روبير الفارس ومنجم التنوير: رحلة الاستقصاء في مجهولات سلامة موسى.

الإثنين 23/فبراير/2026 - 11:11 ص
طباعة روبير الفارس ومنجم حسام الحداد
 
يأتي كتاب "سلامة موسى: الكتابات المجهولة - الدين والدولة" ليمثل حلقة جديدة ونوعية في مشروع استعادة الذاكرة الفكرية المصرية، وهو العمل الذي تصدى له ببراعة واقتدار الكاتب والباحث روبير الفارس. لا تكمن أهمية هذا الكتاب فقط في كونه يستحضر نصوصاً غابت عن المكتبة العربية لعقود، بل في كونه يفتح نافذة ضوئية جديدة على عقل واحد من أجرأ رواد التنوير في القرن العشرين. إن هذا الإصدار ليس مجرد استعادة أرشيفية، بل هو محاولة جادة لإعادة قراءة "سلامة موسى" في سياقات مغايرة، تبرز مرونة فكره وقدرته على الاشتباك مع قضايا العصر بروح تجديدية لم تفقد بريقها رغم مرور السنوات، مما يجعله وثيقة لا غنى عنها لفهم جذور الحداثة المصرية.
في هذا الجزء الثالث، يتجاوز روبير الفارس دور الباحث التقليدي ليلعب دور "المؤرخ الثقافي" الذي يدرك قيمة التفاصيل المنسية في ثنايا المجلات القديمة. فبينما يكتفي الكثيرون بما هو متداول وشائع من تراث الأعلام، اختار الفارس الطريق الأصعب؛ وهو التنقيب في "المساحات المجهولة" وصياغة رؤية نقدية تربط شتات هذه المقالات بخيط فكري ناظم. إن القيمة المضافة التي يقدمها الفارس في هذا العمل تتمثل في قدرته الفائقة على تقديم "سلامة موسى" الإنسان والمفكر والوطني، بعيداً عن القوالب الجامدة أو الأحكام المسبقة، ليبرهن من خلال إعداده المتقين أن التراث التنويري ما زال قادراً على منحنا إجابات وحلولاً لتحدياتنا الراهنة إذا ما وجد الباحث المخلص الذي يجيد فك شفراته.

روبير الفارس: حارس التراث ومنقّب الأرشيف
لا يمكننا استعراض هذا المؤلف دون الوقوف طويلاً بالإشادة والتقدير للجهد المضني والدؤوب الذي بذله الباحث روبير الفارس؛ فقد تحول في هذا العمل من مجرد مُعدٍّ للكتاب إلى "منقبٍ" بارع في أرشيفات الفكر المنسي. لقد خاض الفارس مغامرة بحثية شاقة داخل "كهوف" المجلات المصرية القديمة التي طواها الزمن، مقتفياً أثر الكلمات المبعثرة لسلامة موسى. هذا النفس البحثي الطويل لم يكن مجرد تجميعٍ لأوراق صفراء، بل كان أشبه بعملية استقصائية تهدف إلى إنقاذ ذاكرة وطنية وفكرية من براثن الضياع، مؤكداً أن دور الباحث الحقيقي هو إحياء ما ظنّ الآخرون أنه قد اندثر.
بفضل الرؤية النقدية الحصيفة التي يتمتع بها روبير الفارس، استطاع أن يضع يده على كنزٍ معرفي نادراً ما التفت إليه الباحثون، وهو مقالات سلامة موسى المنشورة في مجلة "مارجرجس" خلال حقبة الخمسينيات (ما بين 1952 و1958). إن استخراج هذه المقالات النادرة في هذا التوقيت تحديداً يعكس قدرة الفارس على الربط بين السياقات التاريخية والدينية والسياسية؛ فلولا نباهته وإدراكه لقيمة تلك الكتابات لظلت حبيسة الأدراج المنسية ولأغلقت عليها أغلفة المجلات القديمة إلى الأبد. لقد أعاد الفارس صياغة المشهد الثقافي من خلال هذا العمل، مبرزاً جوانب خفية في فكر موسى، ومقدماً للمكتبة العربية وثيقة تاريخية لم تكن لترى النور لولا إخلاصه لمهنة البحث والتدقيق.

القيمة التحليلية والنقدية للكتاب
تتجلى أولى ملامح القيمة النقدية في هذا الكتاب في قدرة روبير الفارس الفائقة على "أنسنة" النصوص ووضعها في سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي الصحيح. لم يكن الفارس مجرد ناقل للمقالات، بل كان مفسراً للعلاقة الاستثنائية التي جمعت بين سلامة موسى بفكره العلماني الحداثي الجريء، وبين القمص بولس باسيلي بمكانته الكنسية ومجلته "مارجرجس". لقد نجح الفارس في إبراز هذا "التقاطع الفريد" الذي يثبت أن التنوير في مصر لم يكن صراعاً صفرياً بين الدين والعلم، بل كان مساحة للتلاقي حول القيم الإنسانية المشتركة. هذا التأطير يمنح القارئ المعاصر فهماً أعمق لمناخ الحرية والتعددية الذي ساد في منتصف القرن العشرين، وكيف احتضنت المؤسسات الدينية المتنورة آنذاك أصواتاً فكرية مغايرة من أجل الصالح العام.
انتقل روبير الفارس بالعمل من مرتبة "الأرشفة" إلى مصاف "الدراسات الفكرية المقارنة" من خلال عقد موازنات تحليلية دقيقة بين أقطاب التنوير. ويبرز ذلك بوضوح في تناوله لقضية "فصل الدين عن الدولة"، حيث لم يكتفِ بعرض وجهة نظر سلامة موسى، بل وضعها في مواجهة نقدية مع رؤية عميد الأدب العربي طه حسين. هذا النهج المقارن كشف عن تمايزات دقيقة في بنية العقل التنويري المصري؛ فبينما اتسم طرح موسى بالراديكالية والارتباط بالنماذج الغربية الحديثة، كان لطرح طه حسين أبعاده الخاصة. وبذلك، استطاع الفارس أن يحول مقالات صحفية قديمة إلى مادة دسمة للاشتباك الفكري، مما أثرى المحتوى ومنحه قيمة أكاديمية مضافة تتجاوز مجرد الاستعادة التراثية.
كما يبرز الدور "الدفاعي" الاستناري الذي تبناه روبير الفارس تجاه شخصية سلامة موسى؛ حيث خاض الفارس معركة نقدية لتنقية سيرة موسى من التهم الجاهزة والقراءات السطحية التي حصرته في زاوية "الإلحاد". من خلال تحليل دقيق لمقالات موسى حول "دين الحب والإنسانية" وربطها بمواقفه الوطنية والاجتماعية، استطاع الفارس أن يقدم صورة مغايرة لمفكر يرى في جوهر الأديان محركاً للرقي والتقدم وليس عائقاً أمامهما. هذا الانتصار لقيمة التعددية وكشف الجوانب الإنسانية في شخصية موسى، يؤكد أن غرض الفارس من الكتاب لم يكن مجرد استعادة نصوص مجهولة، بل كان إعادة الاعتبار لواحد من أهم عقول النهضة المصرية، وتفنيد خطابات الإقصاء التي طالت فكره لعقود طويلة.

منهجية الإعداد: الأمانة والوضوح
تتجلى الأمانة العلمية لدى الباحث روبير الفارس في شجاعته المنهجية لتقديم صورة "بانورامية" غير مجتزأة عن سلامة موسى. فلم يسعَ الفارس إلى "تقديس" الشخصية أو حصرها في زاوية واحدة ترضي طرفاً بعينه، بل اعتمد مبدأ التعددية في عرض الرؤى. ويظهر ذلك بوضوح في وضعه لشهادة القمص بولس باسيلي (المؤسسة على التقدير والاحتفاء بموسى) في كفة، مقابل رؤية محمود الشرقاوي المغايرة فيما يخص ديانة موسى وتوجهاته في كفة أخرى. هذا التوازن المنهجي يحترم ذكاء القارئ ويمنحه الفرصة ليشكل رؤيته الخاصة بناءً على معطيات متكاملة، محولاً الكتاب من مجرد "دفاع" إلى "وثيقة تاريخية" تتسم بالموضوعية والشفافية.
لم يكن تجميع المقالات في هذا الجزء الثالث عملاً عشوائياً، بل خضع لـ "هندسة فكرية" وترتيب منطقي يعكس نضج التجربة الصحفية والفكرية لسلامة موسى. لقد نجح روبير الفارس في رسم مسار متصاعد للمحتوى؛ حيث بدأ بالقضايا الوجدانية والاجتماعية التي تلمس حياة الفرد اليومية، ثم تدرج نحو القضايا الوطنية الكبرى. هذا الترتيب يسمح للقارئ بتتبع وحدة الفكر عند سلامة موسى، وكيف كان يربط بين تربية الطفل وحقوقه وبين استقلال الوطن ونهضته، مما جعل الكتاب وحدة واحدة متماسكة رغم تنوع موضوعات مقالاته.
أظهرت منهجية الفارس في اختيار وتبويب المقالات شمولية مدهشة أحاطت بكل جوانب "المشروع التنويري" لموسى. فمن خلال تنقيبه في أرشيف مجلة "مارجرجس"، قدم لنا الفارس باقة موضوعية تلامس احتياجات الإنسان في كل مراحل عمره؛ بدءاً من الطفولة والتعليم ورعاية النشء، مراراً بقضايا السعادة النفسية والعيش الرشيد في سن الشيخوخة ("ابدأ حياتك في الستين")، وصولاً إلى أسمى آيات القضايا الوطنية المتمثلة في الاستقلال والسيادة. هذا التنوع الموضوعي الذي أبرزه الفارس يؤكد أن سلامة موسى لم يكن مفكراً "نخبوياً" معزولاً، بل كان فيلسوفاً للحياة اليومية، وهو ما نجح روبير الفارس في تجسيده ببراعة من خلال اختياراته الدقيقة.

خاتمة
إن كتاب "الكتابات المجهولة الثالث" هو تتويج لمشروع طموح يقوده روبير الفارس لإعادة إحياء التراث التنويري. وبقدر ما يضيء الكتاب على عبقرية سلامة موسى وأسلوبه "التلغرافي" الرشيق، فإنه يضيء أيضاً على براعة روبير الفارس كباحث يجيد قراءة الماضي بعيون الحاضر، ويستحق كل تقدير على إنقاذه لهذه الكنوز الفكرية من النسيان.

شارك