غزوة نيامي وما وراءها: استراتيجية "ضرب الرأس" وتصفية الحسابات مع القاعدة.
الجمعة 06/فبراير/2026 - 03:25 ص
طباعة
حسام الحداد
في عددٍ لم يكن مجرد إصدار دوري، بل جاء كإعلانٍ عن زلزال جيوسياسي في خارطة التنظيمات المسلحة؛ وضعت صحيفة "النبأ" (العدد 533) الصادرة مساء الخميس 5 فبراير 2026، العالم أمام مشهدٍ مغاير تماماً لمركزيات الصراع التقليدي. فمن خلال الاحتفاء الصاخب بما وصفته بـ**"غزوة نيامي المباركة"**، انتقل التنظيم من استراتيجية "الإنهاك الريفي" في أقاصي الصحراء إلى استراتيجية "قطع الأنفاس" في قلب العواصم السيادية؛ ليُحول مطار العاصمة النيجرية من مرفق حيوي إلى منصة لإعلان "القطبية الإفريقية" الجديدة، واضعاً القارة السمراء –ولأول مرة بهذا الوضوح– على "ذروة سنام" مشروعه العالمي، ومُعلناً خروج الساحل الإفريقي من جلباب التبعية للمركز التاريخي في العراق والشام.
يتناول هذا التقرير تحليلاً معمقاً لمضمون الافتتاحية التي تجاوزت السرد العسكري المعتاد لتتحول إلى "وثيقة استبدال" إيديولوجية. سنستعرض من خلال القراءة الفنية والسياسية كيف استخدم التنظيم هذا النص كمنصة لتوجيه أعنف هجوم لفظي وإيديولوجي ضد قاعدته العربية التقليدية، وكيف وظف ثنائية "العجم والعرب" لإعادة تعريف مفهوم الأفضلية القتالية والشرعية الدينية في منظوره لعام 2026.
كما نسلط الضوء في هذا العرض على استراتيجية "تصفية الحسابات" التي انتهجها التنظيم ضد منافسه اللدود (تنظيم القاعدة)، وكيف حاول سحب البساط من تحت أقدام "جماعة نصرة الإسلام" عبر تحطيم رموزها القبلية والمحلية، وتقديم نموذج "الجهاد النقي" العابر للقوميات، مما يفتح الباب أمام قراءة مستقبلية لشكل الصراع الدامي المتوقع في منطقة الساحل الإفريقي.
إعلان "الريادة" وسحب البساط من القاعدة
يمثل التركيز المكثف على "غزوة نيامي" في الخطاب الرسمي للتنظيم محاولة استراتيجية لضرب النفوذ التاريخي لجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (فرع القاعدة في الساحل). فبينما غلب على عمليات القاعدة طابع الاستنزاف الريفي والسيطرة على المناطق الطرفية والقرى، يقدّم تنظيم الدولة نفسه كقوة "مبدعة" و"جريئة" قادرة على اختراق العواصم المحصنة. هذا التحول يهدف إلى تصوير "القاعدة" كحركة تقليدية عالقة في حرب عصابات ريفية رتيبة لا تفضي إلى حسم حقيقي، بينما يسوّق التنظيم نفسه كقوة قادرة على شلّ مراكز السيادة الرسمية وتغيير مسرح الأحداث العالمي بضربة واحدة "غير تقليدية".
يسعى التنظيم من خلال هذا الاستعراض العسكري والخطابي إلى شنّ "حرب استقطاب" داخل الصفوف الخلفية للقاعدة وحلفائها من الحركات المحلية. إن إظهار الفعالية العالية في استهداف المطارات والقواعد الجوية في قلب العاصمة هو رسالة موجهة للعناصر الشابة والمتحمسة التي تبحث عن نتائج ملموسة وسريعة. يراهن التنظيم على أن "بريق الانتصار" في المدن الكبرى سيخلق حالة من التململ داخل قواعد القاعدة، مقدماً "دولة الخلافة" كنموذج جهادي وحيد "أكثر فاعلية وتأثيراً"، ينجح حيث فشلت المشاريع الأخرى التي استغرقت عقوداً في حروب الاستنزاف دون الوصول إلى "عصب القوة" للدولة.
يوظف المقال نجاح "العجم" في هذه الغزوة لتعميق الفجوة الإيديولوجية مع القاعدة التي تعتمد بشكل كبير على الروابط القبلية والمحلية. فبينما قد تنخرط القاعدة في توازنات معقدة مع المجتمعات المحلية، يرفع تنظيم الدولة شعار "الجهاد النقي" الذي لا يعترف بالحدود أو التوازنات السياسية. من خلال ضرب العاصمة، يحاول التنظيم إحراج نهج القاعدة "المتأني" وتصويره كنوع من العجز أو التثاقل، مؤكداً أن "الشرعية" تؤول لمن يرفع راية الشريعة بقوة السلاح في أهم الميادين، وليس لمن يكتفي بالسيطرة على الفيافي والقفار، وهو ما يضع القاعدة في مأزق "الشرعية الميدانية" أمام الجمهور الجهادي في إفريقيا وخارجها.
مفهوم "الجهاد النقي" وتصفية الخصوم إيديولوجياً
يعد استخدام مصطلح "الجهاد النقي" في الافتتاحية استدعاءً لمركزية "الولاء والبراء" في أدبيات تنظيم الدولة، حيث يسعى من خلاله إلى وصم خصومه بـ"الشوائب" المنهجية. هذا المصطلح ليس مجرد وصفٍ عابر، بل هو تعريض مباشر بتنظيم القاعدة وجماعة "نصرة الإسلام"، التي يراها داعش غارقة في "البراغماتية الملوثة" عبر انخراطها في تحالفات قبلية معقدة أو قبولها الضمني أحياناً بمهادنة قوى محلية لتأمين حاضنة شعبية. من خلال هذا التوصيف، يرفع داعش سقف "المثالية الجهادية" ليجعل من الصرامة وعدم المساواة معياراً وحيداً للقبول، مصوراً أي مرونة سياسية لخصومه على أنها "تلوث" عقدي يخرج صاحبه من دائرة الجهاد الحق.
يسوّق التنظيم نفسه في المقال كقوة "لا تساوم" ولا تخضع للحسابات السياسية أو التوازنات الجيوسياسية، متمسكاً بما يسميه "منهاج النبوة". هذا الطرح يهدف إلى إحراج تنظيم القاعدة أمام الجمهور المتشدد، عبر تصويره في موقف "المفرّط" الذي يقدم التنازلات من أجل البقاء. ففي حين تسعى القاعدة لبناء "جبهات عريضة" ومراعاة الأعراف القبلية في الساحل، يشدد داعش على أن "الحدود الشرعية" لا تقبل القسمة، وأن الجهاد لا يكتمل إلا بصدام شامل لا يستثني أحداً. هذا التمايز يضع القاعدة في موقف "المتلون سياسياً" الذي يفتقر للوضوح العقدي، مما يجعل داعش الوجهة المفضلة للعناصر الأكثر تطرفاً ورفضاً لأي شكل من أشكال التفاوض.
يربط المقال بين "نقاء الجهاد" وبين العمليات العسكرية المباشرة كغزوة نيامي، لإثبات أن هذا النقاء يترجم إلى "بركة" ونصر ميداني. التنظيم يرى أن تمسكه بالحدود الشرعية الصارمة ورفضه للمشاريع "الوطنية" أو "القبلية" هو ما منحه القدرة على ضرب العواصم، بينما تظل الفصائل الأخرى حبيسة تفاهماتها المحلية التي تعيق تمددها. وبذلك، تتحول الافتتاحية إلى أداة لـ"التصفية المعنوية" للخصوم؛ فبدلاً من مهاجمتهم عسكرياً فقط، يتم تجريدهم من "الشرعية الجهادية" وتقديمهم كعقبة أمام "تمدد الشريعة"، مما يبرر للتنظيم لاحقاً استهدافهم ميدانياً تحت دعوى "تطهير الساحة" من الحركات التي تخلت عن الأصول لصالح المصالح.
التنافس على كسب "المكون المحلي" (العجم)
بينما تنخرط جماعة "نصرة الإسلام" (القاعدة) في استغلال التعقيدات الإثنية والمظالم التاريخية لبعض القبائل (مثل الفولاني أو الطوارق) لبناء نفوذها، يقدم تنظيم "داعش" في افتتاحيته نموذجاً مغايراً يعتمد على "تذويب" هذه الهويات داخل بوتقة التنظيم. إن رفع شأن "الأعجمي" لذاته في النص ليس مجرد إنصاف عِرقي، بل هو استراتيجية لتقديم هوية "فوق-قبلية" تمنح المقاتل المحلي في النيجر أو مالي شعوراً بالانتماء لكيان عالمي يتجاوز صراعات الرعاة والمزارعين التقليدية. هذا الطرح يهدف إلى جذب العناصر التي سئمت من القوالب القبلية الضيقة، وتطمح لأن تكون جزءاً من "دولة" لا تفرق بين مكوناتها إلا بـ"الفعل الجهادي".
تسعى الافتتاحية من خلال الاحتفاء ببطولات "العجم" إلى دغدغة مشاعر المقاتلين المهمشين داخل التنظيمات المنافسة. ففي كثير من فصائل القاعدة، غالباً ما تظل المناصب القيادية العليا حكراً على نخب عربية أو شخصيات من قبائل بعينها، مما يخلق نوعاً من "السقف الزجاجي" أمام المقاتل المحلي الطموح. يأتي خطاب "داعش" ليعد هؤلاء بتحطيم هذه الهياكل، مصوراً الولايات الإفريقية بأنها أصبحت "ذروة السنام" وأن العجم هم قادة ملاحم العصر. هذه الرسالة هي بمثابة دعوة مبطنة للانشقاق، موجهة لكل من يرى في نفسه الكفاءة القتالية ويشعر بالتهميش القيادي بسبب أصله العرقي.
يستخدم التنظيم في افتتاحيته "تكسر الكلمات العربية" لدى المقاتلين الأفارقة كعلامة على الصدق الإيماني، محولاً ما كان يُنظر إليه كعائق تواصل إلى "ميزة تنافسية". هذه الاستراتيجية تهدف إلى بناء علاقة وجدانية مباشرة مع المكونات المحلية غير العربية، عبر إقناعهم بأن نقص التكوين اللغوي أو الشرعي التقليدي لا ينقص من قدرهم في "منهاج النبوة" طالما أن أفعالهم "تنطق بالتوحيد". ومن خلال هذا الخطاب، يحاول "داعش" سحب البساط من تحت أقدام القاعدة التي تعتمد على "المحلية" كستار، بينما يقدم هو "العالمية" كفرصة للمحليين ليصبحوا هم الواجهة الجديدة للجهاد العالمي، مما يعزز من قدرته على التجنيد النوعي في بيئات تتسم بتعددية لغوية وعرقية معقدة.
تحويل الساحل إلى "دار هجرة" بديلة
من خلال إعلان الافتتاحية أن إفريقيا باتت تتربع على "ذروة السنام"، يضع تنظيم "داعش" رسمياً منطقة الساحل كبديل استراتيجي وجغرافي لساحات العراق والشام الآخذة في الانحسار. هذه الرسالة هي بمثابة إعلان عن فتح باب "الهجرة" نحو وجهة جديدة تمتلك مقومات البقاء والتمدد، حيث يتم تصوير الأدغال والولايات الإفريقية كأرض الملاحم الكبرى في عام 2026. يهدف التنظيم من وراء ذلك إلى إغراء "فلول المقاتلين الأجانب" والمناصرين التائهين حول العالم بأن "الخلافة" لم تنتهِ بضياع المدن في المشرق، بل هي "تشتد وتمتد" في بيئة إفريقية بكر، مما يحول الساحل من مجرد ساحة تمرد محلي إلى "قبلة جهادية" عالمية تجذب الكوادر من كل حدب وصوب.
لسنوات طويلة، مالت كفة القوة في الساحل لصالح تنظيم القاعدة (جماعة نصرة الإسلام) بفضل اندماجها العميق في النسيج القبلي المحلي. لكن تدفق "المهاجرين" الأجانب الذي يحرض عليه خطاب "النبأ" من شأنه أن يمنح داعش تفوقاً نوعياً يكسر هذا الاحتكار. فالمهاجرون القادمون من ميادين قتالية سابقة يجلبون معهم "خبرات صلبة" في مجالات التصنيع العسكري، تقنيات التفخيخ، والإعلام الحربي، فضلاً عن تكتيكات الانغماس والاقتحام التي صُقلت في معارك المدن الكبرى. هذا التدفق، في حال تحققه، سيحول فروع داعش في الساحل من جماعات تعتمد على الكر والفر إلى جيوش شبه منظمة تمتلك تفوقاً تكنولوجياً وتكتيكياً يربك حسابات القاعدة التقليدية.
يمثل تحويل الساحل إلى "دار هجرة" تهديداً وجودياً لنفوذ القاعدة، ليس فقط عسكرياً بل ورمزياً أيضاً. فاستقطاب داعش لـ "المهاجرين" يُعزز من صورته كحركة "عالمية" عابرة للحدود، في حين تبدو القاعدة كحركة "محليات" غارقة في الحسابات الإقليمية. هذا التفوق في "شرعية المهاجرين" يمنح داعش قوة ضاربة لا تتقيد بالتوازنات القبلية التي قد تُلزم القاعدة أحياناً بوقف إطلاق النار أو المهادنة. بالتالي، فإن "توطين الهجرة" في الساحل سيؤدي بالضرورة إلى تصاعد وتيرة الاقتتال البيني بين التنظيمين، حيث سيسعى داعش لاستخدام زخم مقاتليه الجدد لإزاحة القاعدة نهائياً من المناطق الاستراتيجية وتأكيد هيمنته المطلقة على "الساحة الإفريقية المباركة".
الصراع على "الشرعية الدينية" عبر لغة "الاستبدال"
يتجاوز استخدام آيات الاستبدال في افتتاحية "النبأ" مجرد الوعظ العام ليتحول إلى سلاح شرعي مسلّط نحو تنظيم القاعدة وقياداته التاريخية. فمن خلال الربط بين "القعود" وبين "سنة الاستبدال"، يلمح التنظيم إلى أن القيادات العربية التقليدية (التي تمثل الهيكل التاريخي للقاعدة) قد فَقَدت "الأهلية الربانية" لقيادة المرحلة بسبب ما يراه التنظيم مهادنة أو تثاقلاً. هذا الخطاب يهدف إلى إحداث عملية "عزل إيديولوجي" للقاعدة، عبر تصويرها ككيان تجاوزته الإرادة الإلهية، وأن "الشرعية" انتقلت فعلياً إلى السواعد الإفريقية "الأعجمية" التي أثبتت صدقها في الميدان، مما يجعل التمسك بغير راية "الدولة الإسلامية" نوعاً من السير ضد السنن الكونية.
يسعى التنظيم من خلال لغة التقريع والتوبيخ إلى بناء "فوقية أخلاقية" مطلقة، حيث يتم تعريف "الجهاد النقي" حصراً عبر بوابة الولاء لخليفته. إن وصم الفصائل الأخرى بـ "التثاقل إلى الأرض" هو محاولة لنزع الصبغة الدينية والأخلاقية عن أي عمل عسكري تقوم به القاعدة أو غيرها من الفصائل في الساحل. فالمقال يروج لفكرة أن أي جهد قتالي لا ينضوي تحت راية "الدولة" هو جهد "مستبدل" لا بركة فيه، وبذلك يتحول الصراع من تنافس ميداني على القرى والموارد إلى صراع وجودي على "تمثيل إرادة الله"، وهو ما يضع القاعدة في موقف الدفاع عن شرعيتها الوجودية أمام هجوم إيديولوجي كاسح يستخدم النص القرآني كأداة للإقصاء.
يمثل هذا الخطاب محاولة لقلب موازين القوى الرمزية؛ فبدلاً من الاستناد إلى "التاريخ الجهادي" الطويل الذي قد تتباهى به القاعدة، يركز داعش على "اللحظة الراهنة" وعلى "نتائج الميدان" (غزوة نيامي) كدليل وحيد على الاصطفاء. إن رسالة التنظيم مفادها أن الله لا يحابي أحداً لمجرد نسبه أو تاريخه أو عرقه، بل يستبدل من "يتلعثم لسانه بالعربية" بمن "ينطق فعله بالتوحيد". هذه القراءة تهدف إلى تجريد القاعدة من أهم أوراق قوتها وهي "الرمزية التاريخية"، وتقديمها كحركة "متقاعدة" أخلاقياً، بينما يتم تقديم مقاتلي داعش في إفريقيا كـ "جيل الاستخلاف" الجديد الذي أعده الله لوراثة الراية، مما يعزز من جاذبية التنظيم لدى العناصر التي تبحث عن شرعية دينية مقرونة بـ "النصر المادي" الملموس.
استشراف مآلات "الصدع الجهادي"
تُثبت افتتاحية العدد (533) من صحيفة "النبأ" أننا أمام تنظيم يمر بحالة "إعادة ابتكار" جذرية، حيث استبدل "مركزية الأرض" (الشام والعراق) بـ "مركزية الفعل" (إفريقيا). إن لغة "الاستبدال" التي طغت على النص ليست مجرد شعار ديني، بل هي انعكاس لواقع ديموغرافي وعسكري جديد يسعى فيه التنظيم لتجاوز أزماته في المشرق العربي عبر الارتماء الكامل في أحضان المكون الإفريقي، مما يعني أن منطقة الساحل مقبلة على موجة غير مسبوقة من العنف "العابر للحدود" الذي لن يتورع عن ضرب العواصم والمنشآت الحيوية.
ختاماً، فإن هذا الانزياح نحو "الأعجمية" في الخطاب والقيادة يضع تنظيم القاعدة في مأزق وجودي؛ فإما الانجرار نحو راديكالية مشابهة للحفاظ على عناصره الشابة، أو المخاطرة بفقدان ريادته التاريخية لصالح "داعش" الذي بات يستخدم "فشل الحلفاء الدوليين" (كالروس) وتأليب القوميات كوقود لآلته الدعائية. إن الساحل الإفريقي في عام 2026 لم يعد مجرد ساحة حرب، بل أصبح "المختبر الأخير" لتحديد مستقبل الجهادية العالمية وشكل قيادتها القادم.
