قراءة الدكتور عبد الرحيم علي في "معركة كسر الإرادة": تفكيك بنية إيران من الداخل

الأحد 08/مارس/2026 - 09:35 ص
طباعة قراءة الدكتور عبد حسام الحداد
 
في حلقة نقاشية مكثفة عبر قناة "إكسترا نيوز" أذيعت أمس السبت 7 مارس 2026، رسم الدكتور عبد الرحيم علي، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط بباريس، خارطة طريق لمستقبل الصراع المحتدم في المنطقة، معتبراً أن المواجهة الحالية بين التحالف (الأمريكي-الإسرائيلي) وإيران قد تجاوزت تماماً مراحل "التأديب" التقليدي أو محاولات الإضعاف المحدودة. ويرى الدكتور علي أننا بصدد مرحلة استراتيجية أكثر خطورة ووصفها بأنها "معركة كسر الإرادة"، التي تهدف بالأساس إلى تفكيك بنية النظام الإيراني من الداخل، مستهدفةً مفاصله الحيوية وعصب قيادته الأمنية والعسكرية لإنهاء دوره كلاعب إقليمي مهيمن.

تحول الاستراتيجية: من الإضعاف إلى الإنهاء
يرى الدكتور عبد الرحيم علي أن الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية قد انتقلت من مجرد الرغبة في "تأديب" النظام الإيراني أو إضعافه إلى مرحلة متقدمة تستهدف "كسر الإرادة" وتفكيك البنية النظامية من الداخل. وتتجلى هذه النية الواضحة في التصريحات الأخيرة لدونالد ترامب، التي تشير إلى أن الأهداف القادمة قيد الدراسة تتجاوز المنشآت التقليدية لتصل إلى "عصب النظام" ومفاصله الحيوية. ويشمل هذا التحول شن ضربات قاصمة للبحرية الإيرانية لضمان انسيابية التجارة العالمية وعزل أي تهديد لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة العالم، مما يعني إنهاء قدرة النظام على استخدام الورقة الملاحية كأداة للضغط الدولي.
وفي سياق متصل، يمتد نطاق الاستهداف ليشمل البنية الأمنية والسياسية العميقة، من خلال توجيه ضربات عنيفة لقوات "الباسيج" والأجهزة المسؤولة عن الأمن الداخلي لشل قدرتها على قمع أي تحركات جماهيرية ناتجة عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يخطط الحلفاء لشن "ضربات جراحية" دقيقة تستهدف مراكز القيادة والسيطرة وسلاسل القيادة في الحرس الثوري، مما يؤدي إلى خلق حالة من "السيولة" وفقدان التوازن داخل مؤسسات صنع القرار. الهدف النهائي من هذه العمليات المكثفة هو إيصال النظام إلى مرحلة "الاهتراء" وتهتك البنية الاستخبارية والعسكرية، بما يمهد الطريق لتغيير شامل في بنية النظام وإجباره على التراجع عن دوره كقوة إقليمية مؤثرة.

معضلة الخلافة: مجتبى خامنئي ورجل الظل
تعد قضية خلافة المرشد الأعلى في إيران "معضلة" سياسية وأمنية كبرى، حيث يبرز اسم مجتبى خامنئي كأقوى المرشحين لخلافة والده، وهو الذي يُوصف بـ "رجل الظل" القوي الذي يدير مفاصل الدولة فعلياً منذ احتجاجات عام 2009. وتعود سطوة مجتبى إلى كونه حلقة الوصل المركزية بين بيت المرشد والمؤسسات السيادية الحساسة، وعلى رأسها الحرس الثوري الذي يمنحه ولاءً مطلقاً لضمان استمرار نهج والده المتشدد. وبالإضافة إلى النفوذ العسكري، يسيطر مجتبى على إمبراطوريات اقتصادية هائلة وموازية، مثل "مؤسسة المستضعفين" وهيئات تنفيذ أوامر الإمام، وهي كيانات تتحكم في مليارات الدولارات بعيداً عن الرقابة الحكومية التقليدية، وتُستخدم بشكل مباشر لتمويل أذرع إيران الإقليمية والحرس الثوري وقوات الباسيج، مما يجعله الخيار المفضل والوحيد القادر على الحفاظ على توازن القوة المالية والعسكرية للنظام.
على الجانب الآخر، يكشف هذا الصعود المحتمل عن فجوة عميقة وتناقضات داخلية حادة يحاول الخصوم الدوليون، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، استغلالها لخلخلة تماسك النظام من الداخل. فهناك صراع مكتوم بين التيار المتشدد الذي يقبض على السلطة ويمثله مجتبى والحرس الثوري، وبين التيار الإصلاحي الذي يمثله شخصيات مثل حسن روحاني وحسن الخميني، والذين تعرضوا للتهميش الممنهج والإقصاء من مجلس خبراء القيادة لضمان تمرير المرشد القادم دون معارضة. هذا الانقسام يضع النظام في مأزق "شرعية" أمام الشارع الإيراني الذي يضج بالأزمات الاقتصادية، حيث يرى المحللون أن غياب التوافق الداخلي قد يحول عملية الخلافة إلى نقطة ضعف قاتلة، خاصة في ظل التهديدات الأمريكية باستهداف بنية النظام الأمنية لفتح الطريق أمام قوى بديلة تلتقط "تفاحة السلطة" في حال حدوث انهيار مفاجئ أو "تهتك" في هيكل القيادة.

سيناريوهات النهاية: صراع الوجود
تطرق الدكتور عبد الرحيم علي خلال الحلقة إلى أربعة سيناريوهات استراتيجية رسمتها تقارير دولية مثل "الجارديان" لمستقبل الصراع، حيث يأتي في مقدمتها سيناريو "تفكيك النظام" الذي يُعد الأكثر تعقيداً؛ إذ يرتكز على إحداث شلل تام في قدرات الحرس الثوري وقوات الباسيج، بالتوازي مع عجز الدولة عن توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين كالماء والكهرباء والرواتب، مما يدفع الشارع للانفجار في وجه سلطة فاقدة لأدوات الردع. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في "صعود خليفة من داخل النظام"، وهو الاحتمال الذي يراه الضيف الأقرب للتحقق حالياً، كونه يضمن بقاء هيكل الدولة ويحفظ ما يُسمى بـ "الكرامة الوطنية" للنظام أمام جمهوره وأذرعه في الخارج، خاصة مع اقتراب لحظة اختيار المرشد الجديد التي قد تحسم مصير المواجهة إما نحو التصعيد الثأري أو الانكفاء لمعالجة الجراح الداخلية.
وفي المقابل، يبرز سيناريو "حرب الاستنزاف" كأداة تحاول إيران من خلالها إطالة أمد الصراع لاستنزاف الخصوم اقتصادياً وعسكرياً عبر وكلائها وصواريخها، بينما تتبنى واشنطن وتل أبيب استراتيجية مضادة تسعى لإنهاء المعركة بضربات "خاطفة وجراحية" لتجنب الضغوط السياسية وتكاليف الحرب الباهظة التي قد تؤلب الداخل الأمريكي. وينتهي هذا المسار بالسيناريو الرابع والأخطر وهو "تغيير موازين القوى الشامل"، حيث تؤدي الضربات المستمرة إلى حالة من "التهتك" العسكري والاستخباري للنظام الإيراني، مما يعني تحوله من لاعب إقليمي مهيمن إلى دولة ضعيفة تنكفئ على ذاتها، وهو تحول جذري من شأنه إعادة صياغة التحالفات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط بالكامل وإنهاء حقبة التهديدات العابرة للحدود.

الموقف الدولي: حلفاء الضرورة والحياد الحذر
فيما يتعلق بالمواقف الدولية تجاه هذا الصراع الوجودي، استبعد الدكتور عبد الرحيم علي بشكل قاطع حدوث أي تدخل عسكري مباشر من القوى الكبرى كروسيا والصين لدعم طهران، معتبراً أن حسابات هذه الدول براغماتية وتحكمها المصالح القومية لا العواطف الأيديولوجية؛ فالصين تسعى لتقديم نفسها كـ "صوت للعقل" وراعٍ للسلام العالمي لتعزيز نفوذها الدبلوماسي وحماية استثماراتها، بينما تنظر روسيا إلى الإجهاد العسكري الأمريكي في المنطقة كإضافة لميزان مكاسبها في جبهات أخرى مثل أوكرانيا، لكنها لن تخاطر بالانخراط في "معركة خاسرة" عسكرياً أو مواجهة مباشرة مع واشنطن وتل أبيب. هذا الحياد الحذر يترك النظام الإيراني وحيداً في مواجهة "قطار الحرب" الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث تكتفي هذه القوى بدعم معلوماتي محدود "من تحت لتحت" أو بانتظار لحظة انكسار النظام لتقديم نفسها كحليف بديل في منطقة ستتغير موازين القوى فيها بشكل جذري.

الخاتمة: معركة "قطار الحرب"
يخلص المقال التحليلي للحلقة إلى أننا أمام "حرب أهداف" وليس "حرب منشآت". النظام الإيراني يواجه اختباراً وجودياً، حيث لم تعد الضربات تستهدف المفاعلات النووية فقط، بل تستهدف "الصورة الذهنية" والهيبة التي بناها النظام على مدار عقود. الأيام القادمة، وبناءً على هوية المرشد الجديد وردود الفعل الميدانية، ستحدد ما إذا كانت إيران ستنكفئ على جراحها كدولة ضعيفة، أم ستخوض مواجهة انتحارية دفاعاً عن بقائها.

شارك