رمضان في منظار التطرف: من محراب العبادة إلى خنادق التكفير

الجمعة 20/فبراير/2026 - 02:09 ص
طباعة رمضان في منظار التطرف: حسام الحداد
 
تُمثل افتتاحية العدد (535) من صحيفة "النبأ" الصادرة في فبراير 2026، نموذجاً متقدماً لخطاب "التعبئة العقائدية" الذي ينتهجه تنظيم "داعش" لاستغلال المواسم الدينية وتحويلها من سياقها الروحاني الجامع إلى أداة للانقسام السياسي والعسكري. لا يقف النص عند حدود الوعظ التقليدي، بل يتجاوزه ليقدم "مانيفستو" فكرياً يقوم على هندسة اليأس من الواقع المعاصر، عبر رسم صورة سوداوية للمجتمعات الإسلامية، وتصويرها ككيانات منسلخة عن جوهر الإيمان. هذا التشويه الممنهج يهدف في جوهره إلى خلق "فراغ روحي" لدى المتلقي، لا يملؤه -وفق سردية التنظيم- إلا الالتحاق بصفوفه، بوصفه الحارس الوحيد لنموذج "السلف" المتخيل، والمصحح لمسار الأمة الذي يراه التنظيم "معوجاً" بفعل الدولة الوطنية وقوانينها.
وتكمن الخطورة الكبرى في هذا الخطاب بتبنيه استراتيجية "عسكرة الشعائر"، حيث يُعاد تعريف مفاهيم "التقوى" و"تعظيم الشعائر" لتصبح مرادفة حصراً لرفض الحدود السياسية والانخراط في العنف المسلح. إن النص يمارس نوعاً من "الإرهاب الفكري" بتخيير القارئ بين نموذج "المؤمن الممتلئ" (المقاتل) و"المسلم الفارغ" (المواطن العادي)، وهي ثنائية تهدف إلى ضرب مرتكزات السلم المجتمعي وتقويض شرعية المؤسسات الدينية والسياسية. ومن هنا، تأتي أهمية هذه القراءة النقدية لتفكيك الشيفرات الرمزية والأيديولوجية التي يستخدمها التنظيم لإعادة تعريف الإسلام بما يخدم طموحاته التوسعية، وكشف زيف الروابط القسرية التي يضعها بين العبادة القلبية وبين إراقة الدماء.

ثنائية "المثالية" و"الواقع المأزوم"
يعمد النص في فقرته الأولى إلى صناعة حالة من "الاغتراب الشعوري" لدى القارئ تجاه مجتمعه، عبر تقديم صورة قاتمة ومعتمة للمسلمين اليوم، واصفاً إياهم بالانغماس في "المادية المفرطة" والشكليات الجوفاء. لا يكتفي النص بنقد التقصير البشري المعتاد، بل يذهب إلى "تجريم" الحالة الاجتماعية العامة، حيث يصور المسلمين ككتلة متنازعة تفتقر للصدق، تستقبل رمضان بـ "التوجس" وتودعه بـ "الارتياح". هذه الصورة المشوهة تهدف إلى إقناع المتلقي بأن المجتمع المسلم المعاصر قد انسلخ من جوهر دينه، ولم يعد يربطه برمضان سوى "إشباع البطون" والزينة المصطنعة، مما يخلق فجوة نفسية تجعل القارئ يبحث عن بديل "طاهر" يتطابق مع طموحه الإيماني المفترض.
في المقابل، يرسم النص صورة "طوباوية" (مثالية مفرطة) لقرون المسلمين الأولى، لكنه يستدعيها بانتقائية شديدة تخدم أجندته القتالية. فهو لا يركز على السلف كنموذج للبناء الحضاري أو التسامح الاجتماعي، بل يختزل عظمتهم في صفات "الانكسار للمولى" والتبتل الذي يتبعه فوراً "النفير للجهاد". هذه الاستراتيجية الخطابية تسعى لربط مفهوم "الزمن الذهبي" حصراً بحالة الحرب الدائمة، وكأن الإيمان لا يكتمل إلا إذا تحول المصلي من محرابه إلى ساحة القتال. وبذلك، تصبح صورة "السلف" في النص مجرد قناع أيديولوجي يُستخدم لإسقاط الشرعية على ممارسات التنظيم الحالية، وتصويرها كإحياء وحيد لتلك الأمجاد الضائعة.
تكتمل البنية الخطابية من خلال وضع القارئ أمام خيارين لا ثالث لهما: إما البقاء ضمن واقع "الفوارغ" (المجتمع المعاصر الذي لا يحقق تقوى ولا يحصد أجراً)، أو الالتحاق بركب "المجاهدين" الذين يقدمهم النص كوارثين شرعيين وحيدين لنهج السلف. هذا التقابل الحاد ليس مجرد وعظ ديني، بل هو عملية "هندسة اجتماعية" تهدف إلى حصر مفهوم "النجاة" في الانتماء للتنظيم. فبينما يصور النص العالم الإسلامي غارقاً في "تشرذم الحدود الوطنية" و"عبادة الشهوات"، يبرز التنظيم نفسه كـ "البديل المخلص" الذي يعيد لرمضان هيبته بربط الصيام بالدم، والعبادة بإنكار الدولة الوطنية، محولاً الشعيرة الدينية من وسيلة للتهذيب الروحي إلى أداة للانقسام العقدي والسياسي.

التحليل الأيديولوجي والسياسي
يمارس النص هجوماً شرساً على مفهوم "الدولة الوطنية" الحديثة، معتبراً إياها الصنم الحقيقي الذي يفرق المسلمين في شعيرة الصيام. فمن خلال وصفه للحدود السياسية بأنها "تلتف على الرقاب" وأن الشعوب "تقدسها"، يحاول التنظيم نزع صفة الشرعية والقيمة عن الانتماء الوطني، وتصويره كحالة من "الشرك السياسي" التي تنافي التوحيد. هذا الخطاب يهدف بوضوح إلى خلخلة العقيدة العسكرية والأمنية لدى الشعوب، عبر شيطنة "الجنود" الذين يحرسون هذه الحدود، وتصوير الالتزام بالقانون الوطني كقيد يمنع الوصول إلى "حقيقة الإيمان". وبذلك، تتحول عبادة الصيام من شعيرة روحية إلى أداة للتحريض ضد الدولة، بدعوى أن توحيد موعد الصوم لا يتحقق إلا بهدم هذه الكيانات السياسية القائمة.
يبرع النص في دمج الروحانيات الصوفية بالعمل العسكري العنيف تحت مفهوم "عسكرة العبادة". فمن خلال صياغة عبارات مثل "شرف العبادة في شرف الزمان"، يسعى التنظيم إلى تحويل شهر رمضان من زمن للسلم والتراحم إلى "موسم للدم". هذا الربط العاطفي يهدف إلى شحن المقاتلين والتابعين بطاقة تدميرية، عبر إيهامهم بأن القتال في رمضان هو "الذروة" التي لا تكتمل التقوى بدونها. إن استخدام أوصاف مثل "نفروا خفافاً وثقالاً" و"يبتغون القتل مظانه" يعكس رغبة التنظيم في تحويل المصلي من حالة "الإخبات والذلة لباريه" إلى حالة "الاستعلاء والقتل لأعدائه"، مما يجعل الفريضة الدينية غطاءً أخلاقياً يبرر ممارسة العنف وإراقة الدماء في أكثر الشهور قدسية.
يتبنى النص خطاباً "استعلائياً" يصنف المسلمين إلى فئتين: "النخبة المؤمنة" (أتباع التنظيم) و"العامة الفوارغ" (بقية المسلمين). وصف عامة الناس بأنهم "فوارغ من كل شيء" وأنهم "يفطرون على الخبائث" يمثل نوعاً من التكفير المبطن والاجتثاث القيمي للأمة. هذا النفس الاستعلائي يؤسس لما يُعرف بـ "العزلة الشعورية"، حيث يُقنع التابع بأن مجتمعه ليس مجرد مقصر، بل هو مجتمع "جاهلي" يقدس الحدود الأرضية ويحارب الوقار. هذه الدلالة هي الأخطر، لأنها تكسر الروابط الإنسانية والأخلاقية التي تمنع الفرد من استهداف مجتمعه؛ فمن يرى جيرانه وأهله "فوارغ" من الإيمان وسارقين للحدود الإلهية، يسهل عليه استباحة دمائهم وأموالهم لاحقاً بصفتهم عائقاً أمام "الخلافة" المنشودة.

اللغة والأسلوب
يعتمد النص في استهلاله على نبرة تشاؤمية حادة تتجاوز حدود الوعظ التقليدي إلى "الهجاء الجماعي"، مستخدماً صورة فنية صادمة وموغلة في العنف الافتراضي حين يزعم أن الناس لو تجسد لهم رمضان بشراً "لاقتتلوا عليه وقتلوه". هذه المبالغة الدرامية ليست مجرد زينة أدبية، بل هي أداة سيكولوجية تهدف إلى إحداث "صدمة وجدانية" لدى القارئ، لدفعه إلى كراهية واقعه الاجتماعي والنفور من محيطه. ومن خلال تصوير المجتمع ككيان عدائي يكره شعائر الله ويستثقلها، ينجح النص في عزل المتلقي شعورياً، ممهداً الطريق لإقناعه بأن التغيير لا يأتي عبر الإصلاح، بل عبر "القطيعة الكاملة" مع هذا الواقع الذي وُصف بأبشع النعوت.
يمارس النص عملية "إسقاط انتقائي" للنصوص الشرعية (القرآن والسنة)، حيث يُخرجها من سياقها التعبدي الروحاني ليضعها في سياق "التحقير من الشأن العام". فاستدعاء حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- حول "الوجل من عدم قبول العمل" لم يُستخدم هنا لتحفيز الرجاء أو التواضع، بل استُخدم كأداة لإدانة المسلمين المعاصرين وتجريدهم من أي فضيلة. هذا "التوظيف النصي" يسعى لإضفاء هالة من القداسة على خطاب الكراهية الذي يتبناه التنظيم؛ فمن خلال خلط الآيات القرآنية بألفاظ التحريض السياسي، يوهم النص القارئ بأن نقد التنظيم للدولة والحدود والمجتمع هو "نقد رباني" ملزم، محولاً معاني الخوف والرجاء من عبادات قلبية إلى محركات للإحباط الجماعي والتمرد المسلح.
يستخدم النص أسلوب السجع والمقابلة اللفظية (مثل: يمسكون عن الحلال.. ولا يمسكون عن الحرام، صيام وصيام.. جهاد وجهاد) لبناء نسق لغوي يوحي بالاستقامة المنطقية، بينما هو في الحقيقة يمارس "هندسة للاغتراب". لغة النص تفيض بالألفاظ التي توحي بالنقاوة (الأوبة، التبتل، الطهارة) وتربطها حصراً بالماضي أو بمقاتلي التنظيم، مقابل ألفاظ توحي بالنجاسة (الأدران، الخبائث، التمزق) وتربطها بالمجتمع المعاصر. هذا الانقسام اللغوي يهدف إلى حشر القارئ في زاوية ضيقة: فإما أن يكون مع "الطهارة المدعاة" التي يمثلها التنظيم برصاصه، أو مع "الدرن" الذي يمثله المجتمع بصيامه العادي. وبذلك، تصبح اللغة سلاحاً يقطع أواصر الأخوة الدينية لصالح الانتماء التنظيمي الضيق.

الملاحظات النقدية العامة
يرتكز النص على مغالطة "التعميم المخل" كركيزة أساسية لبناء خطابه؛ فهو يفترض بجرأة أن الأمة بأكملها قد انغمست في الضلال والمادية، متجاهلاً عن عمد الملايين من المسلمين الذين يحيون شعائرهم بصدق وإخلاص وتراحم. هذا التعميم ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو استراتيجية "تعبوية" خبيثة تهدف إلى تجريد المجتمع من شرعيته الأخلاقية. فمن خلال تصوير العالم الإسلامي ككتلة صماء من "الغافلين"، يمنح التنظيم أتباعه مبرراً نفسياً للتعالي على الآخرين، وتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، مما يحول الشعيرة الدينية الجامعة إلى أداة فرز وإقصاء، تخدم غرض التنظيم في صناعة "عدو داخلي" يتمثل في المسلم الذي لا يتبنى فكرهم المتطرف.
يمارس النص عملية "اختزال قسري" لمفهوم تعظيم شعائر الله، حيث يحصر التقوى في "البغض للحدود" والاندفاع نحو "القتال"، مجهضاً بذلك الجوانب الحضارية والإنسانية والاجتماعية الواسعة التي يزخر بها شهر رمضان. إن هذا التضييق المتعمد للدين يهمش قيم الصبر، والإحسان، وصلة الرحم، وحفظ الدماء، وهي المقاصد العليا للصوم. إن خطورة هذا الاختزال تكمن في "عسكرة الروحانية"؛ إذ يتم إقناع الشاب بأن صومه لا قيمة له ما لم يرتبط بالعداء للدولة الوطنية والنزوع نحو العنف. وبذلك، يتحول رمضان في خطاب التنظيم من محطة لتهذيب النفس وكف الأذى، إلى منصة انطلاق للعمليات الإرهابية التي تستهدف استقرار المجتمعات تحت مسميات "الفتوحات".
يكشف النص عن تناقض صارخ بين دعوته لتطهير القلوب من "الأدران والخبائث" وبين ما ينضح به من كراهية وتحريض وتكفير؛ فالحقد والتمزق وتكفير الآخر هي "الأدران القلبية" الحقيقية التي تنافي جوهر التقوى. ويمتد أثر هذا التناقض ليزذي الإرهاب في ثلاث دوائر: محلياً عبر صناعة "الذئاب المنفردة" التي تستهدف أمن بلادها، وإقليمياً من خلال محاولة هدم مفهوم الدولة الوطنية وزعزعة الاستقرار لإيجاد "مناطق فوضى"، ودولياً عبر تقديم صورة مشوهة للإسلام تغذي "الإسلاموفوبيا" وتستقطب الشباب المهمش في الخارج عبر خطاب "الغربة والمفاصلة". إن هذا النص ليس مجرد افتتاحية صحفية، بل هو "مانيفستو" إرهابي يستخدم قدسية الزمان لإسباغ شرعية زائفة على مشاريع الهدم والدمار.

الدلالات الرمزية واللغوية في الافتتاحية
يتجاوز النص المعنى الفلكي لرؤية الهلال ليمنحه دلالة سياسية عميقة من خلال وصفه بـ "المظلوم"، وفي هذا "أنسنة" للهلال لجعله ضحيةً للحدود الوطنية والجغرافية. هذه الرمزية تهدف بالدرجة الأولى إلى ضرب "المرجعية الدينية" للدول الوطنية (دور الإفتاء والمؤسسات الرسمية)، وتصويرها كأدوات سياسية تُجزئ شعائر الله وتخضعها لاتفاقيات "سايكس بيكو". إن إيهام القارئ بأن الهلال أسير للحدود الوطنية هو تحريض مباشر على التمرد ضد القوانين والأنظمة، ودعوة لرفض الانصياع لأي سلطة دينية لا تتبنى نهج التنظيم العابر للحدود، مما يمهد الطريق لاستبدال الهوية الوطنية بهوية "أممية قتالية".
وظف النص ثنائية "الزينة المادية" مقابل "تزيين القلوب" كدلالة رمزية للاستخفاف بمظاهر الاستقرار الاجتماعي والحياة المدنية المعاصرة. فمن خلال وصم المجتمع المستقر بأنه مجتمع "بطون" وشهوات ينشغل بالزينة الظاهرة فقط، يسعى النص إلى بناء جدار عازل بين الشاب ومحيطه الاجتماعي. هذه الدلالة تهدف إلى "تنفير" المتلقي من عائلته ومجتمعه عبر تصوير نمط حياتهم كحالة من "الخبائث والأدران"، مما يسهل عملية "الاغتراب الشعوري". وبمجرد أن يزهد الشاب في استقرار مجتمعه ويرى فيه عدواً لروحانية رمضان، يصبح لقمة سائغة للتجنيد، حيث يُقدم له التنظيم "تطهير القلب" كبديل يمر حتماً عبر القطيعة مع الواقع المدني "المبتذل".
تبرز رمزية "السنبلة الممتلئة" التي تحني رأسها انكساراً، في مقابل "الفوارغ" (بقية المسلمين)، كأداة لتعزيز روح "الاستعلاء بالإيمان" لدى أتباع التنظيم. هذه الاستعارة اللغوية تحول التواضع والخشوع من قيمة أخلاقية إلى "رتبة تنظيمية"؛ فالمقاتل في صفوفهم هو السنبلة الممتلئة بالحق واليقين، بينما العالم الإسلامي بأسره مجرد "قشور فوارغ" لا قيمة لها. إن خطورة هذه الدلالة تكمن في أنها تمنح المتطرف "تفويضاً أخلاقياً" لاستباحة الآخرين؛ فمن يرى غيره "هباءً فارغاً" من الإيمان والوقار، لن يجد غضاضة في سلب ماله أو سفك دمه، لأن النص أقنعه بأن القيمة والكرامة محصورة فقط في "السنبلة" التي تتبنى رؤية التنظيم وتخضع لباريها (وفق تفسيرهم العنيف للخضوع).

أثر الخطاب على تنامي الإرهاب 
يعمل الخطاب في دائرته المحلية كمعول لهدم السلم المجتمعي، إذ يمارس "شيطنة" علنية للمجتمعات المسلمة بوصفها مستثقلة للعبادة ومنغمسة في الخبائث. هذه اللغة تزرع بذور "المفاصلة الشعورية" التي تفصل الفرد عن محيطه الصغير (الأسرة والجيران)، محولةً إياهم في نظره من "أهل" إلى "أهداف محتملة". إن خطورة هذا التحريض تكمن في شرعنة ظاهرة "الذئاب المنفردة"، حيث يمنح النص المبرر الأخلاقي والديني للمتطرف لاستهداف بني جلدته، بذريعة أنهم "مارقون" عن حقيقة الصيام والتقوى، مما يؤدي إلى تآكل النسيج الاجتماعي وتفجير الصراعات من داخل البيت الواحد.
يستهدف النص بشكل مباشر ضرب المرجعية الدينية والسياسية للدولة الوطنية من خلال الهجوم على "الحدود" والترتيبات الإدارية لشهر رمضان. هذا التشكيك يهدف إلى إحداث حالة من الفوضى الوجدانية لدى العامة، ونزع الثقة من المؤسسات الرسمية (كدار الإفتاء والأجهزة الأمنية). ومن خلال تصوير القوانين الوطنية كقيود "تلتف على الرقاب"، يسعى التنظيم إلى خلق جيوب فكرية متمردة داخل الدولة، ترى في مخالفة النظام العام "تعظيماً لشعائر الله". هذا المسار يؤدي بالضرورة إلى إضعاف هيبة الدولة وتسهيل اختراقها فكرياً وأمنياً، وتحويل المناسبات الدينية من مظاهر وحدة إلى بؤر للنزاع حول الشرعية.
على الصعيد الإقليمي، يسعى الخطاب إلى تحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة عبر "عسكرة" الموسم الديني. فمن خلال تبديل وظيفة رمضان من السكينة الروحية إلى "موسم انتصارات وفتوحات" قتالية، يحفز التنظيم خلاياه النائمة والنشطة على تنفيذ عمليات عسكرية "رمزية" لرفع الروح المعنوية لأتباعه. هذا الربط بين "شرف الزمان" وإراقة الدماء يزيد من حالة عدم الاستقرار الإقليمي، ويفرض تكاليف أمنية وعسكرية باهظة على الدول، خاصة مع تحريض الجنود والشعوب على كسر الحدود الوطنية التي وصفها النص بأنها "تحصد دينهم"، مما يمهد الطريق لنشوء كيانات فوضوية عابرة للحدود تهدد الأمن الإقليمي برمته.
يساهم هذا الخطاب في تدويل الأزمة عبر مسارين خطيرين؛ الأول هو تقديم "خدمة مجانية" لتيارات اليمين المتطرف في الغرب عبر ترسيخ صورة ذهنية تربط العبادات الإسلامية (الصلاة والصيام) حتماً بالعنف والقتل، مما يعزز موجات "الإسلاموفوبيا" ويحقق نبوءة التنظيم حول "فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر". أما المسار الثاني فهو "التجنيد العابر للقارات"، حيث يستغل النص لغة العاطفة و"الغربة" لدغدغة مشاعر الشباب المسلم في المجتمعات الغربية الذين يعانون من أزمات هوية، موهماً إياهم بأن "الرجولة الإيمانية" تقتضي التخلي عن "دنياهم" والالتحاق بصفوف القتال. وبذلك، تتحول الافتتاحية إلى أداة دعائية دولية تهدف إلى تحويل الصراع من صراع سياسي إلى صدام حضاري وديني شامل.

الخاتمة التحليلية
إن خطورة افتتاحية "النبأ" تكمن في قدرتها على تسييس الروحانيات. فهي لا تكتفي بدعوة الناس للصلاة، بل تملي عليهم "كيف" و"لماذا" يصلون وفق أجندتها. إنها تحاول تحويل الانكسار لله سبحانه إلى طاقة غضب موجهة نحو "الآخر" (سواء كان هذا الآخر هو الدولة، أو المجتمع، أو العالم).
إن مواجهة هذا الخطاب تتطلب تفكيك هذه الروابط القسرية التي يضعها التنظيم بين "التقوى" و"العنف"، وإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية والمدنية التي يمثلها رمضان كشهر للتراحم والوحدة الإنسانية لا للفرز والتكفير.

شارك