الحوثيون يحوّلون الشهر الفضيل إلى موسم جوع وجبايات واقتصاد حرب

الجمعة 20/فبراير/2026 - 10:19 ص
طباعة الحوثيون يحوّلون فاطمة عبدالغني
 
حلّ شهر رمضان هذا العام مثقلاً بالهموم على ملايين اليمنيين القاطنين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في ظل أوضاع معيشية وإنسانية وُصفت بأنها الأسوأ منذ انقلاب عام 2014، حيث تلاشت مظاهر الفرح والاستعداد المعتادة، وحلّ محلها القلق من الجوع والعجز عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
 ففي وقت يُفترض أن يكون الشهر الفضيل موسماً للرحمة والتكافل الاجتماعي، يجد المواطن اليمني نفسه أمام واقع قاسٍ تحكمه الأزمات الاقتصادية الخانقة، وانهيار الخدمات، وغياب مصادر الدخل، مع استمرار الحرب وسياسات الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني إن ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي يستقبلون شهر رمضان في ظل أوضاع معيشية هي الأصعب منذ سنوات، مشيراً إلى أن المرتبات متوقفة منذ أعوام، والقطاع الخاص شبه مشلول، وفرص العمل تكاد تكون معدومة، في وقت تتضاعف فيه أسعار السلع الأساسية بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن إلى مستويات غير مسبوقة. 
وأكد الإرياني أن ما يعيشه المواطن اليمني اليوم هو نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية ممنهجة حولت موارد الدولة إلى "اقتصاد حرب"، موضحاً أن إيرادات الموانئ والضرائب والجمارك والزكاة والمشتقات النفطية لا تُوجَّه لصرف المرتبات أو تحسين الخدمات، بل تُسخَّر لتمويل أنشطة إرهابية عابرة للحدود.
ولفت الوزير إلى أن نهب الإيرادات العامة للدولة، وتحويل البنك المركزي المختطف من قبل المليشيا إلى أداة لاستهداف القطاع الخاص والمصارف بإجراءات تعسفية، أدى إلى اتساع رقعة الفقر والجوع، وتعميق الأزمة الإنسانية. وأشار إلى أن رمضان الذي يفترض أن يكون موسماً للرحمة والتكافل، تحوّل في تلك المناطق إلى موسم جبايات متعددة المسميات، في وقت يعجز فيه الموظف بلا راتب، والعامل بلا فرصة عمل، والتاجر المثقل بالإتاوات، عن تأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته.
وتأتي تصريحات الإرياني في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الجماعة الحوثية حالة غير مسبوقة من التوتر الاجتماعي والاقتصادي، مع اتساع رقعة الجوع وازدياد الاحتقان الشعبي بالتزامن مع حلول شهر رمضان، في ظل استمرار توقف رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين للعام التاسع على التوالي. 
وتؤكد مصادر محلية وسكان قدموا حديثاً إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً أن الجماعة رفعت من مستوى الاستنفار الأمني والإعلامي لمواجهة تصاعد المطالب الشعبية بصرف المرتبات، في مؤشر يعكس مخاوف متنامية من انفجار شعبي محتمل.
وحسب إفادات السكان، بلغت الأزمة المعيشية مستويات حرجة نتيجة الانهيار الحاد في القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع الأنشطة الإنسانية عقب اقتحام مكاتب منظمات دولية ونهب أصولها، ما أدى إلى تقليص المساعدات التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان. 
ويؤكد شهود عيان أن المزاج العام في المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين تغيّر بشكل لافت، إذ بات المواطنون أكثر جرأة في التعبير عن غضبهم وانتقادهم العلني للسلطات في الأسواق ووسائل النقل والتجمعات العامة، وهو أمر لم يكن مألوفاً في السنوات الماضية بسبب القبضة الأمنية المشددة.
وتفاقم الاحتقان الشعبي عقب تصريحات منسوبة لوزير المالية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها عبد الجبار الجرموزي، دعا فيها الموظفين المطالبين برواتبهم إلى التوجه للتحالف الداعم للحكومة الشرعية للحصول عليها، قائلاً إن "من يخلق المعدوم هو الله". 
وأثارت هذه التصريحات موجة واسعة من السخرية والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبرها ناشطون دليلاً صارخاً على عجز سلطات الأمر الواقع عن معالجة الأزمة الاقتصادية، وتنصلاً واضحاً من مسؤولياتها تجاه المواطنين.
ويرى حقوقيون أن استمرار قطع الرواتب بالتزامن مع تصاعد الأعباء المعيشية خلق حالة من الإحباط الجماعي، خصوصاً لدى الموظفين الذين فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي منذ سنوات، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على المساعدات أو الأعمال الهامشية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم. 
وتشير مصادر وظيفية وحقوقية إلى أن سلطات الحوثيين أعادت تصنيف الموظفين إلى ثلاث فئات متفاوتة الامتيازات، حيث تحصل القيادات والعاملون ضمن الأجهزة الأمنية والمؤسسات التابعة للجماعة على رواتب كاملة ومزايا شهرية، بينما تتقاضى فئات أخرى نصف راتب أو ربعه، في حين حُرم عدد كبير من الموظفين من أي مستحقات مالية.
في المقابل، يشتكي السكان من استمرار فرض الضرائب والزكوات والرسوم المختلفة دون مقابل خدمي ملموس، فالكهرباء تُشترى بأسعار مرتفعة من شركات خاصة، فيما يعاني قطاع المياه والخدمات الطبية من تدهور واسع، ما يضاعف الأعباء المالية على الأسر. 
ويؤكد سكان أن الجبايات باتت تشمل معظم الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك الباعة المتجولون وصغار التجار، الأمر الذي أدى إلى إنهاك الفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً، وتعميق الشعور بالظلم الاجتماعي.
وبالتوازي مع تصاعد المطالب المعيشية، أفادت مصادر سياسية في صنعاء بأن الجماعة كثفت تحركاتها الأمنية، ونفذت استعراضات مسلحة في عدد من المدن باستخدام عربات مدرعة، في محاولة لإظهار السيطرة وردع أي تحركات احتجاجية محتملة. 
كما تحدثت المصادر عن توترات مع شخصيات قبلية واجتماعية بارزة، في خطوة عدها مراقبون محاولة لتحويل الأنظار بعيداً عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
وتتزامن هذه الظروف مع تحذيرات دولية متصاعدة بشأن الوضع الإنساني في اليمن، حيث كشفت تقارير حديثة أن البلاد باتت ضمن عشر دول تواجه أسوأ أزمات الجوع في العالم خلال العام الحالي، مع معاناة أكثر من نصف السكان من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. 
وبحسب تقرير "منظمة العمل ضد الجوع" حول بؤر الجوع لعام 2026، يعاني نحو 16.7 مليون يمني من نقص حاد في الغذاء، ما يعكس حجم التدهور الذي وصل إليه الوضع الإنساني، إذ لم تعد المعاناة مقتصرة على الفئات الأشد فقراً، بل امتدت إلى شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة.
ويرى المراقبون أن الأوضاع المعيشية المتدهورة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، خصوصاً مع حلول شهر رمضان، تمثل نتيجة طبيعية لسنوات من السياسات الاقتصادية الخاطئة ونهب الموارد وغياب الشفافية، إلى جانب تقييد العمل الإنساني وتغليب منطق القوة على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين. 
ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج، دون حلول اقتصادية حقيقية وصرف منتظم للرواتب وتحسين الخدمات، قد يدفع نحو انفجار اجتماعي واسع، ويحوّل شهر رمضان من مناسبة روحية جامعة إلى محطة جديدة من المعاناة والجوع، بينما يظل المواطن البسيط الحلقة الأضعف في صراع طويل أنهك اليمن واستنزف مقومات الحياة الكريمة.

شارك