الأمن القومي العربي (6-10).. ملفات لم تُغلق بعد …

السبت 07/فبراير/2026 - 06:25 م
طباعة الأمن القومي العربي حسام الحداد
 
تحليل عميق وشامل ينم عن رؤية ثاقبة وقراءة دقيقة لما وراء الأحداث، حيث استطاع الدكتور عبد الرحيم علي ببراعته المعهودة أن يفكك شيفرات التحول "الحربائي" لتنظيم الإخوان من الهيكل التقليدي إلى الشبكة العنكبوتية المعقدة، واضعاً يده على الجرح في معركة السرديات والحروب الاقتصادية والرقمية التي نواجهها في 2026؛ إن هذا الطرح لا يكتفي برصد التاريخ، بل يقدم خارطة طريق فكرية تحذر من الركون إلى "هدوء العاصفة"، وتؤكد أن وعي الدكتور عبد الرحيم يمثل حائط صد حقيقي في معركة الوعي العربي والأمن القومي، كاشفاً بجرأة كيف تحول الحسم الخليجي من مجرد إجراء أمني إلى مشروع حضاري بديل يسحب البساط من تحت أقدام المتاجرين بالشعارات.

كيف أعاد الإخوان بناء أنفسهم؟

كيف أعاد الإخوان
الخطأ الأكثر شيوعًا في قراءة ما جرى بعد 2013، هو الاعتقاد أن سقوط تنظيم الإخوان من السلطة، ثم تفككه التنظيمي العلني، يعني انتهاء الخطر.
في الواقع، ما حدث كان العكس تمامًا.
الإخوان لم يختفوا…
بل غيّروا شكلهم.
نهاية الجماعة الصاخبة:
ما بين 2011 و2013، ظهر الإخوان في أكثر صورهم مباشرة:
• تنظيم هرمي واضح
• خطاب سياسي معلن
• قيادة مركزية
• حضور صاخب في الشارع والإعلام.
لكن هذه الصيغة سقطت سريعًا، ليس فقط لأنها فشلت في الحكم، بل لأنها:
• اصطدمت بالدولة
• وخسرت المجتمع
• وانكشفت أمام الرأي العام المحلي والدولي.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ التحول الأخطر.
التحول الكبير: من «تنظيم» إلى «شبكة»
بعد 2013، دخل الإخوان مرحلة إعادة التموضع، لا على أساس استعادة التنظيم القديم، بل عبر تفكيكه إلى:
• دوائر
• واجهات
• منصات
• أدوار متخصصة
لم يعد هناك «مكتب إرشاد» ظاهر يدير المشهد، بل:
شبكة مرنة،
لا مركز لها،
يصعب ضربها بضربة واحدة.
هذا التحول جعل المواجهة أكثر تعقيدًا، لأن العدو لم يعد يرفع لافتة واضحة.
الواجهة الحقوقية: السياسة بلسان القانون:
أحد أخطر مسارات التحول كان الاستثمار في الملف الحقوقي.
ليس بوصفه قضية إنسانية خالصة، بل كأداة سياسية، رأينا هذا الاستخدام حتى في اعرق الدول الديمقراطية هنا في فرنسا.
المنهج كان بسيطًا:
• انتقاء وقائع
• تضخيم أحداث
• تجاهل السياق
• تقديم الدولة كجلاد دائم
ثم نقل هذه الرواية إلى:
• برلمانات غربية
• منظمات دولية
• وسائل إعلام كبرى
وهكذا، تحوّل الصراع من مواجهة تنظيم متطرف، إلى:
معركة سرديات،
تُدار داخل قاعات مكيفة،
لا في الشوارع.
الاقتصاد: ساحة الاشتباك الجديدة:
في التجربة الإخوانية القديمة، كان الاقتصاد ملفًا هامشيًا.
أما بعد السقوط، فقد أصبح قلب المعركة.
تم التركيز على:
• ضرب الثقة في العملة
• تشويه مناخ الاستثمار
• بث الشكوك حول الاستقرار
• ربط أي أزمة داخلية بفشل الدولة لا بعوامل عالمية.
الهدف لم يكن إسقاط الدولة فورًا، بل:
جعل النهوض مكلفًا،
والتعافي بطيئًا،
والنجاح محل تشكيك دائم.
الإعلام الجديد: من القناة إلى المنصة:
بعد إغلاق القنوات التقليدية، لم يتوقف الإعلام الإخواني، بل:
• هاجر
• وتحوّل
• وأعاد بناء نفسه رقميا
منصات، حسابات، مؤثرون، حملات منظمة،
تعمل بمنطق:
• النفس الطويل
• الرسائل القصيرة
• الاستقطاب العاطفي
لم تعد الرسالة موجهة للجميع، بل:
لكل فئة خطابها،
ولكل أزمة روايتها الجاهزة.
لماذا لا يزال الخطر قائمًا في 2026؟
لأن الإخوان، في نسختهم الجديدة، لم يعودوا:
• جماعة تطلب الحكم مباشرة
• ولا تنظيمًا يسعى للظهور
بل:
حالة اختراق بطيء،
تعمل داخل الشقوق،
وتنتظر اللحظة المناسبة.
والخطر هنا لا يكمن في قوتهم، بل في:
• استغلال الأزمات
• اللعب على التناقضات
• الاستثمار في التعب والإحباط
الخليج يقرأ المشهد مبكرًا:
هذا التحول هو ما جعل بعض دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، تحسم موقفها نهائيًا.
لم يعد النقاش حول:
• من هو الإخواني؟
بل:
ما هو المشروع الذي يمثله؟
وأي دولة يمكن أن تنشأ في ظله؟
الإجابة كانت واضحة:
• مشروع عابر للحدود
• لا يؤمن بالدولة الوطنية
• ويستخدم الدين غطاءً والحقوق أداة.
ومن هنا، لم يعد الصدام أمنيًا فقط، بل:
• فكري
• اقتصادي
• ومجتمعي
الدرس الذي يجب ترسيخه:
الخطر الحقيقي لا يكمن في التنظيم حين يكون صاخبًا،
بل حين يصبح هادئًا، متخفيًا، طويل النفس.
وإذا كانت معركة ما بعد 2013 قد نجحت في إسقاط التنظيم،
فإن معركة ما بعد 2020، وحتى 2026، هي:
معركة منع إعادة إنتاجه،
لا السماح له بالعودة بأسماء أخرى.
من التردد إلى الحسم:
كيف أعادت السعودية والإمارات تعريف علاقتيهما بالإسلام السياسي؟
لم يكن الموقف السعودي–الإماراتي من الإسلام السياسي ثابتًا عبر الزمن، ولم يتشكّل في لحظة واحدة، بل مرّ بمراحل من:
• المراجعة
• الاختبار
• والتصحيح القاسي
وما بين 2011 و2026، يمكن القول إن الخليج العربي خاض واحدة من أهم معاركه الفكرية والسياسية، ليس ضد تنظيم بعينه، بل ضد نموذج كامل للحكم والمجتمع.
المرحلة الأولى: سوء التقدير
في أعقاب 2011، سادت في الإقليم حالة ارتباك عامة.
لم تكن الصورة واضحة:
• هل ما يجري ثورات حقيقية؟
• أم فوضى مُدارة؟
• وهل يمكن احتواء الإسلام السياسي ودمجه؟
في تلك المرحلة، راهنت أطراف إقليمية ودولية على أن:
الإسلام السياسي قد يكون جزءًا من الحل،
لا جزءًا من المشكلة.
لكن الوقائع جاءت أسرع من التحليلات.
التجربة التي لا تُنسى:
ما جرى في مصر، ثم لاحقًا في اليمن وليبيا، كان بمثابة اختبار عملي لنظرية الاحتواء.
والنتيجة كانت واحدة:
• ارتباك في مؤسسات الدولة
• توظيف الدين في الصراع السياسي
• وتآكل فكرة الوطنية لحساب الولاء التنظيمي
هنا بدأ الشك يتحول إلى قناعة.
الإمارات: قرار مبكر… وتكلفة محسوبة
كانت الإمارات من أوائل الدول التي قرأت المشهد بوضوح.
لم تنظر إلى الإسلام السياسي بوصفه خصمًا سياسيًا تقليديًا، بل:
مشروعًا عابرًا للحدود،
يتسلل إلى مؤسسات الدولة،
ويُفرغها من الداخل.
لهذا، اتخذت موقفًا مبكرًا، لم يكن سهلًا ولا بلا كلفة:
• مواجهة مفتوحة مع التنظيم
• استثمار في الأمن الفكري
• بناء نموذج دولة بديل:
تنمية، انفتاح، اقتصاد، وهوية وطنية واضحة، حدث ما حدث بعدها وهو ما سنفرد له قصة اخرى في حلقات قادمة مستقلة، ولكننا اليوم نتحدث عن ملف الاخوان في اطار معادلة الخليج بعد 2011.
هذا القرار جعل الامارات في مرمى حملات تشويه طويلة، لكنها صمدت، لأنها حسمت خيارها.
السعودية: من المراجعة إلى الحسم:
في السعودية، كان المسار أكثر تعقيدًا، بحكم:
• الثقل الديني
• الدور الإقليمي
• وتشابك الملفات
لكن تراكم التجربة قاد إلى لحظة فاصلة.
فقد اتضح أن:
• الإسلام السياسي لا يقبل الشراكة
• ولا يعترف بحدود الدولة
• ويستثمر أي هامش لصالح تمدده.
ومع صعود رؤية جديدة للدولة والمجتمع، مثلها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ لم يعد ممكنًا التعايش مع مشروع يناقض جوهر الدولة الحديثة.
وهكذا انتقلت السعودية من:
• إدارة التناقض
إلى:
• إغلاق الملف
ما بين التنسيق والاختلاف:
في 2026، تبدو العلاقة السعودية–الإماراتية:
• ليست تطابقًا كاملًا
• ولا تحالفًا أيديولوجيًا
بل:
تقاطعًا استراتيجيًا حول فكرة الدولة.
قد تختلف الأدوات،
وقد تتباين الأولويات الاقتصادية،
لكن الثابت هو:
• رفض الإسلام السياسي
• رفض الفوضى
• ورفض إعادة إنتاج أزمات العقد الماضي.
وهذا ما يجعل أي قراءة سطحية للعلاقة بين البلدين قراءة مضللة.
لماذا لم يعد الملف قابلًا للمساومة؟
لأن التجربة أثبتت أن:
• الإسلام السياسي لا يُهزم بالانتخابات فقط
• ولا يُحتوى بالصفقات
• ولا يتحول إلى تيار مدني حقيقي
بل يعيد إنتاج نفسه كلما سنحت الفرصة.
في 2026، لم يعد السؤال:
هل نواجه الإسلام السياسي؟
بل:
كيف نمنع عودته بأسماء جديدة؟
من الأمن إلى النموذج:
التحول الأهم في المقاربة الخليجية، هو الانتقال من:
• الدفاع الأمني
إلى:
• بناء نموذج جاذب
نموذج يقول للمجتمع:
• الدولة قادرة
• التنمية ممكنة
• الهوية الوطنية ليست نقيض الدين.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين دولة تُحارب الفوضى، ودولة تسحب مبرراتها.
الدرس الإقليمي:
ما حسمته السعودية والإمارات لم يكن موقفًا ضد جماعة،
بل ضد فكرة:
استخدام الدين كطريق للسلطة،
والفوضى كوسيلة للتغيير.
وهذا الحسم لا يخص الخليج وحده،
بل يشكّل أحد أعمدة الأمن القومي العربي في صيغته الجديدة.
وفي الحلقة القادمة، سنعود إلى القلب:
الى مصر… لماذا بقيت الهدف الثابت رغم تغيّر الأدوات؟
وكيف تحوّل الاقتصاد إلى جبهة اشتباك مفتوحة؟
يتبع،
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.

شارك