضية حق الوصاية عليها، وهو ما يمثل ذروة الإنصاف الديني قبل أن يكون استحقاقاً سياسياً.من جانب آخر، يبرز تهافت خطاب "مكملين" في محاولة ربط حرية الضمير بالمعارضة السياسية لخلط الأوراق وإثارة المشاعر العاطفية لدى الجمهور.
فالتنوير الحقيقي الذي تتبناه الدولة المصرية يقوم على الفصل الحاسم بين "المعتقد الشخصي" الذي يخص علاقة الفرد بخالقه، وبين "الالتزام بالقانون" ومقتضيات الأمن القومي؛ فالدولة ليست "بواباً" على قلوب المواطنين ولا "قاضياً" على نواياهم، بل هي إطار قانوني يضمن التعايش السلمي بين المؤمن والملحد تحت مظلة المواطنة. إن هذا الفصل هو ما يحمي المجتمع من الانزلاق نحو "محاكم التفتيش" التي يطمح إليها تيار الإسلام السياسي للسيطرة على الأفراد، وتأكيد الرئيس على هذا الحق هو في الواقع قطع للطريق أمام المتاجرين بالدين الذين يستخدمون "التكفير" أو "تنميط المجتمع" كأدوات للترهيب السياسي والسيطرة الفكرية.
وهم "الديانة الإبراهيمية" وفزاعة الثوابت
يروج خطاب "مكملين" لفزاعة "الديانة الإبراهيمية" كأداة للترهيب الفكري، مستغلاً شطحات بعض الباحثين مثل عادل عصمت حول أركان الإسلام لتصويرها وكأنها سياسة دولة ممنهجة لهدم الثوابت. والحقيقة أن الدولة المصرية لا تتبنى "ديناً هجيناً" ولا تسعى لفرض "دين عالمي"، بل هي تتبنى مفهوم "المواطنة الشاملة" التي تضمن لكل صاحب معتقد ممارسة شعائره في إطار من الاحترام المتبادل. إن فتح المجال العام لنقاشات فكرية، حتى وإن تضمنت آراءً صادمة أو غير مألوفة، هو علامة صحة وحيوية لمجتمع يمتلك الثقة في ثوابته ويسمح بتفنيد الأفكار بالحجة والبرهان لا بالقمع والمصادرة. فالدولة التنويرية تؤمن بأن الحق لا يخشى البحث، وأن مواجهة الفكر الشاذ تكون بالفكر المستنير، وليست بفرض الوصاية التي يسعى إليها التيار الذي يقتات على الانغلاق واحتكار الحقيقة.
في المقابل، يظهر جلياً أن اتهام النظام بتمرير "أجندات مشبوهة" هو مجرد استراتيجية "هروب للأمام" يتبعها تيار الإسلام السياسي لحشد الأتباع تحت شعار "الإسلام في خطر". هذا الخطاب العاطفي يتجاهل حقيقة أن المؤسسات الدينية الرسمية، وعلى رأسها الأزهر الشريف، تظل هي المرجعية العلمية والحصن الذي يذود عن أركان الدين وفقهه، لكنها في ظل "دولة القانون" لا تمارس دور السلطة القمعية التي تُكمم الأفواه. إن الدفاع عن رؤية الدولة هنا هو دفاع عن "بيئة التفكير" التي تسمح للأزهر بالرد العلمي الرصين وللمفكرين بالبحث، دون خوف من "تكفير" أو "تخوين" سياسي. فالمؤامرة الحقيقية ليست في حرية البحث، بل في محاولة سلب الدولة حقها في تنظيم الشأن العام وتحويل كل نقاش فكري إلى معركة سياسية تهدف إلى زعزعة الاستقرار وتهميش دور العقل.
العلاقة مع الأزهر: تقدير لا تهميش
إن القراءة القاصرة التي قدمها البرنامج لمشاهد الحوار بين الرئيس السيسي وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وتصويرها كأنها محاولات "إحراج" أو "تهميش"، تعكس عجز هذا التيار عن فهم طبيعة الدولة المؤسسية الحديثة. فالحقيقة أن هذه المداعبات والنقاشات المفتوحة أمام العلن هي تجسيد لنموذج فريد من الشفافية والقوة؛ حيث تظهر الدولة المصرية ككيان حي يستوعب التباين في وجهات النظر حول قضايا كبرى مثل "تجديد الخطاب الديني". إن كسر البروتوكولات الجامدة في الحديث بين رأس الدولة وقائد المؤسسة الدينية لا يعكس استعلاءً، بل يعكس "حميمية وطنية" وإدراكاً بأن المسؤولية مشتركة وثقيلة، وأن الحلول لمشكلات المجتمع المعقدة لا تأتي عبر الغرف المغلقة، بل من خلال اشتباك فكري صحي يعلي من قيمة العقل ويحترم في الوقت ذاته مكانة المرجعية الدينية.
ومن زاوية التنوير، فإن رؤية الرئيس السيسي لا تسعى لتهميش الأزهر أو إقصائه، بل تهدف بوضوح إلى "استنهاض دوره" ليكون فاعلاً في قضايا العصر الملحة. فالدولة تدفع المؤسسة الدينية للخروج من دائرة الانكفاء على النصوص التراثية الجافة إلى فضاء "الاشتباك الحضاري" مع ملفات وقضايا راهنة كالإلحاد، والتطرف، والتفكك الأسري، والوعي المجتمعي. إن هذا "الدفع" هو في جوهره قمة التقدير لدور الأزهر، كونه اعترافاً بأنه لا يمكن تحقيق نهضة مصرية شاملة دون خطاب ديني مستنير يواكب حركة الزمن. وبدلاً من الخطاب التعبوي الذي يمارسه إعلام "مكملين" لتأليب المؤسسة ضد الدولة، تضع الرؤية التنويرية الأزهر في مكانته الطبيعية كـ "قوة ناعمة" ومنارة فكرية، مطالبةً إياها بالتجديد الذي يحمي الدين من الجمود ويحمي الوطن من الفتن.
تبسيط الخطابة النبوية: كسر "الكهنوت" الوظيفي
تأتي محاولة الشيخ عصام تليمة لحصر الوعظ النبوي في إطاره الوظيفي المعاصر كجزء من رغبة تيار "الإسلام السياسي" في إبقاء الخطاب الديني ضمن "قوالب جامدة" يسهل التحكم فيها واستخدامها كأداة تعبوية. إن تفنيد هذا الزعم ينطلق من حقيقة تاريخية وجوهرية؛ وهي أن الخطابة النبوية لم تكن هيكلاً وظيفياً بيروقراطياً أو منصة للإسقاطات السياسية، بل كانت وحياً يمشى بين الناس، يغتنم الموقف ليعلم، ويستخدم البساطة ليؤلف القلوب. إن دعوة الرئيس السيسي للتبسيط في الوعظ والتركيز على القدوة والموقف هي في جوهرها دعوة للعودة إلى "الأصالة النبوية" التي كانت تخاطب الفطرة الإنسانية دون حواجز مصطنعة أو تعقيدات خطابية تهدف لإظهار التفوق المعرفي للواعظ على حساب جوهر الموعظة.
ان كسر هذا "الكهنوت الوظيفي" للخطابة يعني تحرير الدين من احتكار النخب السياسية والدينية التي تتخذه وسيلة للوصاية على الجماهير. إن الرسالة النبوية في أصلها كانت دعوة للبناء، والإعمار، وتزكية الأخلاق، ولم تكن يوماً أيديولوجيا صدامية تهدف لتقسيم المجتمع. لذا، فإن الرؤية التي يطرحها السيسي تعيد الاعتبار لـ "الوعظ الأخلاقي" الذي يلمس حياة المواطن اليومية ويحثه على العمل والإخلاص، بدلاً من الخطاب المتشنج الذي تروج له قنوات مثل "مكملين"، والذي يحول المنابر إلى ساحات للسجال السياسي وتصفية الحسابات. إن التنوير هنا يكمن في جعل الدين قوة دافعة للتنمية والاستقرار النفسي والاجتماعي، لا مادة لإثارة الفتن والبلبلة.
الخلاصة:
إن الهجوم الذي شنه محمد ناصر وتليمة لا ينطلق من غيرة على الدين، بل من خوف على احتكار الحديث باسمه. الرئيس السيسي يطرح رؤية "الدولة لكل مواطنيها"، حيث لا يُضطهد المرء بسبب إيمانه أو عدمه، وحيث الدين ممارسة روحية تسمو بالفرد، لا أداة سياسية لهدم الأوطان.
إن الدولة التي تحترم "حرية عدم الاعتقاد" هي الدولة الأكثر قدرة على حماية "المؤمنين"، لأنها تحمي مبدأ الحرية نفسه من تغول أي فصيل ضد الآخر.
