كيف يُوظف "داعش" صراعات القوى الكبرى لغسل أدمغة أتباعه؟
الأحد 08/مارس/2026 - 08:50 ص
طباعة
حسام الحداد
ألقت الحرب الإيرانية الأمريكية بظلالها على تنظيم داعش الذي يحاول استغلال الصراعات الدولية لصالحه، فجاءت افتتاحية العدد 537 من صحيفة "النبأ" (مارس 2026)، لتكشف عن استراتيجية التنظيم في إعادة تدوير حضوره الذهني والميداني عبر استثمار الصراعات الكبرى بين خصومه. يعتمد الخطاب في جوهره على "تأطير قدري" للأحداث، محاولاً انتزاع صفة "الفاعلية" من القوى الدولية والإقليمية المتصارعة وإضفائها على سرديته الخاصة، وذلك من خلال ليّ عنق المفاهيم السننية مثل "التدافع" وتحويلها من سياقها القرآني الإصلاحي إلى أداة لشرعنة الشماتة السياسية والقعود الميداني. إن هذا الخطاب لا يخاطب العقل السياسي، بل يستهدف الوجدان المأزوم للأتباع، ساعياً لترميم التصدعات الداخلية عبر لغة استعلائية تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة وسط عالم تصفه بالجاهلية والكفر.
من الناحية التحليلية، يمثل هذا النص نموذجاً "للمفاصلة الأيديولوجية" التي ترفض أي منطقة رمادية أو تحالفات براغماتية، حيث يعمد التنظيم إلى شيطنة كافة الحركات الإسلامية المنافسة والفاعلين الشعبيين الذين قد يجدون في الصراعات الدولية فرصة للمناورة السياسية. من خلال منهج "تحليل الخطاب"، سنفكك في هذا المقال كيف تتحول مفردات "الولاء والبراء" من أصول عقدية إلى "مقصلة سياسية" تُستخدم لعزل المسلم عن واقعه، وتجريده من أدوات التفكير الاستراتيجي، وحصره في زاوية الانتظار الانتهازي لما ستسفر عنه حروب "الآخرين". إنها محاولة يائسة من التنظيم لإثبات أن "فسطاطه" هو المركز الوحيد للحق في فوضى عالمية يراها مجرد تصفية حسابات بين "كفار وظلمة".
البنية الأيديولوجية: ثنائية "الفسطاطين"
تعتمد افتتاحية "النبأ" استراتيجية ذهنية قوامها "ثنائية الفسطاطين"، وهي رؤية اختزالية للعالم تقسم البشرية إلى معسكرين لا ثالث لهما: فسطاط الإيمان المحض (الذي يمثله التنظيم حصراً) وفسطاط الكفر المحض (الذي يضم بقية العالم). من خلال هذا التقسيم، يسعى الخطاب إلى ممارسة عملية "تطهير أيديولوجي" للوعي السياسي، حيث يرفض الاعتراف بأي تعقيد في المصالح الدولية، ويصنف المحورين المتصارعين (الأمريكي-اليهودي والإيراني) ككتلة كفرية واحدة "تتدافع" فيما بينها. هذا الإلغاء المتعمد لأي فوارق بين الأعداء يهدف إلى منع المسلم من ترجيح كفة على أخرى، أو استثمار التناقضات الدولية لصالح قضاياه، محولاً المشهد السياسي العالمي إلى مجرد "حلبة لصراع الباطل مع الباطل".
على صعيد آخر، يشن الخطاب هجوماً ضارياً على ما يسمى بـ "المنطقة الرمادية"، وهي المساحة التي تتحرك فيها الشعوب والحركات الإسلامية لاتخاذ مواقف براغماتية أو سياسية مبنية على "أخف الضررين". يرى التنظيم أن أي محاولة للاصطفاف مع طرف ضد آخر -كالانحياز للمحور الإيراني لمواجهة إسرائيل- هو خروج صريح عن عقيدة "المفاصلة" وسقوط في فخ "التولي". وبذلك، يعمل النص على "تنميط" الخيارات المتاحة للمتلقي، فإما الانعزال الكلي عن الواقع السياسي والاعتزال بانتظار "قدر الله" في الظالمين، أو الانخراط في العمل المسلح المنفرد تحت مظلة التنظيم، مما يعني تجريد الجماهير من أدوات الفعل السياسي الواعي وتحويلهم إلى مجرد أدوات في صراع صفري.
تتمثل الغاية النهائية من هذه البنية الأيديولوجية في "العزل الاستراتيجي" للمسلمين عن التفاعل مع القضايا الإقليمية كلاعبين مؤثرين. فمن خلال تصوير الحرب الدائرة كـ "تدافع بين كافرين" يستوجب الشكر لا الانخراط، يضمن التنظيم بقاء قواعده بمنأى عن التأثر بالمشاريع المقاومة الأخرى التي قد تتقاطع مصالحها مع قوى إقليمية. هذا الانعزال يخدم ديمومة التنظيم، حيث يُبقي أتباعه في حالة من "الاستعلاء الوهمي" فوق الواقع، ويحصر ولاءهم في "الراية" التنظيمية وحدها، محذراً إياهم من أن أي خروج عن هذا الفهم هو وقوع في "الرايات الجاهلية"، وبذلك يغلق الدائرة على أتباعه في سجن فكري يمنعهم من قراءة المشهد الدولي إلا من خلال نظارات التنظيم السوداء.
توظيف المفهوم السنني
يعمد الخطاب إلى استدعاء المفهوم القرآني "سنة التدافع"، لكنه يخرجه من سياقه الأصلي الذي يهدف إلى عمارة الأرض ومنع الفساد الغالب، ليحوله إلى أداة لشرعنة "الشماتة السياسية" والقعود العملي. فمن خلال ليّ عنق النصوص، يصور التنظيم الصراع الحالي بين المحورين الأمريكي والإيراني باعتباره تجلياً لقوله تعالى: $وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً$. هذا التوظيف يهدف بالدرجة الأولى إلى خلق حالة من "الرضا السلبي" لدى الأتباع، حيث يتم تصوير إهلاك الخصوم بأيدي بعضهم البعض كمنحة ربانية مجانية تخدم مشروع التنظيم دون الحاجة لبذل مجهود حربي أو استراتيجي، مما يكرس عقيدة انتظار "المعجزات القدرية" بدلاً من التفاعل الواقعي مع موازين القوى.
علاوة على ذلك، يرتكز المقال على اقتباسات انتقائية للإمامين الطبري وابن كثير حول "تسليط الظلمة على بعضهم"، لإضفاء صبغة "الشرعية القدرية" على الأحداث الجارية. هذا المسلك الاستدلالي يسعى لإقناع القواعد التنظيمية بأن الله قد تكفل بحرب أعدائهم نيابة عنهم، وهو نوع من "التخدير الأيديولوجي" الذي يغطي على تراجع القوة العسكرية الميدانية للتنظيم. فبدلاً من تقديم تحليل سياسي رصين لأسباب الصدام بين الحلفاء السابقين (حسب زعمهم)، يتم الهروب إلى التفسير الغيبي الاختزالي الذي يجعل من التنظيم "مركز الكون" الذي تدور لأجله الأقدار، فكل خسارة تلحق بخصومه هي نصر إلهي له، حتى لو لم يكن له يد فيها.
أما على مستوى التحليل الواقعي، فيبرز تناقض صارخ في خطاب "النبأ" يكشف عن "عوار منطقي" في قراءة المشهد الدولي. فبينما يصر المقال على أن الطائرات الأمريكية كانت "تحمي ظهور الرافضة" في معارك الموصل وحلب لسنوات، يعود ليحتفي بذات الطائرات وهي تقتلهم اليوم، واصفاً ذلك بـ "المكر الإلهي". هذا الاختزال يغفل تعقيدات السياسة الدولية وتقاطع المصالح المؤقتة وتحولها (Pragmatism)، ويستبدلها برؤية "درامية" تجعل من القوى الدولية مجرد "أدوات مسيرة" في قصة يكتبها الخيال الأيديولوجي للتنظيم. إن هذا التناقض يثبت أن التنظيم لا يملك رؤية استراتيجية لتحولات السياسة، بل يملك "قوالب جاهزة" يسكب فيها أي حدث عارض ليدعم سرديته التاريخية المأزومة.
شيطنة "الآخر" الإسلامي
يكشف فحص متن الافتتاحية أن السهام الحقيقية لم تُوجه نحو "الأعداء التقليديين" (أمريكا أو إيران) بقدر ما وُجهت نحو المنافسين من الحركات الإسلامية وخصوم التنظيم الأيديولوجيين. يمارس الخطاب هنا نوعاً من "الاغتيال الرمزي" لكل من لا يتبنى رؤيته الصدامية، حيث يتم نقل المعركة من حيز الخلاف السياسي حول "المصالح والمفاسد" إلى حيز "المفاصلة العقدية" المطلقة. الهدف من هذا التركيز ليس هزيمة العدو الخارجي، بل تحصين الجبهة الداخلية للتنظيم من "العدوى الفكرية" ومنع أي تقارب محتمل بين القواعد الشبابية وبين مشاريع المقاومة الأخرى التي قد تحظى بزخم شعبي نتيجة مواجهتها للمحور الأمريكي-اليهودي.
ويتجلى هذا الهجوم بوضوح في استخدام لغة حادة ومشحونة بالتحقير تجاه من وصفهم بـ "النُّعاة" و"المشرعنين"، وهم الذين أظهروا تعاطفاً أو وقفوا سياسياً مع المحور الإيراني في سياق الصراع مع إسرائيل. يصفهم النص بـ "البيادق" و"أشياع الرافضة"، في محاولة لنزع صفة "الاستقلالية" و"الإسلام" عنهم، وتصويرهم كأدوات وظيفية في مشروع كفري. إن استخدام مصطلح "نُعاة أئمة الكفر" يهدف إلى إحداث صدمة شعورية لدى القارئ، وربط أي موقف سياسي عقلاني بخيانة عظمى لأصول الدين، مما يجعل مجرد "التحليل السياسي" المغاير لرؤية التنظيم نوعاً من "الردة" المغلظة التي لا تقبل التأويل.
وفي سياق إحكام السيطرة الفكرية، يعمد المقال إلى تسييس مفهوم "الولاء والبراء" بشكل فج، محولاً إياه من أصل عقدي قلبي إلى "مقياس حركي" إقصائي. فمن خلال اعتبار التحالفات الضرورية أو التقاء المصالح "سقوطاً في أصول الدين"، يقطع التنظيم الطريق على أي مشروع مقاومة منافس لا يخرج من معطفه. هذه الاستراتيجية تضمن بقاء الأتباع في حالة "عزلة شعورية" تامة، وتوصد الأبواب أمام أي تفكير في "جبهات موحدة" أو "تنسيقات ميدانية" مع فصائل أخرى. إن المعركة هنا ليست على الأرض، بل هي معركة على "شرعية التحدث باسم الإسلام"، حيث يسعى التنظيم لتنصيب نفسه حكماً وحيداً يوزع صكوك الإيمان والكفر بناءً على الموقف من خصومه السياسيين.
التحليل الميداني والسياسي
يكشف النص بوضوح عن رؤية التنظيم المستقبلية القائمة على استغلال الفوضى الإقليمية كفرصة وحيدة للعودة إلى المشهد. فمن خلال دعوة "المجاهدين في الولايات" و"المجاهدين المنفردين" لاستثمار التغيرات الجيوسياسية الحاصلة، يقر التنظيم ضمنياً بتحوله من هيكلية "الدولة" ذات السيطرة المكانية إلى نمط "العصابات والذئاب المنفردة". هذا التحول يعكس ضعف القدرة العسكرية المنظمة على خوض مواجهات جبهوية، مما يدفع القيادة الأيديولوجية إلى المراهنة على "الارتباك الأمني" الناتج عن انشغال القوى الكبرى والإقليمية ببعضها البعض، واعتبار هذا الانشغال "بيئة خصبة" لعمليات استنزافية غير مركزية، تهدف إلى تجديد شرايين التنظيم المنهكة.
وفي سياق متصل، يبرز التحذير من "الرايات الجاهلية" كآلية دفاعية استباقية ضد بروز أي بدائل وطنية أو شعبية. يدرك التنظيم أن "حالة المدافعة" ضد المشاريع الخارجية (سواء كانت أمريكية أو إيرانية) قد تفرز حركات تحرر وطنية أو جبهات إسلامية معتدلة تلتف حولها الجماهير. لذا، يسارع الخطاب إلى وصم أي حراك لا ينضوي تحت مظلته بـ "الجاهلية"، سواء كانت رايات تُرفع باسم إسقاط النظام الإيراني أو باسم مقاومة "الحملة الصليبية". هذا "الاحتكار للمقاومة" يهدف إلى عزل الشباب المسلم عن أي انخراط في حراك شعبي قد يؤدي إلى بناء دول مستقرة أو أنظمة سياسية تعددية، مفضلاً بقاءهم في حالة من "التيه الحركي" حتى ينضموا لصفوفه.
أما على الصعيد السياسي، فإن الخطاب يتبنى قراءة تشاؤمية تهدف إلى تعميق الانقسام المجتمعي، من خلال تصوير الصراع كتمهيد لفسطاطين لا ثالث لهما. يربط النص بين القصف الإيراني وبين "ذرائع التطبيع" مع اليهود، ليخلق حالة من الاستقطاب الحاد داخل الشعوب. الهدف من هذا التحليل ليس تقديم حلول سياسية، بل التأكيد على أن "العمل العسكري الخالص" هو المخرج الوحيد. إنها "كياسة" الانتهازي الذي يقتات على التناقضات؛ فهو لا يسعى لإيقاف الصراعات، بل يدعو الله أن "يزيدهم حرباً ودماراً"، لأن أيديولوجيا التنظيم لا تنتعش إلا في بيئات الدول الفاشلة والمجتمعات الممزقة التي تفقد الثقة في كل الرايات باستثناء راديكالية التنظيم العابرة للحدود.
السمات اللغوية والأسلوبية
تطغى على الافتتاحية "لغة الاستعلاء التقريري"، وهي استراتيجية لغوية تهدف إلى ردم فجوة الهزائم الميدانية بانتصارات بلاغية. يستخدم النص عبارات قاطعة ومسبوكة في قوالب تراثية مثل: "الحق أبلج والباطل لجلج"، و"فسطاط إيمان لا كفر فيه"، وهي جمل لا تحتمل التأويل أو المراجعة المنطقية. هذا الأسلوب يهدف بالدرجة الأولى إلى "زرع اليقين" في نفوس الأتباع الذين يعيشون حالة من التيه العسكري والسياسي؛ فكلما ضاق الواقع الميداني، اتسع القاموس اللغوي للتنظيم ليشمل مفردات "السيادة" و"التمكن القدرِي"، محولاً الهزيمة إلى "ابتلاء" والانتظار إلى "فطنة"، مما يخلق حصانة ذهنية ضد أي نقد خارجي أو شك داخلي.
وفي موازاة لغة الاستعلاء، يبرز التوظيف المكثف لـ "خطاب العاطفة والمظلومية"، عبر استحضار جراحات الماضي القريب في "الموصل وحلب" وغيرها من الحواضر المسكونة في ذاكرة الأتباع. لا يستدعي النص هذه المدن كجغرافيا سياسية، بل كـ "رموز للملحمة" التي تعرضت لما يسميه "التحالف الصليبي الرافضي". هذا الربط العاطفي يهدف إلى استثارة المشاعر الانتقامية وربطها بالحدث الحالي (هلاك القادة)، ليُشعر الأتباع بأن "العدالة الإلهية" قد بدأت تأخذ مجراها للثأر لدمائهم. إنها عملية "تجييش وجداني" تعيد تدوير الألم التاريخي وتحوله إلى طاقة وقود لمحركات الولاء، موهمة الأتباع بأن تدمير خصومهم لبعضهم البعض هو ثمرة "ثباتهم" في تلك المعارك.
أما على مستوى البناء الأسلوبي، فيعتمد المقال "السردية القدرية الدرامية" التي تجعل من الأحداث العالمية المعقدة مجرد فصول في "قصة إلهية" بطلها الأوحد هو التنظيم. يستخدم النص أدوات ربط بيانية وألفاظاً جزلة (مثل: كفايته شر الظالمين، استدراجاً للكافرين، مفاصلة وتوحيد) ليعطي انطباعاً بـ "الرصانة العلمية" والعمق الشرعي. هذا "التفخيم اللغوي" يهدف إلى التغطية على الانتهازية السياسية؛ حيث يظهر التنظيم بمظهر "المراقب الحكيم" للأقدار، بينما هو في الواقع يحاول لملمة شتاته الفكري عبر "خداع لغوي" يحول الانقسامات الدولية العارضة إلى "سنن كونية" ثابتة لا تتحرك إلا لخدمة منهجه، مما يمنحه "شرعية صوتية" تعوض غيابه عن طاولة الفعل السياسي الحقيقي.
الخلاصة
المقال يمثل حالة من "العزلة الراديكالية". فبينما يرى العالم الصراع كتحول جيوسياسي كبير، يراه التنظيم مجرد "تصفية حسابات بين كفار" يجب استثمارها لإعادة إحياء مشروعه المتآكل.
الخطورة في هذا الخطاب: تكمن في محاولة نزع "أنسنة" الضحايا وتسطيح الصراعات المعقدة إلى ثنائية (كفر/إيمان) مطلقة، مما يغلق أبواب الحلول السياسية أو التحالفات الواقعية، ويدفع نحو مزيد من الانقسام داخل المجتمعات المسلمة.
