مبرارات التناقض العراقي بين إدانة هجوم إيران علي أراضيها وإعلان الحداد علي المرشد !

الأحد 01/مارس/2026 - 01:48 م
طباعة مبرارات التناقض العراقي روبير الفارس
 
في لحظة سياسية بالغة الحساسية، وجد العراق نفسه أمام مشهد إقليمي معقد، تداخلت فيه حسابات السيادة الوطنية مع اعتبارات الجغرافيا السياسية والروابط العقائدية. وبين بيان إدانة الاعتداءات التي طالت أراضيه وأراضي إيران، وإعلان الحداد الرسمي على مقتل المرشد الإيراني، برزت تساؤلات حول ما إذا كان الموقف العراقي متناقضًا أم أنه يعكس محاولة موازنة دقيقة بين مسارين متوازيين.
حيث أعلنت رئاسة الجمهورية العراقية إدانتها الشديدة للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت المدن العراقية، معتبرة أن انتهاك أجواء البلاد خرق صريح للقوانين الدولية ومساس بسيادتها. وفي الوقت نفسه، أدانت الاعتداءات التي طالت  ايران ، ووصفتها بأنها تصعيد خطير يدفع المنطقة نحو مزيد من الاحتقان.
هذا الموقف يستند، من الناحية الرسمية، إلى مبدأ ثابت في الخطاب العراقي المعاصر: رفض انتهاك سيادة الدول، ورفض استخدام القوة خارج إطار القانون الدولي. وهو خطاب تحرص بغداد على تأكيده في ظل موقعها الجغرافي الحساس، ووجود قوى إقليمية ودولية فاعلة على أراضيها.
في المقابل، أعلنت الحكومة العراقية الحداد العام لثلاثة أيام على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي قُتل – بحسب الإعلام الإيراني – في هجوم نُسب إلى الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل. وقد جاء في بيان الناطق باسم الحكومة توصيف خامنئي بـ"الشهيد"، والإشادة بمسيرته.
هنا تحديدًا يتجلى ما يراه البعض تناقضًا: كيف تدين  الاعتداءات الإيرانية على إرضها  بوصفها خرقًا للقانون الدولي، ثم تتخذ موقفًا يتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى إعلان حداد رسمي على شخصية دينية–سياسية غير عراقية؟
الانتقاد هنا  يتركز في ثلاث نقاط رئيسية:
اولا الطابع الرسمي للحداد إعلان الحداد العام يُعد خطوة سيادية ذات دلالة سياسية عميقة، وغالبًا ما يُتخذ تجاه قادة وطنيين أو شخصيات ذات تأثير مباشر في الدولة المُعلِنة.
ثانيا اللغة المستخدمة في البيان حيث وصف المرشد بـ"الشهيد" والانحياز اللفظي قد يُفهم على أنه تبنٍ سياسي لموقف طهران.
ثالثا الحياد المفترض العراق يعلن رفضه أن يكون ساحة صراع، لكن الحداد قد يُفسر كرسالة اصطفاف ضمن محور إقليمي معين.
وهنا يطرح سؤال  كيف يمكن تبرير الموقف العراقي؟
من وجهة النظر الرسمية أو المؤيدة للحكومة، يمكن قراءة الموقف ضمن عدة اعتبارات:
اولا  الترابط الأمني والسياسي 
إيران لاعب أساسي في المشهد العراقي منذ 2003، سواء عبر العلاقات الاقتصادية أو التأثير السياسي أو الدعم الأمني في مواجهة تنظيم داعش. وبالتالي ترى بغداد أن استهداف رأس النظام في طهران قد ينعكس مباشرة على استقرارها الداخلي.

ثانيا  البعد الديني والاجتماعي
للمرجعية الشيعية في إيران حضور معنوي لدى قطاعات من المجتمع العراقي، وإعلان الحداد قد يُفهم كاستجابة لمشاعر شريحة واسعة، وليس فقط كموقف سياسي خارجي.
ثالثا  محاولة منع الانفجار الداخلي
في ظل وجود فصائل مسلحة مرتبطة عقائديًا بإيران، قد يكون الحداد خطوة لامتصاص التوتر الداخلي ومنع انزلاق البلاد إلى صراع داخلي أو مواجهات مع القوات الأجنبية.
رابعا  الفصل بين المبدأ والموقف
تسعى بغداد إلى التمييز بين إدانة استخدام القوة (كمبدأ قانوني) وبين التعاطف مع شخصية قُتلت في سياق تصعيد عسكري. أي أنها – نظريًا – لا تؤيد سياسات إيران بقدر ما ترفض الاغتيال كأداة سياسية.
والحقيقة أن العراق يتحرك ضمن هامش ضيق بين واشنطن وطهران. فهو يستضيف قوات أمريكية، ويرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يرتبط بعمق سياسي واقتصادي وأمني مع إيران.
هذا التوازن الهش يجعل أي موقف يبدو وكأنه انحياز لطرف على حساب آخر، بينما تحاول بغداد – على الأقل في خطابها الرسمي – تأكيد أنها ترفض التصعيد من جميع الأطراف.
لذلك ما يبدو تناقضًا قد يكون في نظر صانع القرار العراقي محاولة صعبة للجمع بين مبدأ السيادة ومتطلبات الجغرافيا السياسية. غير أن وضوح اللغة المستخدمة، وطبيعة الإجراءات المتخذة، يجعلان من الصعب إقناع جميع الأطراف بحياد كامل.في النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل يستطيع العراق الاستمرار في سياسة “الموازنة بين المحاور” في ظل تصعيد إقليمي مفتوح، أم أن لحظة الاختيار الحاسم باتت أقرب من أي وقت مضى؟

شارك