الإسلام وحرية الرأي والتعبير (5)

الأحد 22/فبراير/2026 - 04:18 م
طباعة الإسلام وحرية الرأي حسام الحداد
 
يقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا المقال قراءة فكرية رصينة وشجاعة، تتجاوز السطحية لتغوص في عمق الفلسفة القرآنية، حيث نجح ببراعة في الربط بين مبدأ "لا إكراه في الدين" وجوهر "الاستخلاف" الإنساني، مؤكداً أن الإيمان الحقيقي لا يستقيم إلا بالحرية التامة. ومن خلال تفكيكه لآليات محاصرة السلطة تاريخياً لهذا النص، استطاع الدكتور أن يعيد الاعتبار لحرية الرأي والتعبير كضرورة إيمانية وحضارية لا مجرد ترف فكري، مبرهناً على أن قوة الدين تكمن في قدرته على مواجهة السؤال لا في قمع المختلف، وهو طرح تنويري يضع النقاط على الحروف في معركة استعادة جوهر الإسلام من براثن التوظيف السياسي والجمود الفكري.

«لا إكراه في الدين»… من سؤال الإنسان إلى مبدأ الحرية..

بعد أن توقّفنا في المقال السابق عند صورة الإنسان في القرآن: هل هو مخلوقٌ حرٌّ مسؤول، أم كائنٌ مُسيَّر بلا إرادة؟ نصل الآن إلى الآية التي تُشكّل الترجمة الأوضح لتلك الصورة، والخلاصة المنطقية لفكرة الاستخلاف، والحدّ الفاصل بين الدين بوصفه دعوة، والسلطة حين تتدثّر به:
﴿لا إكراه في الدين﴾ "البقرة: 256"، آية قصيرة في مبناها، لكنها من أثقل آيات القرآن دلالةً، لأنها تمس جوهر العلاقة بين الإيمان والحرية، وبين العقيدة والضمير، وبين الدين والسلطة.
والسؤال الذي لا مفرّ منه: هل جاءت هذه الآية كاستثناءٍ ظرفي؟ أم كمبدأٍ عامٍّ يحكم فهم الدين ذاته؟

من الإنسان الحر… إلى الإيمان الحر
حين قدّم القرآن الإنسان بوصفه خليفة في الأرض، قادرًا على الاختيار، مسؤولًا عن فعله، كان يضع الأساس المنطقي لحرية الإيمان ذاتها. فلا معنى للاستخلاف بلا حرية، ولا معنى للمساءلة بلا اختيار، ولا معنى للثواب والعقاب إذا كان الإنسان مسيّرًا لا يملك من أمره شيئًا.
ومن هنا، تأتي آية ﴿لا إكراه في الدين﴾ لا بوصفها إضافةً جانبية، بل بوصفها نتيجة طبيعية لرؤية قرآنية متكاملة للإنسان. الإيمان، في التصور القرآني، ليس سلوكًا يُنتَج بالقوة، ولا حالةً تُفرض بالسيف، ولا طقسًا يُستخرج بالخوف. إيمانٌ يُكرَه عليه صاحبه، ليس إيمانًا، بل امتثالٌ ظاهريٌّ بلا قناعة، وشكلٌ بلا مضمون.
ولهذا، لا تقول الآية: لا إكراه في بعض الدين، ولا في مرحلة بعينها، ولا في ظرفٍ استثنائي، بل تنفي الإكراه نفيًا مطلقًا.

لماذا أزعجت هذه الآية السلطة؟
لأنها تسحب أخطر أدوات السيطرة: إجبار الضمير. فالسلطة، أيّ سلطة، تستطيع أن تُكره الجسد، لكنها حين تفقد القدرة على إخضاع الداخل، تفقد السيطرة الكاملة. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تُحاصر هذه الآية عبر التاريخ:
مرة بالقول إنها منسوخة، ومرة بتقييدها بسياق خاص، ومرة بتفريغها من مضمونها العملي.
رغم أن السياق القرآني العام، وسيرة النبي ﷺ، وتجربة الدولة في المدينة، كلها تؤكد أن الإكراه لم يكن يومًا أداة من أدوات الدعوة.

الإكراه… أين يبدأ وأين ينتهي؟
الإكراه في الدين لا يقتصر على إجبار غير المسلم على الدخول في الإسلام. بل يمتد ليشمل أشكالًا أكثر خفاءً، وأكثر شيوعًا:
 • إجبار المسلم على اعتقادٍ واحد بالقوة،
 • فرض تأويلٍ بعينه بوصفه الفهم الوحيد المشروع،
 • معاقبة السؤال بدعوى «حماية الثوابت»،
 • وتجريم الاختلاف بوصفه خروجًا عن الجماعة.
وهنا، تتقاطع حرية الاعتقاد مع حرية الرأي والتعبير، لأن الضمير إذا كان حرًا، فإن التعبير عنه لا يمكن أن يكون جريمة. ومن دون هذه الحلقة – حرية التعبير – تصبح حرية الاعتقاد حقًا نظريًا بلا أثر.

بين النص والممارسة: عودة إلى الإشكال
كما في كل ما يتعلّق بالحرية في الإسلام، لا بد من التمييز الصارم بين المبدأ والتاريخ. نعم، شهد التاريخ الإسلامي لحظات قمع، وصودرت آراء، واستُخدم الدين أحيانًا لتبرير الإكراه. لكن هذه الوقائع – مهما تكررت – لا تُعيد كتابة النص، ولا تُلغي المبدأ.
الفارق هنا جوهري: ما هو ديني ثابت، وما هو سياسي متغيّر.
الخلل لم يكن في آية ﴿لا إكراه في الدين﴾، بل فيمن أرادوا أن يحكموا باسم الدين، لا أن يدعوا إليه.

الدولة والدين… من يفرض ماذا؟
حين تلتبس حدود الدين والدولة، يصبح الإكراه ممكنًا. فالدولة، حين تتحدث باسم الدين،
تُغري نفسها بفرض الامتثال. والدين، حين يُستَخدم كأداة سلطة، يفقد جوهره الأخلاقي، ويتحوّل من رسالة تحرير إلى وسيلة ضبط. أما حين يُفهم الدين بوصفه دعوة لا إكراه فيها، وتُدار الدولة بوصفها عقدًا بشريًا قابلًا للنقد والمساءلة، تتراجع مساحة القمع،
ويتسع مجال الحرية.

«لا إكراه في الدين»… ماذا تعني اليوم؟
تعني أن الإيمان لا يُقاس بالطاعة الصامتة، ولا يُحمى بالقوانين الزجرية، ولا يُصان بإسكات المختلف. وتعني أن حرية الرأي ليست تهديدًا للدين، بل شرطًا لصدقه.
فالدين الذي يخاف من السؤال، ليس دينًا قويًا، بل خطابٌ هشٌّ يستمد وجوده من المنع لا من الإقناع. وبهذا المعنى، فإن آية ﴿لا إكراه في الدين﴾ ليست شعارًا أخلاقيًا فقط،
بل مبدأً حضاريًا، لا يستقيم الحديث عن الإسلام وحرية الرأي والتعبير من دونه.

في الجزء القادم، نذهب خطوة أعمق،
ونسأل السؤال الذي يكشف فلسفة الحرية في القرآن من جذورها: لماذا لم يُجبر الله الناس على الإيمان؟
هناك، تتضح العلاقة بين القدرة الإلهية، وحرية الإنسان، ومعنى الاختيار في الوجود.
يتبع…
باريس : الخامسة مساء بتوقيت باريس.

شارك