صناعة "الخيانة المنهجية": قراءة في سيكولوجية الاستقطاب في خطاب تنظيم "داعش".
الأحد 01/مارس/2026 - 11:15 ص
طباعة
حسام الحداد
في سياق استمرار الصراع الأيديولوجي والسياسي المحتدم بين تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة، صدرت افتتاحية العدد 536 من صحيفة "النبأ" مساء الخميس الموافق 26 فبراير 2026، لتشكل حلقة جديدة في سلسلة "حرب السرديات" التي لا تهدأ. لم تكن هذه الافتتاحية مجرد نص إعلامي عادي، بل جاءت كبيان تحريضي مكثف يهدف إلى تقويض أسس الخصم التاريخي. إن توقيت صدور هذا العدد، وما تضمنه من لغة هجومية حادة تجاه القاعدة، يعكس رغبة واضحة من قبل القائمين على إعلام التنظيم في استغلال الظروف الإقليمية الراهنة لشن هجوم استباقي يهدف إلى عزل القاعدة عن حاضنتها الجماهيرية وتجريدها من شرعيتها المنهجية أمام أتباعها.
إن هذه الافتتاحية تمثل نموذجاً كلاسيكياً لأدوات "الإقصاء المنهجي"، حيث لا يقف الخطاب عند حدود النقد السياسي العابر، بل يتجاوزه إلى محاولة تفكيك الهوية الأيديولوجية للخصم. ومن خلال تحليل مفردات هذا النص، تبرز استراتيجيات دقيقة توظف التناقض التاريخي، واللغة الاستعلائية، والاتهامات بالتبعية السياسية، لإحراج القاعدة ووضعها في مأزق أخلاقي أمام مؤيديها. سيقوم هذا التحليل بتشريح البنية الخطابية للنبأ، كاشفاً كيف تحولت "البراجماتية السياسية" إلى أداة تصفية معنوية، وكيف يسعى التنظيم من خلال هذا النوع من الكتابة إلى تقديم نفسه كـ "القطب الأكثر نقاءً" في ساحة التنافس، في محاولة منه للسيطرة على الخطاب والحفاظ على التماسك الداخلي لقواعده وسط متغيرات إقليمية متسارعة.
استراتيجية "التفكيك المنهجي"
تتجاوز الافتتاحية في أسلوبها حدود النقد السياسي التقليدي أو معالجة الأخطاء التكتيكية للقاعدة، لتعمد إلى تبني استراتيجية "تفكيك" جذرية تستهدف نسف الأسس الأيديولوجية التي يقوم عليها التنظيم. لا يسعى الكاتب هنا لمجرد إثبات خطأ القاعدة في موقف معين، بل يعمل على تقويض "الهوية المنهجية" للخصم بالكامل، محولاً الصراع من خلاف حول السياسة إلى أزمة وجودية. هذا النهج يهدف إلى إظهار القاعدة ككيان فقد "طهارته المنهجية" التي كان يفتخر بها، مما يجعل أتباعها في حالة من التشكيك الدائم تجاه ادعاءات قيادتهم، ويحول خطاب القاعدة من "موقف شرعي" إلى مجرد "مناورة سياسية" فاقدة للشرعية.
تمثل تهمة "الاستقطاب الرافضي" والوصف المباشر للقاعدة بأنها "بيدق وظيفي" لإيران ضربة استراتيجية دقيقة وموجعة في صميم الهوية التي تحاول القاعدة حمايتها. فالتنظيم يروج لنفسه دائماً كحامل لواء "السنة" والعدو الصريح للمشروع الإيراني، لذا فإن ربط قياداته بخصمهم العقائدي الأكبر يضع القاعدة في موقف "التناقض الصارخ" أمام قواعدها الشعبية. هذا الخطاب يخلق نوعاً من "الاستقطاب الحاد" لدى الأتباع؛ فإما أن يتبرأ الفرد من قيادته حفاظاً على ثوابته، أو يضطر إلى خوض معركة دفاعية خاسرة لتبرير ما لا يمكن تبريره، مما يضعف التماسك الداخلي للقاعدة ويفتح الباب واسعاً أمام الانشقاقات لصالح التوجهات الأكثر تشدداً التي يدعو إليها كاتب المقال.
لم يكتفِ الكاتب بالتركيز على اللحظة الراهنة، بل عمد إلى "أرشفة" تاريخ القاعدة وإعادة تفسيره عبر العودة إلى حقبة ما بعد عام 2001، ليؤطر وجود قيادات القاعدة في إيران كجزء من "مشروع احتواء" قديم ومستمر وليس كمجرد ضرورة طارئة أو تكتيك مؤقت. من خلال هذا التوظيف التاريخي، يحاول الكاتب إقناع القارئ بأن القاعدة لم تكن يوماً مستقلة تماماً كما تدعي، بل كانت خاضعة لهذا "الاحتواء الإيراني" منذ عقود. هذا الربط الزمني بين الماضي والحاضر يضفي صبغة المؤسسية على التهمة، مما يجعل القاعدة تبدو وكأنها كانت تتحرك وفق أجندة مرسومة سلفاً، مما ينهي أي نقاش حول "الاستقلالية" ويحول تاريخ التنظيم من نضال مفترض إلى مسلسل طويل من الخضوع للمحاور الإقليمية.
توظيف التناقض
تعتمد الافتتاحية بشكل أساسي على أسلوب "التفنيد بالواقع"، وهو أسلوب يهدف إلى إسقاط شرعية القاعدة من الداخل. لا يكتفي الكاتب بتوجيه اتهامات عامة، بل يضع القاعدة أمام مرآة أفعالها؛ فالمقارنة بين مواقفها السابقة والحالية ليست مجرد نقد سياسي، بل هي آلية "تفكيك" تهدف إلى وضع التنظيم في مأزق أخلاقي ومنهجي. من خلال استعراض "الكيل بمكيالين"، يُجبر الكاتب القارئ -خاصةً أتباع القاعدة- على طرح سؤال جوهري: هل قيادتنا تتبع مبدأً شرعياً ثابتاً، أم أنها تتحرك كأداة براغماتية بحتة؟ هذا التساؤل كفيل بكسر "القدسية" التي قد تضفيها القواعد على قرارات قيادتها.
يبرز الكاتب "المفارقة الزمنية" كأداة ضغط نفسية قوية؛ حيث يضع في كفة واحدة صمت القاعدة (أو حتى تحريضها الخفي) خلال الحملات العسكرية التي استهدفت تنظيم الدولة، وفي الكفة المقابلة الاستنفار الشامل واللغة الحادة التي تبنتها القاعدة مؤخراً تجاه التهديدات التي تواجه إيران. إن هذا التباين الحاد في ردود الفعل لا يمر مرور الكرام، بل يستخدمه الكاتب كدليل مادي على "الانحياز" لمحور معين. وبذلك، يحول الكاتب حالة "الاستنفار" التي تظهرها القاعدة اليوم إلى دليل إدانة ضدها، موحياً بأن القاعدة لم تكن يوماً مستقلة، بل كانت دائماً تنتظر "الإشارة" من المحور الذي تخدم مصالحه.
الهدف الأسمى لهذا الطرح هو ضرب ركيزة "الاستقلالية المنهجية" التي تتغنى بها القاعدة. فمن خلال تصوير التحول في الخطاب كونه تبعية للمصالح الإيرانية، يقوم الكاتب بنزع صفة "الجماعة المبدئية" عن القاعدة، وتحويلها في نظر القارئ إلى مجرد "جزء من المحور". هذا التوصيف ليس مجرد شتيمة سياسية، بل هو محاولة لتجريد القاعدة من قاعدتها الشعبية، عبر تصويرها كطرف متواطئ مع "الخصم العقائدي". وبذلك، لم يعد الصراع بين الطرفين صراعاً على "صوابية النهج"، بل أصبح صراعاً بين "حركة تابعة" (القاعدة) و"حركة مستقلة" (داعش)، وهو إطار يخدم هدف التنظيم في سحب البساط من تحت قدمي منافسه التقليدي.
لغة "الاستعلاء المنهجي"
تعتمد الافتتاحية على انتقاء مفردات ذات شحنة سيكولوجية عالية، لا تستهدف نقد الأفكار فحسب، بل تسعى إلى تحطيم "الهيبة المعنوية" للخصم. استخدام أوصاف مثل "زئبقي" (في إشارة إلى مراوغة المواقف)، و"بيدق" (للتدليل على التبعية)، و"مبتذلة" (لوصف الحجج)، ليس عشوائياً، بل هو أداة "تقزيم" متعمدة. هذا القاموس اللغوي يعمل على وضع القاعدة في حالة من "الدونية" الذهنية، حيث يتم تصويرها ككيان فاقد للكرامة السياسية أو الصمود العقدي، مما يجعل أي خطاب صادر عنها يبدو في نظر القارئ (المستهدف) خطاباً "أجوف" لا يستحق الاحترام أو التقدير، بل يستحق السخرية والازدراء.
لا يطرح المقال تنظيم القاعدة كـ "عدو مكافئ" أو "ندّ فكري" في ساحة النزاع، بل يتعامل معه كـ "عدو منحرف" فقد بوصلته الأخلاقية والمنهجية. هذا التحول في النبرة يهدف إلى إخراج القاعدة من دائرة "الاحترام المفترض" الذي تكنّه الأوساط الجهادية لقياداتها التاريخية. فمن خلال تصويرهم كـ "فاقدي البوصلة" الذين يتخبطون في تناقضاتهم، يُلغي الكاتب أي شرعية للنقاش العلمي معهم؛ إذ لا يُناقش "المنحرف" بل يُصحح أو يُنبذ. هذا التكتيك يهدف إلى إغلاق ملف "الحوار" مع القاعدة تماماً، وتحويل العلاقة معها إلى علاقة "استعلاء" من طرف يرى نفسه الأحق والأكثر ثباتاً، والطرف الآخر الغارق في التبريرات.
تكمن الغاية الاستراتيجية من هذه اللغة في مخاطبة "المنشقين المحتملين" عن تنظيم القاعدة. فمن خلال رسم صورة القاعدة ككيان "مداهن" و"مراوغ"، يقدم تنظيم الدولة نفسه -بالتضاد- كـ "المنهج الثابت" الذي لا يعرف المساومة ولا يغير مواقفه وفق الرياح السياسية. هذه اللغة ليست مجرد نقد للماضي، بل هي دعوة مفتوحة لكل من يشعر بالخيبة أو التناقض داخل صفوف القاعدة ليجد "الملاذ الآمن" في نهج "التشدد الذي لا يلين". وبذلك، يتحول المقال من مجرد افتتاحية صحفية إلى "حملة استقطاب" ناعمة تستغل حالة الارتباك لدى أتباع الخصم لضمهم إلى صفوفها، تحت شعار "النقاء المنهجي".
قراءة في "أزمة البراجماتية"
تضع الافتتاحية "أزمة البراجماتية" في إطار وجودي يمس جوهر الحركات المسلحة، وهو التوتر المستمر بين "الثبات المبدئي" و"ضرورة التكيف الواقعي". يصور الكاتب هذا التكيف في سياق القاعدة ليس كاستراتيجية سياسية ذكية، بل كخطيئة منهجية أدت إلى تآكل الثوابت العقائدية التي قامت عليها الحركة. في هذا الطرح، تُقدم البراجماتية على أنها "تراجع إجباري" وانحناء للعواصف الدولية، مما يُفقد التنظيم هيبته أمام قواعده الشعبية التي تنظر إلى أي تنازل سياسي أو محاولة للتهدئة كخروج صريح عن "المبدئية الصلبة" التي تُعد الوقود الأيديولوجي لهذه الجماعات.
تستغل الافتتاحية بذكاء لغة القاعدة نفسها، وتحديداً دعوتها لما أسمته "العقلاء في دوائر صنع القرار". هذه العبارة تمثل في نظر كاتب "النبأ" لحظة "انكشاف" حرجة، حيث تُستخدم كدليل مادي على أن القاعدة قد انزلقت إلى فخ "اللعبة الدولية" والمناورات السياسية التقليدية. بالنسبة لتنظيم الدولة، هذا الخطاب لا يمثل "حكمة" أو "تروياً" في إدارة الصراع، بل هو محاولة صريحة لتقديم "أوراق اعتماد" للنظام الدولي، مما يُظهر القاعدة ككيان يسعى للاندماج أو على الأقل تحييد المنظومة التي أعلن محاربتها طويلاً، وهذا التناقض هو ما يُراد تسليط الضوء عليه لنسف شرعية القاعدة.
تُوظف الافتتاحية هذا النقد لتسويق تنظيم الدولة كـ "القطب الذي لا يقبل التسوية" أو المساومة، وهو خطاب موجه بدقة لجذب القواعد الأكثر تطرفاً التي ترفض أي نوع من الدبلوماسية. من خلال نقد "واقعية" القاعدة، يضع تنظيم الدولة نفسه في موضع "النقاء الأيديولوجي" الذي لا تلوثه غبار السياسة. إنها استراتيجية استقطاب ذكية تهدف إلى إغلاق باب التفكير العقلاني أمام الأتباع عبر ربط كل محاولة للتهدئة أو التفاوض بـ"العمالة" أو "الضعف"، مما يجعل "الراديكالية المطلقة" هي المبدأ الوحيد المقبول للبقاء والولاء داخل هذا التنظيم.
خاتمة:
تُمثل هذه الافتتاحية محاولة استراتيجية لإغلاق باب العودة أمام أي تيار داخل تنظيم القاعدة قد يميل إلى "الواقعية السياسية" أو "الاصطفافات الإقليمية". إن الهدف من الخطاب ليس تقديم نصيحة أو إصلاح منهجي للخصم، بل هو تنفيذ لعملية "تصفية معنوية" تهدف إلى تحطيم شرعية القاعدة أمام حاضنتها الشعبية. يعمد الكاتب إلى وضع القاعدة في مأزق "الثنائية الإقصائية" (False Dilemma)، حيث يحصر خياراتها في زاوية ضيقة لا مخرج منها: فإما أن تختار "الاستقلالية التامة" عن كل القوى الإقليمية، مما يعني عملياً الانعزال والضعف الاستراتيجي في ظل توازنات القوى الحالية، أو أن تستمر في "الاصطفافات" التي يراها تنظيم الدولة خيانة منهجية و"مداهنة" للخصوم، وهو ما ينسف أصل هويتها الأيديولوجية.
تغفل هذه الافتتاحية، بطبيعة الحال، حقيقة أن تنظيم الدولة نفسه لم يكن بمنأى عن "البراجماتية الاضطرارية" في مسيرته؛ فقد اضطر التنظيم في مراحل مختلفة -سواء في إدارته للمناطق أو تعامله مع القبائل والتحالفات المحلية- إلى تبني قرارات تكتيكية مرنة تتصادم مع "تصلبه المعلن". إلا أن الفارق الجوهري يكمن في "التغليف الخطابي": حيث يعيد التنظيم صياغة أفعاله البراجماتية تحت مصطلحات مقدسة مثل "التمكين" و"السياسة الشرعية"، بينما يصبغ نفس تلك الأفعال إذا صدرت عن القاعدة بصبغة "المداهنة" و"الخيانة". إن هذا التناقض يكشف أن الصراع بين التنظيمين ليس صراعاً حول "المبادئ المطلقة" بقدر ما هو صراع "أنا أكثر نقاءً منك"، وهو وقود مستمر يُشعل التنافس بينهما للبقاء في صدارة المشهد الجهادي عبر ادعاء امتلاك "المنهج الأكثر طهراً".
