الإسلام وحرية الرأي والتعبير (7)
الخميس 26/فبراير/2026 - 07:15 م
طباعة
حسام الحداد
في هذه الحلقة الجديدة، يواصل الدكتور عبد الرحيم علي ببراعته المعهودة في تفكيك المفاهيم المغلوطة، ليضع يده على واحدة من أعمق القضايا الوجودية، وهي "شرعية التعدد"، مقدماً رؤية تنويرية تستند إلى النص القرآني لتؤكد أن الاختلاف ليس عيباً في الخلق بل هو "قصد إلهي" وضرورة للابتلاء الإنساني؛ فالدكتور هنا لا يكتفي بالتنظير، بل يشتبك مع الواقع بشجاعة ليكشف كيف تحولت خشية السلطات من "الإرباك" إلى سياسات قمعية نُسبت زيفاً للدين، وهو بهذا الطرح الرصين يعيد صياغة مفهوم "إدارة الاختلاف" كفريضة أخلاقية وعقلانية، مما يجعلنا أمام مشروع فكري متكامل يحرر الوعي وينتصر لحرية الرأي كأصل أصيل في جوهر الإسلام.
شرعية التعدّد:
إذا كنا قي أوضحنا في الحلقات السابقة أن الإيمان في التصور القرآني فعلٌ حرّ، لا يُفرض ولا يُنتزع بالقوة، فإن السؤال المنطقي التالي يصبح: إذا كان الله قد ترك للإنسان حرية الإيمان، فلماذا لم يخلق البشر على رأيٍ واحد، وعقيدة واحدة، وفهمٍ واحد؟
بعبارة أخرى: هل الاختلاف خطأ طارئ في الوجود الإنساني؟ أم أنه جزءٌ مقصود من تصميمه؟ الاختلاف… قرار إلهي: يقدّم القرآن إجابة صريحة، لا تحتمل الالتفاف:
﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة ولا يزالون مختلفين﴾ (هود: 118)
الآية لا تكتفي بإثبات واقع الاختلاف، بل تربطه مباشرةً بمشيئة الله. الاختلاف هنا ليس نتيجة فساد البشر، ولا انحراف العقول، ولا مؤامرة تاريخية، بل حقيقة وجودية أرادها الله. ولو شاء الله توحيد البشر قهرًا لفعل، لكنه لم يفعل. وهنا، كما في مسألة الإيمان،
يعود المعنى ذاته: القدرة الإلهية كاملة، لكن الحرية مقصودة.
لماذا الاختلاف؟ القرآن لا يقدّم الاختلاف بوصفه عبئًا يجب التخلص منه، بل بوصفه شرطًا للاختبار الإنساني.
﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم﴾ (المائدة: 48) الابتلاء لا يكون في الطاعة العمياء، ولا في التشابه التام، بل في كيفية إدارة الاختلاف. فالإنسان لا يُختبر حين يردّد ما يقوله الجميع، بل حين يختار موقفه، ويتحمّل مسؤوليته، وسط تعدّد الآراء والرؤى. من الاختلاف إلى الصراع… أين وقع الخلل؟ الخلل لم يكن يومًا في وجود الاختلاف، بل في تحويله إلى تهديد. حين يُفهم الاختلاف بوصفه خطرًا على الإيمان، أو مساسًا بـ«وحدة الجماعة»، أو خروجًا على «الطريق القويم»،
تبدأ سلسلة من الكوارث:
• يُجرَّم السؤال،
• ويُخَوَّن الرأي،
• ويُقمع التعبير،
• ويُقدَّم التنوع باعتباره فتنة.
وهنا، لا يعود الدين إطارًا أخلاقيًا جامعًا، بل يتحول إلى أداة فرز وإقصاء. هل يخاف الدين من الاختلاف؟ القرآن يجيب بالنفي القاطع. فالخطاب القرآني نفسه قائم على الحوار، وعرض الحجج، ومجادلة المخالفين بالحسنى.
﴿ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾
(النحل: 125)
لو كان الاختلاف خطرًا على الدين، لما دعا القرآن إلى الجدال أصلًا. الدين الذي يحتاج إلى قمع المخالف كي يبقى، ليس دينًا قويًا، بل خطاب هشّ يخشى الحوار.
الاختلاف وحرية الرأي: من هنا، تصبح حرية الرأي ليست مجرد حقٍّ مدني، ولا ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة دينية في عالم خُلق مختلفًا. فالرأي المختلف ليس خروجًا على السنّة الكونية، بل تعبير عنها. ومحاولة فرض رأيٍ واحد، أو فهمٍ واحد، أو تأويلٍ واحد، ليست دفاعًا عن الدين، بل تمرّدًا على منطق الخلق ذاته. لماذا قاومت بعض التيارات الاختلاف؟ لأن الاختلاف يُربك السلطة.
• يُربك السلطة السياسية، لأنها لا تحب المساءلة.
• ويُربك السلطة الدينية، لأنها تخشى فقدان الاحتكار.
• ويُربك التنظيمات الأيديولوجية، لأنها تقوم على الانضباط لا النقاش.
وهكذا، تحوّل الخوف من الاختلاف إلى خطاب ديني، ثم إلى فقه، ثم إلى ممارسة قمعية، نُسبت زورًا إلى الإسلام. ما الذي يقوله القرآن بوضوح؟
يقول إن:
• الاختلاف واقع لا مهرب منه،
• والتعدّد سنة لا خلل،
• والحوار أصل لا استثناء.
﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ (الشورى: 10) أي: ليس إلى السيف، ولا إلى السجن، ولا إلى التكفير.
الخلاصة:
لم يخلق الله البشر مختلفين عبثًا، ولم يمنحهم العقل ليصمتوا، ولا الحرية ليُلغوها. الاختلاف في التصور القرآني ليس مشكلة تحتاج إلى حلّ، بل واقع يحتاج إلى إدارة أخلاقية وعقلانية. ومن دون الاعتراف بشرعية الاختلاف، لا معنى للحديث عن حرية الرأي في الإسلام.
في الحلقة القادمة: سنطرح السؤال الأخطر: كيف تحوّل الاختلاف المشروع إلى صراع دموي في التاريخ الإسلامي؟ وأين ضاع الخط الفاصل بين التنوع والاقتتال؟
يتبع…
القاهرة: الخامسة مساءً بتوقيت المحروسة.
