الأمن القومي العربي (5-10).. ملفات لم تُغلق بعد…
الجمعة 06/فبراير/2026 - 07:33 م
طباعة
حسام الحداد
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا الطرح رؤية استشرافية وتحليلية ثاقبة تتجاوز مجرد السرد التاريخي للأحداث، حيث ينجح ببراعة فكرية في الربط بين صدمة عام 2011 واختبارات عام 2026، مستنداً إلى قراءة عميقة لمفهوم "مناعة الدولة" وتطور مهددات الأمن القومي العربي من الصدامات العسكرية المباشرة إلى الحروب الناعمة والمعقدة؛ فكشفه المتجدد عن وثيقة "دارمشدات" كعقيدة لإدارة الفوضى وليس مجرد محضر اجتماع، يعكس قدرته الفريدة على تفكيك المخططات الاستراتيجية التي استهدفت كيان الدولة الوطنية، ويؤكد على دوره كحائط صد فكري وتنويري نجح في تنبيه الوعي العربي إلى أن معركة البقاء لم تنتهِ بسقوط التنظيمات، بل تحولت إلى صراع إرادات أداته الاقتصاد والوعي والمؤسسات، مما يجعل من مقالاته خارطة طريق ضرورية لتحصين المستقبل العربي ضد أي محاولات جديدة للتفكيك تحت مسميات براقة.
من صدمة 2011 إلى اختبارات 2026..
لم يعد السؤال المطروح في 2026 هو: كيف سقطت دول عربية؟
بل: لماذا نجت دول، بينما انهارت أخرى؟
ولماذا فشلت كل محاولات إسقاط الدولة الوطنية في بعض العواصم، فيما نجحت ـ جزئيًا أو كليًا ـ في عواصم أخرى؟
قبل أكثر من عقد، بدا المشهد العربي وكأنه يسير نحو نهاية واحدة:
تفكيك الدول، تفريغ الجيوش، حقن المجتمعات بجرثومة الطائفية، وتحويل الهوية الوطنية إلى مجرد قشرة هشة تعوم فوق بحيرة من انقسامات عميقة.
لكن الزمن لم يمضِ في خط مستقيم.
في 2026، نحن أمام خريطة مختلفة:
دول أعادت بناء نفسها، ودول تعثرت،
وقوى كانت تظن أن إسقاط الأنظمة يفتح الطريق للهيمنة، فاكتشفت متأخرة أن الدولة أقوى من التنظيم، وأن المجتمعات لا تُدار إلى الأبد بالخداع.
من «الأمن» إلى «مناعة الدولة»:
في العقد الثاني من الألفية، كان مفهوم الأمن القومي العربي يُختزل غالبًا في:
• الحدود
• الجيوش
• التهديدات العسكرية المباشرة
لكن ما حدث منذ 2011 كشف عطب هذا التعريف.
فالخطر لم يأتِ من جيوش غازية، بل من:
• جماعات تتحدث باسم الدين
• منظمات تتستر بالعمل الحقوقي
• دول تستخدم الاقتصاد والإعلام كأدوات حرب
• وفوضى تُقدَّم بوصفها ثورة
هنا بدأت المعركة الحقيقية:
معركة بقاء الدولة الوطنية نفسها.
لم يكن مستهدفًا إسقاط نظام سياسي بعينه، بل:
• تفكيك مؤسسات
• كسر الثقة بين الدولة والمجتمع
• تحويل الاختلاف السياسي إلى صراع وجودي
ومن يراجع ما جرى في العراق وسوريا وليبيا واليمن، يدرك أن النتيجة النهائية لم تكن ديمقراطية ولا حرية، بل:
دول منهكة،
مجتمعات ممزقة،
وسيادة منقوصة أو غائبة.
2013: لحظة كسر المسار:
كانت 2013 نقطة فاصلة، ليس في مصر وحدها، بل في الإقليم كله.
في تلك اللحظة، اصطدم مشروع «ما بعد الدولة» بجدار صلب: الدولة التي تقاوم.
لم يكن ما جرى مجرد تغيير سياسي، بل:
• إفشال نموذج كان يُراد تعميمه
• كسر الوهم بأن الشارع يمكن توجيهه إلى ما لا نهاية
• إسقاط فكرة أن التنظيمات العابرة للحدود أقدر من الدول
من هنا بدأت المواجهة المفتوحة، التي لم تتوقف عند الداخل، بل انتقلت فورًا إلى:
• الخارج
• المحافل الدولية
• الإعلام
• الاقتصاد
وهو ما سنتوقف عنده بالتفصيل هنا ونطرح السؤال الجوهري:
لماذا فشلت خطة إسقاط الدولة؟
بعد أكثر من عشر سنوات، يمكن القول بوضوح:
المخططات لم تفشل لأنها لم تُنفَّذ، بل لأنها نُفِّذت كاملة… ولم تنجح.
استخدمت كل الأدوات:
• التحريض الإعلامي
• العزل الدبلوماسي
• الضغط الاقتصادي
• الاستثمار في الانقسام المجتمعي
• توظيف الخطاب الحقوقي بصورة انتقائية
لكن النتيجة لم تكن كما خُطط لها.
السبب الجوهري في هذا الفشل أن المخططين أساؤوا تقدير ثلاثة عناصر حاسمة:
1. تماسك فكرة الدولة لدى قطاعات واسعة من الشعوب
2. قدرة المؤسسات على التكيّف لا الانهيار
3. حدود الرهان على الفوضى كأداة حكم
الفوضى قد تُسقط، لكنها لا تبني.
وقد تُربك الدولة، لكنها لا تُنتج بديلاً قابلاً للحياة.
الخليج: من التردد إلى الحسم:
في 2026، لا يمكن قراءة الأمن القومي العربي من دون التوقف عند التحول العميق في مقاربة دول الخليج، خصوصًا السعودية والإمارات.
في سنوات ما بعد 2011، سادت مرحلة:
• اختبار
• مراجعة
• تباين في التقدير
لكن تراكم التجربة قاد إلى نتيجة واحدة:
الإسلام السياسي ليس شريكًا في الاستقرار،
بل مدخلًا دائمًا للفوضى، مهما غيّر لغته أو شكله.
هذا الإدراك لم يأتِ دفعة واحدة، بل عبر:
• صدمات
• خيبات
• ومواجهات مباشرة وغير مباشرة
ومن هنا بدأ الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الحسم الاستراتيجي، ليس بالصدام المفتوح فقط، بل:
• بتجفيف المنابع
• بكشف الخطاب المزدوج
• وبناء نموذج تنموي بديل يسحب البساط من تحت دعاة الفوضى
2026: عدو بلا لافتة:
الخطأ القاتل هو الاعتقاد أن الخطر انتهى بسقوط تنظيمات أو تراجع شعارات.
في الحقيقة، ما نواجهه اليوم أخطر:
لم يعد العدو يرفع راية واضحة.
لم يعد يهتف في الشوارع.
بل يعمل عبر:
• شبكات ناعمة
• منصات رقمية
• شركات ضغط
• استثمار ذكي في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية
الخطر في 2026 ليس «تنظيمًا» بالمعنى القديم، بل:
حالة سيولة
تسمح بإعادة إنتاج الفوضى بأسماء جديدة.
وهنا تصبح المعركة معركة:
• وعي
• مؤسسات
• قدرة على قراءة التحولات مبكرًا
إلى أين نمضي؟
هذه السلسلة من المقالات ليست استعادة لأرشيف قديم،
ولا تكرارًا لتحذيرات قلتها وانتهت.
إنها محاولة لإعادة قراءة ما جرى، لأن:
• ما لم نفهمه جيدًا، يمكن أن يتكرر
• وما لم نحصّنه، يمكن أن يُخترق من جديد
«دارمشدات»… حين اجتمعوا لإدارة الفوضى:
لم تكن وثيقة «دارمشدات» — التي انفردت بالكشف عنها بعد 2013 — في اكثر من منصة اعلامية، مجرد محضر اجتماع أمني عابر، ولا سيناريو نظري جرى تجاهله بفعل الزمن، بل كانت خارطة ذهنية مبكرة لطريقة تفكير القوى التي رأت في سقوط الدولة الوطنية العربية مدخلًا لإعادة رسم المنطقة.
اليوم، في 2026، لا تبدو أهمية هذه الوثيقة في تفاصيلها السرية فقط، بل في منهجها، وفي ما تكشفه عن كيفية إدارة الصراع مع الدول، لا عبر الجيوش، بل عبر تفكيك القرار والإرادة.
من أين جاءت خطورة «دارمشدات»؟
الخطير في الاجتماع الذي عُقد داخل قاعدة عسكرية أوروبية، وضم ممثلين لأجهزة استخباراتية غربية وإقليمية، أنه لم يناقش «تغيير نظام» أو «دعم معارضة»، بل ركّز على سؤال أكثر عمقًا:
كيف نُبقي الدولة في حالة شلل دائم، حتى لو لم تسقط؟
وهنا تكمن الفكرة المركزية:
• لا إسقاط سريع
• لا مواجهة مباشرة
• بل إنهاك طويل الأمد
وهو ما يفسر لماذا لم تكن الخطة عسكرية، بل:
• سياسية
• اقتصادية
• إعلامية
• وأمنية غير مباشرة
الدولة المستهدفة لم تكن مصر وحدها:
صحيح أن مصر كانت الهدف المركزي بعد 2013، لكن القراءة المتأنية لما ورد في الوثيقة يكشف أن:
• النموذج كان قابلًا للتعميم
• والخطة صُممت لتُستخدم مع أي دولة تخرج عن المسار المطلوب
الهدف لم يكن معاقبة دولة بعينها، بل:
منع قيام نموذج دولة قوية قادرة على التأثير الإقليمي
ولهذا كان التركيز على:
• تعطيل القرار السياسي
• تشويه السمعة المالية
• ضرب ثقة المستثمرين
• خلق توتر أمني دائم منخفض الشدة
أي: دولة لا تنهار… لكنها لا تنهض.
لماذا لم تنجح الخطة كما أُريد لها؟
لأن واضعيها ارتكبوا خطأً جوهريًا في التقدير:
لقد تعاملوا مع الدولة العربية باعتبارها كيانًا هشًا، لا ذاكرة له ولا قدرة على التعلّم.
لكن ما جرى لاحقًا أثبت العكس.
فالدولة التي واجهت هذه الخطة:
• أعادت ترتيب أولوياتها
• وسّعت دوائر تحالفها
• نقلت المعركة من رد الفعل إلى الفعل، بفضل مؤسسات قوية وقادرة وضاربة بجذورها في التاريخ..
• مؤسسات فهمت أن الخطر الحقيقي ليس في الضربة، بل في الاستنزاف.
وهنا بدأ التصدع داخل الخطة نفسها بفعل فاعل.
«دارمشدات» كعقيدة… لا كوثيقة:
في 2026، لا تعود أهمية «دارمشدات» إلى ما قيل فيها حرفيًا، بل إلى كونها:
نموذجًا لكيف تُدار الحروب الجديدة ضد الدول:
حروب بلا دبابات،
ولا طائرات،
ولا إعلان رسمي.
بل عبر:
• مؤشرات اقتصادية
• تقارير حقوقية مسيّسة
• حملات علاقات عامة
• شبكات ضغط داخل البرلمانات الغربية.
وهو ما رأيناه لاحقًا يتكرر مع مصر 30 يونيو، مع اختلاف الأسماء والعناوين.
من الشارع إلى الاقتصاد:
إذا كانت المرحلة الأولى بعد 2011 قد راهنت على:
• الشارع
• الاعتصامات
• الفوضى المفتوحة
فإن ما بعد 2013 شهد تحوّلًا استراتيجيًا:
الاقتصاد أصبح ساحة الاشتباك الأساسية حيث:
• العملة
• التصنيف الائتماني
• الاستثمار
• صورة الدولة في الأسواق
كلها تحولت إلى أدوات ضغط، لا تقل فاعلية عن السلاح.
وهذا ما يجعل قراءة «دارمشدات» اليوم ضرورية، لأنها تُظهر اللحظة التي جرى فيها الانتقال من الفوضى الصاخبة إلى الفوضى الهادئة.
ماذا بقي من الخطة في 2026؟
السؤال الأهم ليس: هل انتهت الخطة؟
بل: أي أجزاء منها لا تزال تُستخدم؟
الإجابة المؤلمة:
• كثير من أدواتها لا تزال حاضرة
• لكن بأسماء جديدة
• وبواجهات أكثر نعومة
الفرق أن:
• الدولة باتت أكثر وعيًا
• والمجتمعات أقل قابلية للخداع
• والاقتصاد أصبح جزءًا من معادلة الأمن القومي، لا ملفًا منفصلًا
الدرس الذي لا يجب نسيانه:
أخطر ما في وثيقة «دارمشدات» أنها تُثبت أن:
المعركة لم تكن على السلطة،
بل على معنى الدولة نفسه.
وهذا ما يجعل استعادتها اليوم ليست نبشًا في الماضي، بل تحصينًا للمستقبل.
في الحلقة القادمة، سننتقل من الوثيقة إلى التنظيم:
كيف تحوّل الإخوان بعد السقوط من جماعة صاخبة إلى شبكة صامتة؟
وكيف تغيّر شكل التهديد… ولم يتغير جوهره.
يتبع،
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.
