رأس الأفعى: اللجنة الإدارية العليا.. إستراتيجية الاستنزاف وسقوط قناع السلمية

الأربعاء 25/فبراير/2026 - 09:46 ص
طباعة رأس الأفعى: اللجنة حسام الحداد
 
تجاوزت "اللجنة الإدارية العليا" دورها التقليدي كمجرد مسيّر للأعمال الإدارية في ظل غياب "الرعيل الأول" خلف القضبان، لتتحول إلى "مختبر أيديولوجي راديكالي" أعاد صياغة أدبيات الجماعة بما يتوافق مع لغة الصدام المسلح. لقد كانت هذه اللجنة هي الحاضنة التي أفرزت النسخة الأكثر دموية في تاريخ الإخوان الحديث، مستلهمةً أفكار "سيد قطب" حول الجاهلية والتمكين، ولكن بقوالب حركية عنيفة تتجاوز صدام الخمسينيات في حدته وتطوره التكنولوجي. فبقيادة محمد كمال، انتقلت الجماعة من خانة "الدفاع عن الشرعية" المزعومة إلى خانة "العداء الوجودي للدولة"، حيث لم تكن اللجنة تهدف لتنظيم الصفوف فحسب، بل لتخليق كادر "إخواني ثوري" لا يؤمن إلا بلغة القوة كمسار وحيد للتغيير، وهو ما جعلها بؤرة لإنتاج الفكر التكفيري المبطن بشعارات سياسية.
لم يكن ظهور اللجنة الإدارية العليا مجرد مواجهة مع الدولة المصرية، بل كان "انقلاباً تنظيمياً" متكاملاً أطاح بقدسية "السمع والطاعة" داخل البيت الإخواني. وهو ما جسده ببراعة المسلسل الدرامي "رأس الأفعى"، الذي غاص في كواليس هذا الصراع المكتوم؛ فمحمد كمال وجيله من الشباب الميداني أعلنوا تمرداً صريحاً على منهج "الحرس القديم" بقيادة محمود عزت، الذي كان يميل للكمون والمناورة التاريخية. هذا الانقسام كشف عن هوة سحيقة بين عقلية "الكهنوت التنظيمي" التي يمثلها عزت وتخشى زوال الهيكل، وبين عقلية "اللجان النوعية" التي يقودها كمال وترى في الحذر خيانة وفي العنف خلاصاً. لقد كان هذا التمرد هو الشرارة التي فككت الوحدة المركزية للجماعة لأول مرة منذ نشأتها، محولاً الصراع من صراع سياسي مع السلطة إلى معركة كسر عظم داخلية على زعامة التنظيم وتحديد هويته القتالية.

إشكالية "السلمية الملوثة": التلاعب باللغة
اعتمدت اللجنة الإدارية العليا إستراتيجية "اللغة المزدوجة" لتجاوز مأزق السقوط السياسي، حيث صاغت مصطلح "المقاومة الشعبية" ليكون وعاءً مطاطياً يستوعب التناقض بين الخطاب السلمي المعلن والممارسة العنيفة على الأرض. هذا المصطلح لم يكن تعبيراً عن احتجاج مدني، بل صُمم بدقة ليكون "منطقة رمادية" تسمح بمرور الكوادر الشبابية من مرحلة التظاهر إلى مرحلة "العمليات النوعية". من خلال هذا التلاعب اللفظي، تم تقديم العنف للرأي العام الداخلي للجماعة باعتباره "تطويراً للسلمية" وليس نقضاً لها، مما سمح للتنظيم بالحفاظ على صورته كضحية أمام المجتمع الدولي، بينما يمارس في الخفاء عمليات استهداف ممنهجة للبنى التحتية وأجهزة الدولة.
على الصعيد الأيديولوجي، وظفت اللجنة مشاعر "المظلومية" الناتجة عن فض اعتصامي رابعة والنهضة لتحويل الغضب العاطفي إلى عقيدة قتالية. ولتجاوز العقبات الشرعية التي تمنع قتل أبناء الوطن، قامت اللجنة بعملية "تأصيل فقهي منحرف" عبر استدعاء مبدأ "دفع الصائل" (وهو حق الدفاع عن النفس ضد المعتدي في الفقه الإسلامي) وإسقاطه تعسفياً على مؤسسات الدولة ورجال الأمن والقضاء. هذا الانحراف الفكري نزع صفة "المواطن" عن المخالفين وحولهم إلى "صائلين" يجب قتالهم، مما منح الشباب غطاءً روحياً وقداسة دينية لممارسة الاغتيالات، معتبرين إياها "قصاصاً عادلاً" وواجباً شرعياً لا يقبل التأجيل، وهو ما أدى إلى غسل أدمغة القواعد وتحويلها إلى أدوات تنفيذية فاقدة للبوصلة الوطنية.
كانت النتيجة النهائية لهذا التلاعب اللغوي والفقهي هي حدوث قطيعة كاملة مع العمل السياسي المدني؛ حيث كفرت اللجنة الإدارية العليا بجدوى "الصندوق" وتبنت بدلاً منه "إستراتيجية الاستنزاف الشامل". هذا التحول نقل الجماعة من خانة "المنافس السياسي" إلى خانة "التنظيم الصدامي" الذي يرى في مؤسسات الدولة (من محطات كهرباء، وقضاة، وأفراد شرطة) أهدافاً مشروعة لإضعاف كيان الدولة وهدم أركانها. لم يعد الهدف هو العودة للسلطة عبر الوسائل الديمقراطية، بل إنهاك الدولة حتى الانهيار، وهو ما يفسر تحول الهيكل التنظيمي في تلك الفترة إلى "غرف عمليات" عسكرية الطابع، مهدت الطريق لظهور حركات إرهابية صريحة مثل "حسم" و"لواء الثورة" كابنة شرعية لهذا الفكر المشوه.

محمد كمال وإعادة إحياء "النظام الخاص"
يُمثل محمد كمال في أدبيات الإخوان الحديثة "المهندس" الذي أعاد ترميم البنية الصلبة للجماعة بعد انهيارها السياسي في 2013؛ فإذا كان حسن البنا قد وضع اللبنة الأولى لـ"النظام الخاص" في الأربعينيات لمواجهة المحتل والخصوم السياسيين، فإن كمال أعاد بعث هذا الهيكل من مرقده تحت مسمى "اللجان النوعية". لم يكن هذا البعث مجرد تقليد تاريخي، بل كان استجابة أيديولوجية لتيار "القطبية" الجديد الذي رأى في الدولة خصماً يجب كسر إرادته بالقوة. لقد نجح كمال في استغلال حالة التيه التنظيمي ليفرض رؤيته الصدامية، محولاً الجماعة من كيان دعوي مثقل بالبيروقراطية إلى "تنظيم قتالي" يستمد شرعيته من فكرة الانتقام والتمكين المسلح.
على صعيد البنية التنظيمية، أحدثت اللجنة الإدارية العليا برئاسة كمال انقلاباً جذرياً في التكتيك الميداني؛ حيث قررت التخلي عن "العمل الأفقي" المتمثل في المظاهرات الحاشدة والاعتصامات التي سهُل على الأمن تفكيكها، واستبدلتها بـ "العمل العنقودي السري". اعتمد هذا النموذج على خلايا صغيرة منفصلة، لا يعرف أعضاؤها بعضهم البعض، وتدار عبر دوائر وسيطة لضمان عدم انهيار التنظيم في حال سقوط إحدى الخلايا. هذا التحول النوعي جعل من الجماعة جسماً هلامياً يصعب تتبعه، حيث تحولت البيوت والمقرات السرية إلى "غرف عمليات" فنية متخصصة في الرصد، والتلغيم، والعمليات الإلكترونية، مما يمثل ذروة التطور في العقل التنظيمي للإخوان نحو العمل المسلح السري.
تُثبت الوثائق الداخلية، لاسيما ما ورد في دراسات "الأواصر الممزقة"، أن حركات مثل "حسم" و"لواء الثورة" لم تكن مجرد انشقاقات شبابية عفوية، بل كانت "أدوات تنفيذية" مخلقة داخل مختبرات اللجنة الإدارية العليا. لقد وُضع مخطط دقيق لتقسيم الأدوار؛ بحيث تظل "اللجنة الإدارية" في الظل لتمارس دور "العقل المدبر" الذي يوفر الغطاء الشرعي والتمويل واللوجستيات، بينما تظهر هذه الحركات بأسماء جديدة ومستقلة إعلامياً لتجنيب الجماعة الأم تبعات الوصم بالإرهاب دولياً. هذا "التمويه التنظيمي" كان يهدف إلى ممارسة أقصى درجات العنف ضد القضاة ورجال الأمن مع الحفاظ على شعرة معاوية مع الخطاب السياسي العالمي، وهو ما أكدته اعترافات الكوادر المقبوض عليهم الذين أقروا بالتبعية المباشرة للجنة محمد كمال.

الصدام بين "عزت" و"كمال": صراع على الوسيلة لا الغاية
جسّد الصراع بين محمود عزت (ثعلب التنظيم والقائم بالأعمال) ومحمد كمال (مهندس اللجان النوعية) انقساماً حاداً حول "إستراتيجية البقاء" لا "قدسية المبدأ". فبينما كان عزت يتبنى فكر "الكمون الإستراتيجي" الذي يعتمد على امتصاص الضربات الأمنية، والاختباء في سراديب التنظيم بانتظار لحظة مواتية للعودة (وفق القاعدة الإخوانية: الانحناء للعاصفة حتى تمر)، كان كمال يرى أن هذا النهج "الكهنوتي" سيفقد الجماعة سيطرتها على الشباب الغاضب. لم يكن الخلاف أخلاقياً حول حرمة الدماء، بل كان خلافاً وظيفياً؛ فعزت خشي أن يؤدي العنف المنفلت إلى "استئصال شامل" لكيان الجماعة ومقدراتها المالية، بينما رأى كمال أن "الثورية المسلحة" هي الوقود الوحيد القادر على منع القواعد من الانصهار في تنظيمات أكثر راديكالية مثل "داعش" أو "القاعدة".
لم يقتصر الخلاف على الوسائل الميدانية، بل تحول إلى معركة "شرعية تنظيمية" طاحنة حول أحقية القيادة. استخدم محمود عزت "لائحة الجماعة" التاريخية وسلطة "التمويل" القادمة من الخارج لفرض وصايته، معتبراً أن اللجنة الإدارية العليا برئاسة كمال هي مجرد "لجنة تسيير أعمال" وليست سلطة بديلة عن مكتب الإرشاد. في المقابل، استند محمد كمال إلى "شرعية الميدان" والتفويض الذي منحه إياه الشباب المحتقن، معتبراً أن قيادة المنفى (إبراهيم منير) وقيادة السجون (محمود عزت) قد انفصلت عن الواقع. هذا الصدام أدى إلى نشوء هيكلين متوازيين، حيث أصبح لكل جبهة متحدث رسمي، وميزانية مستقلة، ومنصات إعلامية تتبادل الاتهامات بالخروج عن "الثوابت"، وهو ما كشف هشاشة "السمع والطاعة" حين تتعارض المصالح الشخصية مع الأوامر التنظيمية.
أفرز هذا الصراع شرخاً تاريخياً لم يلتئم، حيث انقسمت الجماعة إلى جناحين متصارعين: "جبهة لندن/إسطنبول" التي تمثل الحرس القديم والبيروقراطية التنظيمية، و"جبهة المكتب العام" (الكماليون) التي تتبنى خطاب "القصاص" والعمل المسلح المباشر. هذا الانقسام لم يضعف القوة التصويتية أو السياسية للجماعة فحسب، بل ضرب "العقيدة التنظيمية" في مقتل، حيث فقدت "البيعة" معناها الشمولي وأصبح الفرد الإخواني مشتتاً بين ولائين. ومع مقتل محمد كمال في 2016، لم ينتهِ نهجه، بل ظل "الجرح المفتوح" الذي استنزف موارد الجماعة وأفقدها جاذبيتها التاريخية، محولاً إياها إلى شظايا متناثرة تتصارع على ما تبقى من إرث مادي وأيديولوجي، وهو ما وضع حداً نهائياً لأسطورة "الجماعة الموحدة" التي لا تقهر.

الدولة المصرية: من المواجهة الأمنية إلى "تفكيك السردية"
تجلت احترافية الدولة المصرية في تعاملها مع "اللجنة الإدارية العليا" من خلال إدراكها المبكر بأن هذه اللجنة ليست مجرد تنظيم عصابي، بل هي "عقل مدبر" يسعى لاحتلال الفراغ الناتج عن سقوط مكتب الإرشاد. لذا، لم تكتفِ الدولة بالضربات الأمنية الموضعية، بل تبنت إستراتيجية "تفكيك البنية الشاملة" التي استهدفت ضرب "الشرعية المتوهمة" للتنظيم. هذه الرؤية ارتكزت على حقيقة أن قتل الأشخاص لا ينهي الفكرة، بل إن تعرية الزيف الأيديولوجي وكشف التناقض الصارخ بين شعارات "المظلومية" وممارسات "الدم" هو السبيل الوحيد لتحصين المجتمع ومنع إعادة إنتاج خلايا جديدة تحت مسميات مغايرة.
على الصعيد الميداني، نجحت الأجهزة الأمنية في تنفيذ عمليات جراحية دقيقة لقطع "شرايين الحياة" عن اللجنة؛ حيث تم استهداف شبكات التمويل المعقدة التي كانت تغذي اللجان النوعية، وتفكيك منظومات الاتصال المشفرة التي كانت تربط القيادات الهاربة في الخارج (أمثال يحيى موسى وعلاء السماحي) بالخلايا التنفيذية في الداخل. هذا الحصار اللوجستي أدى إلى حالة من "الشلل التنظيمي"، حيث وجدت القواعد الشبابية نفسها معزولة بلا تمويل أو توجيه مركزي، مما عجل بسقوط الرؤوس المدبرة، وعلى رأسهم محمد كمال، وتفكيك الكيانات المنبثقة عنها مثل "حسم" قبل أن تتحول إلى جيوب متمردة دائمة.
بالتوازي مع الحسم الأمني، خاضت الدولة معركة "وعي" نجحت خلالها في تفكيك السردية الإخوانية المضللة. من خلال الكشف عن الوثائق والمخططات المسجلة، وضعت الدولة الرأي العام أمام الحقيقة العارية: "الثورة السلمية" لم تكن إلا غطاءً لزراعة العبوات الناسفة واغتيال القضاة. هذا المسار الفكري، الذي شاركت فيه المؤسسات الدينية والإعلامية، أدى إلى "عزل أيديولوجي" للجماعة؛ ففقدت تعاطف الشارع الذي كان يراها يوماً ما "فصيلاً مظلوماً"، وتحولت في الوعي الجمعي إلى "عدو للوطن". هذا الانكسار في الحاضنة الشعبية كان الضربة القاضية التي جعلت من اللجنة الإدارية العليا مجرد ذكرى لتجربة دموية فاشلة، وحصنت الدولة ضد أوهام "الشرعية الثورية" الزائفة.

الدرس المستفاد
إن تجربة "اللجنة الإدارية العليا" أثبتت حقيقة أكاديمية راسخة: الإخوان المسلمون لا يمتلكون "مشروعاً للدولة"، بل يمتلكون "إستراتيجية للبقاء". وحينما فشلت السياسة، عادوا فوراً إلى "الرصاص" كأداة وحيدة للتعبير عن الوجود. إن سقوط هذه اللجنة لم يكن مجرد سقوط لمجموعة من الأشخاص، بل كان سقوطاً لأيديولوجيا "التقية" التي حاولت الجماعة تسويقها لعقود.

شارك