رأس الافعى: "الأواصر الممزقة".. تشريح لسقوط "الحصن" الإخواني وبداية النهاية الوجودية
الأربعاء 25/فبراير/2026 - 09:49 ص
طباعة
حسام الحداد
في ظل تصاعد التضييق الدولي والضربات الأمنية والقانونية المتلاحقة التي صنفت جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية في عدة دول، يأتي كتاب "الأواصر الممزقة: الأزمة الوجودية للإخوان المسلمين في مصر" (2023) ليقدم شهادة استثنائية من الداخل حول كواليس التفسخ الهيكلي. وقد خصص الكتاب جزء كبير للحديث عن اللجنة الإدارية العليا التي تحدثت عنها شخصية محمود عزت في مسلسل راس الافعى .. ويضيف الكتاب شروحات وتوضيحات مهمة عن العنف الذي قامت به اللجنة
الكتاب الذي صدر عن مؤسسة "القرن الدولية" بنيويورك، لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يغوص في "المختبر الداخلي" للجماعة خلال العقد الدامي الممتد من 2013 إلى 2022، موثقاً كيف تحولت هذه المنظمة من محاولة السيطرة على مفاصل الدولة إلى كيان ينهشه "التآكل الذاتي" والتمزق البنيوي الذي جعل من بقائها بصورتها التقليدية أمراً مستحيلاً.
وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة من طبيعة مؤلفيها، وعلى رأسهم عبد الرحمن عياش وعمرو عفيفي، وهم باحثون امتلكوا يوماً ما روابط عضوية أو بحثية وثيقة بالجماعة، مما جعل الكتاب "اعترافاً ضمنياً" بفشل المشروع الإخواني من أفواه المنتمين إليه. عبد الرحمن عياش (باحث في مؤسسة القرن ومدير مجموعة عمل خاصة بالإخوان، وصحفي سابق في الجماعة، يدرس حالياً في جامعة ييل)، عمرو عفيفي (طالب دكتوراه في جامعة سيراكيوز يركز على الصدمات النفسية والمشاركة السياسية، ومدير بحوث في مبادرة الحرية)، ونهى عزت (باحثة في الجغرافيا السياسية والتاريخ، حاصلة على ماجستير من جامعة دورهام). ترجم الكتاب إلى العربية حسان حساني. يعتمد الكتاب على مقابلات مع أعضاء حاليين وسابقين، وثائق داخلية، مذكرات، ودراسات سابقة، مع مزيج من المنظور الداخلي (خاصة تجربة عياش الشخصية) والتحليل العلمي النقدي
لم يعد الحديث هنا عن ضغوط خارجية فحسب، بل عن عجز بنيوي في الصمود أمام الحقائق السياسية التي فرضها واقع ما بعد عام 2013؛ حيث يكشف الكتاب كيف أخفق التنظيم في التحول من "منطق الجماعة الوظيفية" إلى "رجل الدولة"، مما أدى في النهاية إلى ارتداد السحر على الساحر وانفجار الأزمات المكبوتة داخل أروقة المكاتب الإدارية المغلقة في القاهرة والمنفى.
وعوضاً عن تقديم قراءة تبريرية، يضع الكتاب يد الباحث على مواطن الخلل التي جعلت من "الإخوان" منظمة عاجزة عن التكيف، حيث يوثق حالة التيه الاستراتيجي التي أعقبت سقوط حكمهم. إن "الأواصر الممزقة" هو في جوهره رصد لعملية "تفكيك الأسطورة" التي عاشت عليها الجماعة لعقود؛ فالتنظيم الذي كان يدعي التماسك الحديدي والارتباط الروحي، ظهر في صفحات الكتاب كأشلاء ممزقة تتجاذبها الأطماع المالية والصراعات على الشرعية المفقودة. هذا التوثيق يثبت أن الجماعة لم تسقط فقط بقرار سياسي أو أمني، بل سقطت لأنها لم تعد تملك مقومات البقاء ككيان موحد في مواجهة حقائق القرن الحادي والعشرين.
عقلية "الحصن": هل كانت ستاراً للعمل السري؟
حلل الكتاب بعمق ما يُعرف بـ "عقلية الحصن"، وهي استراتيجية تكتيكية مكنت الجماعة من البقاء لعقود عبر الانكفاء على الذات وبناء أسوار تنظيمية عازلة. من منظور أمني، لم تكن هذه العقلية مجرد وسيلة للدفاع، بل كانت ستاراً مثالياً لنمو "التنظيمات السرية" بعيداً عن أعين الرقابة. هذه العزلة الاختيارية خلقت بيئة مغلقة يتم فيها التلقين الأيديولوجي الصارم، مما جعل الولاء للتنظيم وقادته يسبق الولاء للدولة الوطنية، وهو ما يفسر سهولة انزلاق القواعد نحو العمل السري المسلح بمجرد حدوث صدام مع السلطة.
وعلى الصعيد المؤسسي، يوثق الكتاب كيف استغلت الجماعة هذه الاستراتيجية للتحول إلى إمبراطورية اقتصادية واجتماعية ضخمة، حيث سيطرت على شبكة واسعة من المدارس والمستشفيات والجمعيات الخيرية. هذا التمدد لم يكن خدمياً فحسب، بل كان محاولة ممنهجة لـ "احتکار الخدمات" وبناء "مجتمع موازٍ" يدين بالفضل والولاء للجماعة لا للدولة. وبحسب التحليل، فإن هذا التغلغل الاقتصادي (الذي شكل نسبة كبيرة من الاقتصاد غير الرسمي) منح الجماعة قدرة فائقة على التمويل الذاتي وتجنيد العناصر، مما جعلها "دولة داخل الدولة" تترقب اللحظة المناسبة للتمكين.
في نهاية المطاف، أثبتت أحداث ما بعد 2013 أن "عقلية الحصن" كانت بمثابة قنبلة موقوتة؛ فحين فقدت الجماعة سلطتها السياسية الرسمية، لم تجد أمامها سوى استدعاء إرثها في العمل السري والصدام المسلح. يوضح الكتاب أن غياب الرؤية السياسية والاعتماد على هذه البنية التحتية السرية مهد الطريق لما عُرف بـ "العمليات النوعية". وبذلك، لم يعد "الحصن" مجرد وسيلة للبقاء، بل صار معقلاً لتفريخ العنف حين عجزت الجماعة عن التكيف مع الدولة المدنية، مما يعزز مبررات تصنيفها ككيان يشكل خطراً بنيوياً على الأمن القومي.
الأزمات الثلاث: الهوية، الشرعية، والعضوية
يرصد كتاب "الأواصر الممزقة" ثلاث أزمات وجودية متداخلة ضربت العمق التنظيمي للجماعة، محولةً إياها من كيان ادعى التماسك العقدي إلى منظمة متصارعة تعيش حالة من التيه السياسي. هذه الأزمات ليست مجرد عثرات إدارية، بل هي دليل قطعي على عجز التنظيم الجوهري عن التحول إلى كيان مدني يقبل بقواعد الدولة الوطنية، مما جعل الانفجار الداخلي والارتماء في أحضان العنف نتيجة حتمية لفشل المشروع الإخواني برمته.
أزمة الهوية
تجلت أزمة الهوية في فقدان الجماعة لبوصلتها السياسية وتحولها من "طليعة إسلامية" مزعومة إلى مجرد "منظمة خدماتية" نفعية. هذا التحول جعل التنظيم فارغاً من أي مشروع سياسي حقيقي قابل للتطبيق، مما خلق حالة من الاغتراب لدى القواعد التي كانت تمني النفس بـ "التمكين". وعندما سقط الغطاء السياسي بعد عام 2013، انكشفت حقيقة الهوية الإخوانية التي تفتقر للثوابت الوطنية، مما أدى إلى حالة من التخبط الفكري والسياسي غير المسبوق.
هذا الفراغ الأيديولوجي القاتل دفع بقطاعات واسعة من القواعد الشبابية نحو تبني "العمليات النوعية" والعنف المسلح كوسيلة وحيدة لإثبات الوجود. ويؤكد الكتاب أن غياب القيادة السياسية الواعية جعل من العنف خياراً تنظيمياً واقعياً، وهو ما يعزز الرؤية التي تصنف الجماعة كمنظمة إرهابية كامنة؛ حيث يظهر معدنها الحقيقي القائم على الصدام والترويع بمجرد خروجها من دائرة المناورة السياسية أو العمل الخدمي المستتر.
أزمة الشرعية
يوثق الكتاب حالة من التشظي المخزي فيما يُعرف بـ "أزمة الشرعية"، حيث انقسمت الجماعة إلى جبهات متناحرة (جبهة لندن بقيادة منير وجبهة إسطنبول بقيادة حسين). هذا الصراع "البطريركي" لم يكن حول مبادئ دعوية، بل كان تنافساً محموماً على شرعية التمثيل والاعتراف الخارجي. وقد كشفت هذه الانقسامات أن الرابط الحقيقي الذي يجمع قيادات التنظيم هو المصالح الضيقة والسيطرة على الأصول المالية المتبقية، وليس "رابطة الأخوة" كما يروجون.
علاوة على ذلك، أدى فقدان الاعتراف الإقليمي والضغوط الدولية إلى تجريد هذه القيادات من أي غطاء شرعي، مما جعل الصراع الداخلي يتحول إلى حرب بيانات واتهامات متبادلة بالخيانة والفساد المالي. إن انهيار منظومة "السمع والطاعة" وسقوط هيبة القيادات التاريخية أمام القواعد، أثبت أن الجماعة فقدت مبرر وجودها كتنظيم موحد، وتحولت إلى شتات يبحث عن النفوذ الشخصي على أنقاض مشروع فاشل.
أزمة العضوية..
تعد أزمة العضوية المسمار الأخير في نعش التنظيم، حيث يصف المؤلفون انهياراً حاداً في الالتزام التنظيمي داخل المنافي (تركيا، قطر، والسودان). التقرير يكشف عن "تفاوتات طبقية" حادة ومستفزة؛ فبينما تقيم القيادات في فنادق وشقق فاخرة وتدير استثمارات ضخمة، تعاني القواعد الشبابية والمهجرين من الفقر والتهميش وفقدان الدعم المالي الأساسي. هذه الفجوة الأخلاقية والمالية حطمت "هالة القداسة" التي كان يتمتع بها "المرشد" ورجاله.
أدى هذا الشعور بالظلم والخذلان إلى موجة واسعة من الانشقاقات والمراجعات القاسية، حيث اكتشف العديد من الأعضاء أنهم كانوا مجرد "وقود" لمعارك القيادات. الصدمات النفسية المتراكمة والشعور بعبثية التضحية دفع الكثيرين إلى هجر التنظيم نهائياً، بل والتحول في بعض الأحيان إلى أشد الناقدين له. إن تفكك العقد التنظيمي بهذه الطريقة الدرامية يؤكد أن الجماعة فقدت قدرتها على الحشد أو البقاء ككتلة صلبة، مما يجعلها اليوم في أضعف حالاتها التاريخية.
من "السياسة" إلى "العمليات النوعية"
يسلط الكتاب الضوء على واحدة من أخطر مراحل التحول في تاريخ الجماعة، وهي ولادة ما عُرف بـ "العمليات النوعية" عقب عام 2013. ورغم محاولات المؤلفين تقديم مبررات سياقية لهذا العنف وتصويره كفعل "دفاعي" أو "تلقائي" ناتج عن غياب القيادة، إلا أن القراءة الموضوعية تؤكد أن هذا المسار لم يكن وليد الصدفة، بل كان استدعاءً لـ "الجينات الإرهابية" الكامنة في البنية التنظيمية التي لا تؤمن أصلاً بمدنية الدولة، وتعتبر العنف أداة مشروعة حين تتعارض مصالح التنظيم مع القانون.
ويكشف التحليل أن نشوء خلايا الاغتيالات والتفجيرات كان اعترافاً ضمنياً بـ "الفشل الهيكلي الذريع" للجماعة في السيطرة على قواعدها. فبمجرد سقوط واجهة العمل السياسي والقانوني، برزت هشاشة المنظومة القيمية التي تدعيها الجماعة، حيث اندفعت مجموعات شبابية تحت مسميات مختلفة لتنفيذ عمليات إرهابية استهدفت رجال القضاء والجيش والشرطة. هذا الانفلات التنظيمي يثبت أن "السمع والطاعة" ليس إلا أداة للسيطرة الإدارية، بينما تظل العقيدة القتالية هي المحرك الحقيقي للأعضاء عند الأزمات.
علاوة على ذلك، فإن "العمليات النوعية" لم تكن مجرد رد فعل عشوائي، بل عكست فكراً تأصيلياً داخل التنظيم يشرعن استخدام القوة لزعزعة استقرار الدولة. إن لجوء العناصر الإخوانية إلى التفخيخ والاغتيال الممنهج يقطع الطريق أمام أي محاولة لتصنيف الجماعة كحركة "سياسية سلمية"، ويؤكد أن البنية التحتية للجماعة (من تمويل سري، وبيوت آمنة، وشبكات تواصل مشفرة) كانت مهيأة تماماً للتحول إلى نمط "العصابات المسلحة" بمجرد صدور الإشارات التنظيمية أو حتى في حال غيابها التام.
يبرهن هذا التحول على أن الجماعة تحمل في طياتها "بذور الإرهاب" كجزء أصيل من تكوينها البنيوي. فخروج الإخوان من إطار العمل القانوني لم يخلق العنف من العدم، بل كشف القناع عن طبيعة التنظيم الحقيقية التي تزدري المؤسسات الوطنية. إن الارتباط الوثيق بين الفشل السياسي واللجوء إلى الترويع يضع الجماعة في سياق المنظمات الإهاربية الدولية التي تستخدم الدين ستاراً لمطامع سلطوية، وتجعل من العنف وسيلة وحيدة للابتزاز السياسي حين تفشل صناديق الاقتراع أو تسقط أدوات التمكين.
الفساد المالي وسقوط "القداسة"
كشف الكتاب عن تفاصيل مالية صادمة تُعد بمثابة "زلزال" ضرب السمعة الأخلاقية للجماعة، حيث وثق خسارة التنظيم لمبلغ ضخم يصل إلى 37 مليون دولار في استثمارات فاشلة ومشبوهة بدولة السودان وحدها. هذه الأرقام المليارية المسكوت عنها لا تعكس فقط سوء الإدارة المالية، بل تكشف عن عمق الفساد البنيوي داخل القيادات التي أدارت أموال "التبرعات" والاشتراكات بعقلية المغامرة المالية غير المحسوبة، بعيداً عن الرقابة المؤسسية أو الشفافية التي تفرضها القوانين المالية للدول.
هذه الفضائح المالية أسقطت تماماً "هالة القداسة" والنزاهة التي حاولت الجماعة إحاطة قياداتها بها لعقود طويلة. فبينما كانت القواعد تُغذى بشعارات "الزهد" و"التضحية"، كانت الدوائر الضيقة في "مكتب الإرشاد" وجبهات الصراع في الخارج تتعامل مع مقدرات الجماعة كأنها "غنائم خاصة". إن تبديد هذه الثروات في صراعات نفوذ واستثمارات فاشلة يثبت أن المحرك الأساسي لهذه القيادات هو المصلحة المادية الضيقة، مما جرّد الجماعة من صبغتها "الدعوية" المزعومة أمام أعضائها وأمام الرأي العام.
وعلاوة على الهدر المالي، يبرز الكتاب كيف تحولت الأموال إلى سلاح في "حرب التكسير" بين جبهتي لندن وإسطنبول؛ حيث تم استخدام التمويل كوسيلة لابتزاز الولاءات وشراء الذمم داخل التنظيم. هذا "التوظيف السياسي للمال" كشف عن الوجه القبيح للجماعة كمنظمة تدار بعقلية "عصابات المصالح"، حيث يتم حرمان المعارضين من الدعم المالي الأساسي في المنافي، بينما تنعم القيادات الموالية بالرفاهية. هذا الفرز المادي الحاد أدى إلى حالة من الكفر الجماعي بفكرة "الأخوة" التي كانت يوماً ما الرابط المقدس للتنظيم.
في نهاية المطاف، يبرهن هذا التحلل المالي على أن الإخوان لم تكن يوماً مشروعاً للإصلاح، بل كانت منظمة استثمارية تتخذ من الدين ستاراً لبناء إمبراطورية مالية عابرة للحدود. إن كشف هذه الوثائق والشهادات حول "تبديد الملايين" يضع الجماعة في مأزق وجودي؛ فقد فقدت "المصداقية الأخلاقية" التي هي أساس أي حراك شعبي، وظهرت حقيقتها ككيان نفعي يقدس "الغنيمة" ويضحي بمصالح أتباعه في سبيل بقاء نفوذ حفنة من القيادات المأزومة ماليًا وسياسيًا.
جماعة بلا مستقبل
ينتهي الكتاب بخلاصة مفادها أن الجماعة "لم تُقهر تماماً، لكن لا سبيل لها للنصر". ومع ذلك، فإن القراءة المتفحصة للأزمات المذكورة تشير إلى أن "الإخوان" بصيغتها القديمة قد انتهت فعلياً. إن تحولها إلى شتات ممزق بين العواصم، وتورط عناصرها في أعمال عنف، وسقوط هيبتها التنظيمية، يضعها اليوم في خانة المنظمات التي تجاوزها الزمن، والتي أثبتت التجربة التاريخية خطورة مشروعها على أمن واستقرار الدول الوطنية.
