رأس الأفعى: يحيى موسى.. من أروقة وزارة الصحة إلى قوائم الإرهاب الدولية

الأحد 22/فبراير/2026 - 03:02 ص
طباعة رأس الأفعى: يحيى حسام الحداد
 
مع انطلاق الحلقات الأولى من مسلسل "رأس الأفعى" المذاع على قناة ON دراما، عاد اسم "يحيى موسى" ليتردد بقوة، ليس فقط كشخصية درامية تُجسد ذروة الصدام بين الدولة والتنظيم، بل كواقع حي أرخ لمرحلة دموية في تاريخ مصر الحديث. إن استدعاء الدراما لهذا الاسم في هذا التوقيت لم يكن محض صدفة؛ فهو يمثل الرأس المدبر الذي أدار خيوط الفوضى من وراء البحار، والنموذج الأبرز لتحول "النخبة المتعلمة" داخل الجماعة إلى "آلات قتال" عابرة للحدود. وبمناسبة هذا التناول الدرامي الذي يسلط الضوء على كواليس العمليات الإرهابية، نفتح ملف الطبيب الذي خلع معطفه ليرتدي عباءة "المنظر العسكري"، محولاً سماعة الطب إلى أداة لجس نبض الدولة تمهيداً لضربها في مقتل.
بين أروقة الطب وهدوء العيادات، وبين ضجيج العمليات النوعية والتخطيط العسكري العابر للحدود، تبرز شخصية "يحيى السيد إبراهيم موسى"، المعروف اختصاراً بـ يحيى موسى. لم يكن طبيب العظام الأزهري مجرد كادر تنظيمي عابر في جماعة الإخوان المسلمين، بل تحول في غضون عقد من الزمان إلى "الرجل الأخطر" في هيكلية العمل المسلح للجماعة، والمخطط الأول لما يُعرف بـ "اللجان النوعية" التي أرقت الأمن المصري لسنوات. هو "رأس الأفعى" الحقيقي الذي نجح في تحويل شتات التنظيم عقب عام 2013 إلى خلايا عنقودية مسلحة، مدشناً حقبة من العنف الممنهج الذي تجاوز بمراحل ما عُرف عن الجماعة في عقودها السابقة.

من "السماعة" إلى "السياسة"
لم تكن بدايات يحيى موسى توحي بمسار "راديكالي"، فقد سلك الطريق التقليدي لنخبة الجماعة المتعلمة؛ بدأ حياته المهنية كطبيب متخصص في جراحة العظام بمستشفيات جامعة الأزهر، وهي المؤسسة التي تُعد تاريخياً "خزاناً بشرياً" ومركز استقطاب حيوي لكوادر الصف الثاني والثالث في جماعة الإخوان المسلمين. في تلك المرحلة، كان موسى يدمج بين كفاءته المهنية كطبيب وبين نشاطه التنظيمي الهادئ داخل أروقة النقابات المهنية والجامعة، مما صقله ككادر يجمع بين الانضباط العلمي والولاء الإيديولوجي، ليتحول مع صعود الجماعة إلى السلطة في عام 2012 من طبيب يمارس مهنته بين المرضى إلى وجه سياسي يطل على الجمهور بصفته المتحدث الرسمي لوزارة الصحة في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي، مقدماً نفسه كواجهة "تكنوقراطية" شابة قادرة على لجم الأزمات القطاعية بلسان سياسي لبق.
شكل صيف عام 2013 والاضطرابات السياسية التي تلت 30 يونيو نقطة الارتكاز التي قلبت مسيرة موسى رأساً على عقب؛ فبينما كان يُنظر إليه كإداري حكومي بمسحة إخوانية، كشفت الأحداث عن وجه آخر أكثر تشدداً. مع فض اعتصامي رابعة والنهضة، لم يكتفِ موسى بالانزواء أو العمل السياسي السلمي، بل تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن هذه اللحظة كانت "المخاض" الذي ولد فيه "يحيى موسى" العقل الحركي. لقد هجر "سماعة الطبيب" نهائياً، وانتقل من إدارة الملفات الصحية إلى إدارة "اللجان النوعية" والعمليات الميدانية من منفاه في تركيا، محولاً خبرته الإدارية والتنظيمية إلى سلاح لبناء هيكل عسكري موازٍ، ليثبت أن المرونة التي أظهرها كمتحدث رسمي لم تكن سوى غطاء لهوية تنظيمية صلبة كانت تنتظر لحظة الصدام لتكشف عن أنيابها.

الهروب الكبير وتأسيس "حسم"
لم يكن خروج يحيى موسى من مصر في سبتمبر 2013 مجرد هروب كادر إخواني من الملاحقة الأمنية عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، بل كان إيذاناً بتدشين "غرفة عمليات خارجية" في قلب إسطنبول. هناك، خلع الطبيب معطفه الأبيض نهائياً ليرتدي عباءة "المنظر العسكري" والعقل الحركي المدبر. وتحت ظلال الملاذات التركية، وبناءً على تقارير استخباراتية وأمنية مطولة مدعومة باعترافات موثقة لمتهمين في قضايا كبرى، بدأ موسى في صياغة استراتيجية "اللجان النوعية". لقد تحول إلى المهندس الحقيقي والممول والمنسق لما عُرف لاحقاً بحركة "سواعد مصر" (حسم)، وجناحها الموازي (لواء الثورة)، متبنياً نهجاً يتجاوز العمل التنظيمي التقليدي نحو تشكيلات مسلحة مدربة تمتلك هيكلية عسكرية هجينة.
لم تكن حركة "حسم" في رؤية يحيى موسى مجرد رد فعل انتقامي أو حركة تمرد عشوائية، بل كانت تجسيداً عملياً لنظرية "الإنكاك"؛ وهي مصطلح يدمج بين (الإنهاك والإرباك) يهدف إلى استنزاف القوى الأمنية للدولة المصرية وضرب مراكز استقرارها. أشرف موسى بشكل مباشر من منفاه على بناء خلايا عنقودية منفصلة، لا يعرف أعضاؤها بعضهم البعض، وتدار عملياتياً عبر تطبيقات تواصل مشفرة شديدة التعقيد. هذه الرؤية العسكرية سعت إلى تحويل المدن المصرية إلى ساحات "حرب عصابات حضرية"، حيث يتم اختيار الأهداف بدقة متناهية لضمان تحقيق أكبر قدر من الصدى الإعلامي والاهتزاز الأمني، مع الحفاظ على قدرة التنظيم على التخفي والمناورة.
بلغت ذروة نشاط يحيى موسى الدموي مع التخطيط لعملية اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات في صيف 2015، وهي الجريمة التي اعتُبرت المنعطف الأخطر في تاريخ العنف السياسي المصري المعاصر، حيث أثبتت قدرة "خلايا موسى" على الوصول لأرفع الشخصيات القضائية وتفخيخ مواكبهم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت يد التنظيم تحت إشرافه لمحاولة تصفية الدكتور علي جمعة، مفتي الديار السابق، في رسالة ترهيب للمؤسسة الدينية الرسمية. وتوالت العمليات لتشمل استهداف الكمائن الشرطية، وتفجير المنشآت الحيوية، واغتيال ضباط الأمن بدم بارد، مما جعل من يحيى موسى الرقم الأول المطلوب في قوائم الإرهاب، والمسؤول المباشر عن حقبة من أعنف موجات الإرهاب التي شهدتها البلاد في العقد الأخير.

المطارد الدولي وحبل الإعدام
لم تكن الملاحقة الأمنية ليحيى موسى شأناً مصرياً داخلياً فحسب، بل تحولت قضيتُه إلى ملف دولي مفتوح حينما وضعت وزارة الخارجية الأمريكية اسمه، في يناير 2021، على قوائم "الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص" (SDGT). هذا التصنيف لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل جاء كإقرار استخباراتي أمريكي بدور موسى القيادي والمحوري في حركة "حسم" المرتبطة بجماعة الإخوان، وهي الحركة التي صُنفت بدورها كمنظمة إرهابية أجنبية. هذا "الحصار الدبلوماسي" وضع موسى في زاوية ضيقة دولياً، حيث فرض قيوداً مشددة على تحركاته المالية وشبكات دعمه اللوجستي، وجعل من وجوده في الأراضي التركية ورقة ضغط سياسية وقانونية حاضرة دائماً في ملفات التعاون الأمني الدولي، مكرساً صورته كأحد أخطر العقول المدبرة للعنف العابر للحدود.
بالتوازي مع التضييق الدولي، كانت منصات القضاء المصري تحاصر موسى بسلسلة من الأحكام القاسية التي تعكس حجم الجرائم المنسوبة إليه؛ ففي عام 2022، أصدرت محكمة جنايات أمن الدولة العليا حكماً تاريخياً بالإعدام شنقاً بحق يحيى موسى (غيابياً) ضمن القضية المعروفة إعلامياً بـ "كتائب حلوان". لم يكن الحكم مجرد عقوبة، بل كان توثيقاً قضائياً لدوره كـ "مخطط وممول" لمجموعات مسلحة استهدفت تقويض أركان الدولة وتخريب المنشآت العامة والشرطية. هذه الأحكام، التي تضمنت أيضاً تهماً بنشر الفوضى وتعطيل العمل بالدستور، جعلت من يحيى موسى "طريداً أبدياً" أمام القانون المصري، وحولت ملفه من مجرد معارض سياسي في الخارج إلى محكوم عليه بالإعدام في قضايا إرهاب دموي، مما يغلق الباب أمام أي محاولات لدمجه أو تسوية وضعه قانونياً في المستقبل المنظور.

الاستراتيجية الحالية: "الكمون والتحين"
على الرغم من الضربات الأمنية المتلاحقة التي فككت أغلب هيكليات حركة "حسم" في الداخل المصري، تؤكد مصادر وثيقة الصلة بملف الجماعات المتطرفة أن يحيى موسى لم يضع أوزاره بعد؛ بل لا يزال يلعب دور "الدينامو" والمحرك الخفي لعمليات التنسيق المعقدة. يعمل موسى كجسر جوي ومعلوماتي يربط بين "القيادة التاريخية" للجماعة في الخارج، وبين ما تبقى من "الخلايا النائمة" والمجموعات العنقودية في الداخل. وتعتمد استراتيجيته الحالية على مبدأ "الكمون النشط"، حيث يتم توجيه الكوادر لتجنب الصدامات المباشرة غير المحسوبة، مع التركيز على إعادة بناء شبكات الدعم اللوجستي وتطوير أدوات التواصل المشفرة، انتظاراً للحظة التي يراها مواتية لإعادة إشعال فتيل المواجهة.
في حين تتبنى بعض أجنحة الإخوان خطاباً إعلامياً يرتكز على "المظلومية" والعمل السياسي السلمي، يبرز اسم يحيى موسى كأحد المحركين الأساسيين لمؤسسة "ميدان" في تركيا، وهي المنصة التي تُعد "المختبر الفكري" لتيار العنف. من خلال هذه المؤسسة، يروج موسى لمواقف ترفض المهادنة، داعياً صراحة إلى ما يسميه "النشاط الثوري المسلح" كسبيل وحيد للتغيير. لا يكتفي موسى بالتنظير، بل يسعى عبر "ميدان" إلى تأصيل فكرة "العمل النوعي" وشرعنته في وعي القواعد الشبابية، محاولاً فك الارتباط بين الفشل السياسي للجماعة وبين طموحاتها في العودة للسلطة عبر قوة السلاح، مما يجعله القائد الفعلي لـ "جناح الصقور" الذي يرفض أي تسوية سياسية لا تضمن تفكيك بنية الدولة الحالية.
يجيد يحيى موسى توظيف الأزمات الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها أحداث غزة وتداعياتها، كأدوات دعائية لإعادة بعث الروح في "المشروع الإخواني" داخل مصر. فهو يرى في الاضطرابات الإقليمية فرصة ذهبية لإعادة تعبئة الشباب وتجنيد عناصر جديدة تحت شعارات عاطفية ودينية حماسية. وفي مواجهة الانتقادات الموجهة لقيادات الخارج بالفرار وترك القواعد في المواجهة، صاغ موسى مبرراً استراتيجياً يصف فيه هذا الهروب بأنه "تأمين لغرفة العمليات المركزية"؛ معتبراً أن وجوده وفريقه في الخارج هو ضرورة حتمية لإدارة ما يسميها "المعارك اللاحقة". هذا الخطاب يهدف بالأساس إلى خلق جيل جديد من المتطرفين الذين يؤمنون بأن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن "طبيب العظام" لا يزال يمتلك في جعبته الكثير من الخطط لترميم شتات المسلحين.

خلاصة
يحيى موسى ليس مجرد "هارب" يبحث عن لجوء سياسي، بل هو نموذج لجيل الإخوان "القطبي" الجديد الذي كفر بالعمل السياسي التقليدي وانحاز للعملية المسلحة المنظمة. يظل موسى الرقم الصعب في معادلة "الإخوان - العنف"، وبينما تراه القاهرة "إرهابياً ملطخة يداه بالدماء"، يراه أتباعه "قائداً لتيار المقاومة"، وما بين الوصفين، يبقى موسى أحد أبرز المحركين لخيوط التطرف في المنطقة من وراء البحار.

شارك