ضربة غامضة تهز اقتصاد الميليشيات.. اغتيال "أبو سيف" يكشف تجارة النفط السرية

السبت 07/مارس/2026 - 11:35 ص
طباعة ضربة غامضة تهز اقتصاد فاطمة عبدالغني
 
تزيح عملية اغتيال القيادي العراقي المكنى "أبو سيف" الستار عن تحول أمني خطير قد يمثل ضربة غامضة تهز اقتصاد الميليشيات المرتبط بتجارة النفط غير الشرعية في العراق. فالحادثة الغامضة أعادت تسليط الضوء على تجارة النفط السرية التي تديرها الفصائل المسلحة عبر شبكات معقدة تشمل استخراج النفط بطرق غير قانونية، ثم تكريره في مصافٍ متنقلة تُعرف محلياً باسم "الأفران"، قبل تسويقه محلياً أو عبر قنوات تهريب إقليمية.
 وتشير مصادر أمنية محلية إلى أن اغتيال "أبو سيف" قد يكشف خفايا اقتصاد الظل النفطي للميليشيات ودوره في تمويل أنشطة الفصائل المسلحة داخل العراق، ما يجعله حدثاً محورياً لفهم التوازنات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
اغتيال في توقيت إقليمي حساس
تشير مصادر سياسية وأمنية عراقية إلى أن القيادي المكنى "أبو سيف" قُتل في عملية يُعتقد أنها نفذت بواسطة طائرة مسيّرة، وذلك في توقيت إقليمي بالغ الحساسية. 
فقد شهدت سماء العراق خلال الأسبوع الأخير تحليقاً مكثفاً لطائرات استطلاع ومروحيات قتالية تابعة لقوى دولية وإقليمية، في وقت تحولت فيه الأجواء العراقية إلى ساحة مراقبة عسكرية نشطة على خلفية التصعيد المرتبط بالمواجهة الدائرة مع إيران. 
ويربط مراقبون بين هذه العملية والنشاط الجوي المتزايد لمحاولات تتبع تحركات الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، خصوصاً القيادات والشبكات التي تلعب دوراً محورياً في دعم الأنشطة الاقتصادية والعسكرية للفصائل.
من هو "أبو سيف".. مهندس اقتصاد الفصائل؟
لا تقتصر أهمية اغتيال "أبو سيف" على البعد الأمني فقط، إذ يكشف عن شخصية كانت محورية في إدارة اقتصاد الفصائل المسلحة المرتبط بالنفط غير الشرعي، بدأ مسيرته ضمن صفوف "جيش المهدي" خلال سنوات الصراع الطائفي في العراق، قبل أن ينضم لاحقاً إلى فصائل أخرى أكثر تنظيماً ونفوذاً. 
وعلى مدار العقد الماضي، بنى شبكة واسعة من الوسطاء والتجار والمقاولين في عدة محافظات عراقية، ما جعله أحد أبرز الفاعلين في سوق النفط غير الرسمية. 
وتشير المصادر إلى أنه كان يشرف على تنظيم عمليات استخراج النفط الخام بطرق غير قانونية، ثم تكريره وتسويقه محلياً أو عبر شبكات تهريب إقليمية، وهو ما جعله يوصف بأنه مهندس اقتصاد النفط السري للفصائل في العراق.
مصافٍ متنقلة لتكرير النفط خارج الرقابة
تعتمد الشبكات الاقتصادية التي كان يديرها "أبو سيف" على مصافٍ بدائية متنقلة تُعرف باسم "الأفران"، وهي وحدات صغيرة يمكن نقلها بسهولة وإخفاؤها في مناطق زراعية أو صحراوية بعيدة عن الرقابة الرسمية، وتعمل هذه المصافي على تسخين النفط الخام في خزانات خاصة ثم تمريره عبر مراحل تقطير بسيطة لإنتاج مشتقات نفطية مثل البنزين والديزل والكيروسين. 
وعلى الرغم من بساطة التقنية، فإنها توفر كميات كبيرة من الوقود منخفض الجودة الذي يُباع بأسعار أقل من المنتجات الرسمية، ما يخلق سوقاً موازية واسعة للمشتقات النفطية، إلا أن هذه العمليات تفتقر إلى معايير السلامة والضوابط البيئية، الأمر الذي يؤدي إلى تلوث التربة والمياه الجوفية ويزيد من خطر الانفجارات والحوادث الصناعية.
شبكة توزيع واسعة وصفقات بملايين الدولارات
لم تقتصر أنشطة الشبكة على التكرير فقط، بل امتدت إلى منظومة توزيع معقدة تعتمد على عشرات الوسطاء والمقاولين، وكانت المشتقات النفطية تُنقل عبر صهاريج خاصة لا تحمل الوثائق الرسمية المطلوبة لعبور نقاط التفتيش بين المحافظات، قبل أن تُسلَّم إلى مصافٍ أهلية أو مصانع تحتاج إلى كميات كبيرة من الوقود لتشغيل منشآتها. 
ويشير خبراء محليون إلى أن نفوذ الشبكة مكّنها من تجاوز القيود الأمنية ونقل كميات ضخمة من الوقود داخل العراق، بينما كانت جزء من المشتقات يُصدَّر عبر شبكات تهريب إقليمية تعمل على خلط النفط العراقي مع النفط الإيراني لإخفاء مصدره. 
وقبل اغتياله، تمكن "أبو سيف" من إنجاز صفقة ضخمة شملت بيع نحو 600 ألف طن من المشتقات النفطية بقيمة تقارب 120 مليون دولار، نصفها تقريبا للسوق المحلية، وهو ما يعكس حجم الاقتصاد الموازٍ الذي أدارته الشبكة.
جرف الصخر.. من بلدة زراعية إلى مركز نفوذ الفصائل
تعد منطقة جرف الصخر جنوب بغداد أحد أبرز المواقع التي ازدهرت فيها أنشطة تكرير النفط غير القانونية، الموقع الجغرافي للبلدة يجعلها نقطة مرور استراتيجية لخطوط أنابيب النفط التي تربط الحقول الجنوبية بالمصافي في وسط العراق وشماله. 
ومنذ العمليات العسكرية لطرد تنظيم داعش عام 2014، أصبحت البلدة شبه مغلقة تحت سيطرة الفصائل المسلحة، مما أدى إلى تهجير عشرات الآلاف من سكانها. 
كما تحولت المزارع الواسعة في المنطقة إلى مواقع لإخفاء المصافي المتنقلة وصهاريج النقل، إضافة إلى استخدامات عسكرية ولوجستية، ما جعل جرف الصخر مركز نفوذ اقتصادي وأمني للفصائل.
اقتصاد الظل النفطي والفصائل المسلحة
يرى مراقبون أن اغتيال "أبو سيف" يكشف جزءاً من البنية المالية السرية التي تعتمد عليها بعض الفصائل المسلحة في العراق، إلا أن هذه الشبكات لا تعتمد على أفراد فقط، بل على منظومات اقتصادية متشعبة يصعب تفكيكها بالكامل. 
كما يشير هؤلاء إلى أن منطقة جرف الصخر ستظل محوراً حساساً في التوازنات الأمنية والاقتصادية داخل العراق، خصوصاً مع استمرار التوتر الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران واحتمال تحول الأراضي العراقية إلى ساحة لصراع غير مباشر بين الطرفين. 
ويؤكد المراقبون أن اغتيال قيادي بهذا الحجم قد يؤدي إلى إعادة ضبط شبكات التهريب والسيطرة على اقتصاد الفصائل، لكنه لن ينهي تماماً الاقتصاد الموازي الذي تشغله هذه الجماعات>

شارك